فوائد من تفسير سورة البقرة للشيخ
ابن عثيمين
:
1.
أول ما نزل من القرآن
على وجه الإطلاق قطعا الآيات الخمس الأولى من سورة العلق ،
ثم فتر الوحي مدة ثم نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة المدثر .
2.
ما اشتهر أن سبب نزول
قوله تعالى : ( ومنهم من عاهد الله …..) أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب في قصة طويلة ذكرها كثير من
المفسرين وروجها كثير من الوعاظ ضعيف لا صحة له .
3.
( لا ريب فيه ) الريب
هو الشك ؛ ولكن ليس مطلق الشك ؛ بل الشك المصحوب بقلق
لقوة الداعي الموجب للشك ؛ أو لأن النفس لا تطمئن لهذا الشك .
4.
وصف النبي صلى الله
عليه وسلم الكلب الأسود بأنه شيطان ؛ وليس معنى هذا انه
شيطان الجن ؛ بل معناه : الشيطان في جنسه : لأن أعتى
الكلاب وأشدها قبحا هي الكلاب السود . ويقال للرجل العاتي :
هذا شيطان بني فلان – أي مَريدهم ، وعاتيهم .
5.
تَقِيَّة ( فائدة في
التشكيل )
6.
يرجح شيخ الإسلام ابن
تيمية أن ( المنتقم ) لا يوصف به الله – سبحانه – على وجه الإطلاق – ولو مقرونا بما يقابله -
7.
( استوقد نارا ) أي
طلب من غيره أن يوقد له .
8.
( أضاءت ما حوله ) ولم
تذهب بعيدا لضعفها .
9.
( ذهب الله بنورهم )
وأبقى حرارة النار
10.
( فهم لا يرجعون ) عن غيهم .
11.
( كصيب ) الكاف اسم بمعنى مثل ….ويجوز أن نقول : إن الكاف حرف تشبيه
12.
فهؤلاء عندهم ظلمات في
قلوبهم – فهي مملوءة ظلمة من الأصل ؛ أصابها صيب – وهو القرآن - فيه رعد ؛
والرعد وعيد شديد ؛ و فيه برق – وهو وعد القرآن ؛ إلا أنه بالنسبة لما فيه نور وهدى يكون كالبرق ؛
لأن البرق ينير الأرض .
13.
فائدة لغوية : في ( أصبع ) عشر لغات
وإليها أشار في قوله :
وهمزَ انملةٍ ثلّث وثالثَه
التسعُ في إصبع واختم بأصبوع
14.
من الفوائد أن البرق
الشديد يخطف البصر ؛ ولهذا ينهى الإنسان أن ينظر إلى
البرق حال كون السماء تبرق ؛ لئلا يخطف بصره .
15.
ما نراه في عناوين بعض
السور أنها مدنية إلا آية كذا ، أو مكية إلا آية كذا غير
مسلّم حتى يثبت ذلك بدليل صحيح صريح ؛ وإلا فالأصل أن
السورة المدنية جميع آياتها مدنية ، وأن السور المكية جميع آياتها مكية إلا بدليل
ثابت .
16.
( لا إله إلا الله )
توحيد القصد ، ( محمد رسول الله ) توحيد المتابعة .
17.
( وادعوا شهداءكم ) أي
الذين تشهدون لهم بالألوهية ، وتعبدونهم كما تعبدون الله
، ادعوهم ليساعدوكم في الإتيان بمثله ؛ وهذا غاية ما يكون من التحدي : أن يتحدى
العابد والمعبود أن يأتوا بسورة مثله .
18.
( وقودها الناس
والحجارة ) : قال بعض العلماء : إن المراد بها الحجارة
المعبودة ، وقيل والحجارة الموقودة التي خلقها الله عز
وجل لتوقد بها النار .
19.
علق الشيخ عبد الرحمن
بن سعدي على كتاب شفاء العليل لابن القيم عند قوله بفناء النار قال
: ( إن هذا من باب لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة ) .
20.
لا بأس أن تهنئ بالعيد
وبما يسر كأن تقول : هنَّأك الله بالعيد .
21.
( إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها )
: ( بعوضة ) عطف بيان لـ ( ما ) أي مثلاً بعوضة .
22.
( فما فوقها ) أي فما دونها ؛ لأن الفوقية تكون للأدنى ، وللأعلى ، كما أن الوراء
تكون للأمام ، وللخلف ، كما في قوله تعالى : ( وكان
وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا )
23.
( فيقولون ماذا أراد
الله بهذا مثلا ) ( ما) هنا اسم استفهام مبتدأ ؛ و( ذا )
اسم موصول بمعنى ( الذي ) خبر المبتدأ – أي ما الذي أراد الله بهذا مثلا ، كما قال ابن مالك :
ومثل ماذا بعد ما استفهام أو من إذا لم تلغ في الكلام
24.
( أولئك هم الخاسرون ) : جملة اسمية مؤكدة بضمير الفصل ( هم ) لأن ضمير الفصل له
ثلاث فوائد ؛ الأولى التوكيد ؛ الثانية : الحصر ؛ الثالثة : إزالة اللبس بين الصفة
والخبر . ولذا سمي ضمير فصل – لفصله بين الوصف والخبر ؛ وضمير الفصل
ليس له محل من الإعراب .
25.
الموت يطلق على ما لا
روح فيه – وإن لم تسبقه حياة _ ؛ يعني : لا يشترط
للوصف بالموت تقدم حياة ؛ لقوله تعالى : ( كنتم أمواتا فأحياكم ) ؛ أما ظن بعض
الناس أنه لا يقال ( ميت ) إلا لمن سبقت حياته ؛ فهذا ليس بصحيح ؛ بل إن الله
تعالى أطلق وصف الموت على الجمادات ؛ قال تعالى في
الأصنام : ( أموات غير أحياء )
26.
( ثم استوى إلى السماء
) أي علا إلى السماء ؛ هذا ما فسرها به ابن جرير – رحمه الله ؛ وقيل : أي قصد ؛ وهذا ما اختاره ابن كثير …… فمن نظر إلى أن هذا الفعل عدي بـ ( إلى
) قال : إن ( استوى ) هنا ضُمّن معنى ( قصد ) ، ومن نظر إلى أن الاستواء لا يكون إلا
في علو جعل ( إلى ) بمعنى ( علا ) ؛ لكن
هذا ضعيف ؛ لأن الله تعالى لم يستو على السماء أبدا ؛ وإنما استوى على العرش ؛
فالصواب ما ذهب إليه ابن كثير رحمه الله وهو أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام
والإرادة الجازمة .
27.
( إني
جاعل في الأرض خليفة ) ؛ خليفة يخلف الله ؛ أو يخلف من
سبقه ؛ أو يخلف بعضهم بعضا يتناسلون – على أقوال ……….. لكن قول الملائكة ( أتجعل فيها من يفسد
فيها ويسفك الدماء ) يرجح أنهم خليفة لمن سبقهم ، وأنه
كان على الأرض مخلوقات قبل ذلك تسفك الدماء
28.
( وعلم آدم الأسماء
كلها ) ؛ هل هذه الأسماء أسماء لمسميات حاضرة ؛ أو لكل
الأسماء ؟ للعلماء في ذلك قولان ؛ والأظهر أنها أسماء
لمسميات حاضرة بدليل قوله تعالى : ( ثم عرضهم على الملائكة )
29.
( أنبئوني ) الظاهر
أنه تحد ؛ بدليل قوله تعالى ( إن كنتم صادقين ) أن لديكم
علما بالأشياء فأنبئوني بأسماء هؤلاء ؛ لأن الملائكة قالت فيما سبق : ( أتجعل فيها
من يفسد فيها ويسفك الدماء ) فقال تعالى : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) ، ثم امتحنهم
الله بهذا
30.
( إني
أعلم غيب السماوات والأرض ) الغيب نوعان : نسبي ؛ وعام ؛
فأما النسبي فهو ما غاب عن بعض الخلق دون بعض ؛ وأما العام فهو ما غاب عن الخلق
عموما .
31.
استدل بعض العلماء
لكفر تارك الصلاة بأن إبليس كفر بترك سجدة واحدة أمر بها .
32.
( اسكن أنت وزوجك
الجنة ) : ( أنت ) توكيد للفاعل ؛ وليست هي الفاعل ؛ لأن
( اسكن ) فعل أمر ؛ وفعل الأمر لا يمكن أن يظهر فيه الفاعل ؛ لأنه مستتر وجوبا ؛
وعلى هذا فـ ( أنت ) الضمير المنفصل توكيد للضمير المستتر .
33.
( الجنة ) ظاهر الكتاب
والسنة أنها جنة الخلد ، وليست سواها ؛ لأن ( أل ) للعهد
الذهني .
34.
فإن قيل : كيف يكون القول الصحيح أنها جنة الخلد مع أن من دخلها لا
يخرج منها ؟ فالجواب : أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها
: بعد البعث ؛ وفي هذا يقول ابن القيم :
فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى
وفيها المخيم
35.
الشيطان
قد يأتي الإنسان ، فيوسوس له ، فيصغر المعصية في عينه ؛
ثم إن كانت كبيرة لم يتمكن من تصغيرها ؛ منّاه أن يتوب منها ، فيسهل عليه الإقدام
؛ ولذلك احذر عدوك أن يغرك .
36.
من الفوائد أن قول
الله تعالى يكون شرعيا ، ويكون قدريا ؛ فقوله تعالى : (
يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها ) هذا شرعي ؛ وقوله تعالى : ( وقلنا اهبطوا
بعضكم لبعض عدو) الظاهر أنه كوني ؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم أنه لو عاد الأمر إليهما لما هبطا ؛ ويحتمل أن يكون
قولا شرعا ؛ لكن الأقرب عندي أنه قول كوني – والله أعلم .
37.
اعلم أن
لله تعالى على عبده توبتين ؛ التوبة الأولى قبل توبة العبد ؛ وهي التوفيق للتوبة ؛
والتوبة الثانية بعد توبة العبد ؛ وهي قبول التوبة ؛ وكلاهما في القرآن ؛ قال الله
– تبارك وتعالى : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم
الأرض بما رحبت وضاقت عليهم انفسهم وظنوا إلا ملجأ من
الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا )
فقوله تعالى : ( ثم تاب عليهم ) أي وفقهم للتوبة ، وقوله تعالى ( ليتوبوا ) أي
يقوموا بالتوبة إلى الله ؛ وأما توبة القبول ففي قوله تعالى : ( وهو الذي يقبل
التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات )
38.
( والذين كفروا وكذبوا
بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )
( كفروا ) أي بالأمر
؛ ( وكذبوا ) أي بالخبر ؛ فعندهم جحود ، واستكبار ؛ وهذان هما الأساسان
للكفر .
39.
( إسرائيل ) معناه – على ما قيل – عبد الله
40.
سكن اليهود المدينة
ترقبا للنبي صلى الله عليه وسلم الذي علموا أنه سيكون مهاجَره
المدينة ليؤمنوا به ؛ لكن لما جاءهم ما عرفوا كفروا به .
41.
لو كان
عدد العدو أكثر من مثلي المسلمين فلا يلزمهم أن يصابروهم ، ويجوز أن يفروا .
42.
هل الكافر مخاطب بفروع الإسلام ؟
فيه تفصيل ؛ إن أردت بالمخاطبة أنه مأمور أن يفعلها فلا ؛ لأنه لا
بد أن يسلم أولا ، ثم يفعلها ثانيا ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل : ( فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله …..)
إذاً هم لا يخاطبون بالفعل – يعني لا يقال : افعلوا – ؛ فلا نقول للكافر : تعال صل ؛ بل نأمره أولا
بالإسلام ؛ وإن أردت بالمخاطبة أنهم يعاقبون عليها إذا ماتوا على الكفر فهذا صحيح
؛ ولهذا يقال للمجرمين : ( ما سلككم في سقر ، قالوا لم نك من المصلين …) ووجه الدلالة من الآية أنه لولا أنهم كانوا
مخاطبين بالفروع لكان قولهم : ( لم نك من المصلين ….) عبثا لا فائدة منه ، ولا تأثير له .
43.
من فوائد الآية : أن
من اشترى بآيات الله ثمنا قليلا ففيه شبه من اليهود ؛ مثل الذين يقرؤون العلم الشرعي من أجل الدنيا ؛ وحينئذ يشكل على كثير من الطلبة من يدخل الجامعات
لنيل الشهادة : هل يكون ممن اشترى بآيات الله ثمنا قليلا ؟ والجواب
: أن ذلك بحسب النية ؛ إذا كان الإنسان لا يريد الشهادة إلا ليتوظف ، فهذا اشترى بآيات الله ثمنا قليلا ؛ وأما إذا كان
يريد أن يصل إلى المرتبة التي ينالها بالشهادة من أجل أن يتبوأ مكانا ينفع به
المسلمين فهذا لم يشتر بآيات الله ثمنا قليلا .
44.
( ولا
تلبسوا الحق بالباطل ) ؛ من لبس الحق بالباطل : أولئك
القوم الذين يوردون الشبهات إما على القرآن ، أو على أحكام القرآن ، ثم يزيلون
الإشكال – مع أن إيراد الشبه إذا لم تكن قريبة لا ينبغي
– ولو أزيلت هذه الشبهة ؛ فإن الشيطان إذا أوقع الشبهة بالقلب فقد
تستقر – وإن ذكر ما يزيلها –
45.
تفصيل جيد عن كتمان
العلم ( المجلد الأول 154 )
46.
استدل بعض العلماء
لوجوب صلاة الجماعة بقوله تعالى ( واركعوا مع الراكعين ) ؛
لكن في هذا الاستدلال شئ ؛ لأنه لا يلزم من المعية المصاحبة في الفعل ؛ ولهذا قيل لمريم
( واركعي مع الراكعين ) : والنساء ليس عليهن جماعة .
47.
( أتأمرون الناس بالبر
وتنسون أنفسكم ) قال أهل التفسير : إن الواحد منهم يأمر
أقاربه باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويقول : إنه
حق ؛ لكن تمنعه رئاسته ، وجاهه أن يؤمن به ؛ ومن أمثله ذلك الغلام اليهودي وأبوه .
48.
( أفلا
تعقلون ) العقل نوعان : عقل هو مناط التكليف وهو إدراك الأشياء ، وفهمها ؛ وهو الذي يتكلم
عليه الفقهاء في العبادات ، والمعاملات ، وغيرها ؛ وعقل الرشد – وهو أن يحسن الإنسان التصرف – وسمي إحسان التصرف عقلا ؛ لأن الإنسان عَقَل
تصرفه فيما ينفعه .
49.
قال بعض السلف : إما أن تصبر صبر الكرام ؛ أو تسلو سلو
البهائم .
50.
لنفرض أن إنسانا من
طلبة العلم همّ أن يحفظ بلوغ المرام ، وشرع فيه ، واستمر حتى حفظ نصفه ؛ لكن لحقه الملل ، فعجز
وترك ، فالمدة التي مضت خسارة عليه إلا ما يبقى في ذاكرته مما حفظ فقط ؛ لكن لو
استمر ، وأكمل حصل المقصود ؛ وعلى هذا فقس .
51.
روي عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه كان إذا حزبه أمر صلى ؛ ويؤيد ذلك اشتغاله
في العريش يوم بدر بالصلاة ، ومناشدة ربه بالنصر .
52.
قال النبي صلى الله
عليه وسلم : ( جعلت قرة عيني في الصلاة )
53.
قصة عبور سعد رضي الله
عنه لنهر دجلة ( ص 170)
54.
( يذبحون أبناءكم ) : في سورة الأعراف ( يقتلون ) وهو بمعنى ( يذبحون ) ؛ ويحتمل
أن يكون مغايرا له ؛ فيحمل على أنهم يقتلون بعضا بغير الذبح
، ويذبحون بعضا
55.
( يستحيون
نساءكم ) أي يستبقون نساءكم ؛ لأنه إذا ذهب الرجال و
بقيت النساء ذل الشعب ، وانكسرت شوكته .
56.
قيل إن
التقتيل كان بعد بعثة موسى ؛ لأن فرعون لما جاءه موسى بالبينات قال ( اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم ) ، وقال في سورة الأعراف : ( سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم و إنا فوقهم قاهرون ) .
وذكر بعض المؤورخين
أن هذا التقتيل كان قبل بعثة موسى أو قبل ولادته ؛ لأن
الكهنة ذكروا لفرعون أنه سيولد لبني إسرائيل ولد يكون هلاكك على يده ؛ فجعل يقتلهم
؛ وعضدوا هذا القول بما أوحى الله تعالى إلى إم موسى :
( أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني ) ؛ لكن هذا الآية
ليست صريحة فيما ذكروا ؛ لأنها قد تخاف عليه إما من هذا الفعل العام الذي يقتل به
الأبناء ، أو بسبب آخر ، وآية الأعراف : ( قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد
ما جئتنا ) لا دليل فيها صراحة على أن التقتيل كان قبل ولادة موسى عليه السلام ؛ لأن
الإيذاء لا يدل على القتل ، لأن فرعون لم يقل : سنقتل أبناءهم ، ونستحيي نساءهم إلا بعد أن أرسل إليه موسى عليه السلام ،
ولهذا قال موسى عليه السلام لقومه بعد ذلك : ( استعينوا بالله واصبروا إن الأرض
لله يورثها من يشاء من عباده ) .
57.
( ولقد أوحينا إلى
موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ) ذكر
بعض المفسرين أنه كانت في هذه الفرق فتحات ينظر بعضهم إلى بعض حتى لا ينزعجوا .
58.
( وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان ) : عطفه هنا من باب عطف الصفة على الموصوف ؛ والعطف يقتضي
المغايرة ؛ والمغايرة يكتفي فيها بأدنى شئ ؛ قد تكون
المغايرة بين ذاتين ( خلق السموات
والأرض ) ؛ وقد تكون بين صفتين ( سبح اسم ربك الأعلى ، الذي خلق فسوى ، والذي قدر فهدى ، والذي أخرج المرعى ) ؛ وقد تكون بين
ذات وصفة ( الكتاب والفرقان ) .
59.
ما يوجد في بعض كتب
الوعظ من القصص عن بعض الزهاد ، والعباد ، ونحوهم نقول
لكاتبيها ، وقارئيها : خير لكم أن تبدوا للناس كتاب الله عز وجل ، وما صح عن رسوله
صلى الله عليه وسلم ، وتبسطوا ذلك ، وتشرحوه ، وتفسروه بما ينبغي أن يفهم حتى يكون
ذلك نافعا للخلق ؛ لأنه لا طريق للهداية إلى الله إلا ما جاء من عند الله عز وجل .
60.
من الفوائد أن الإيتاء
المضاف إلى الله سبحانه وتعالى يكون كونيا ، ويكون شرعيا
؛ مثال الكوني قوله تعالى : ( وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة )
ومثال الشرعي قوله تعالى : ( وآتينا موسى الكتاب )
61.
( فاقتلوا أنفسكم ) أي
ليقتل بعضكم بعضا ، وليس المعنى أن كل رجل يقتل نفسه
بالإجماع ، واختلف المفسرون : هل هذا القتل وقع في ظلمة ، أو وقع جهارا بدون ظلمة
؟ فقيل : إنهم لما أمروا بذلك قالوا : لا نستطيع أن يقتل
بعضنا بعضا وهو ينظر إليه ؛ فألقى الله تعالى عليهم ظلمة ، وقيل كان جهرا ، وأن
هذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم ، وأنهم لما رأى موسى صلى الله عليه وسلم أنهم
سينتهون ابتهل إلى الله سبحانه أن يرفع عنهم الإصر ؛ فأمروا بالكف ؛ وقيل : بل
سقطت أسلحتهم من أيديهم .
62.
( وإذ
قلتم لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ) اختلف العلماء
متى كان هذا ، على قولين :
·
القول الأول : أن موسى صلى الله عليه وسلم اختار من قومه سبعين رجلا
لميقات الله ، وذهب بهم ؛ ولما صار يكلم الله ، ويكلمه الله قالوا : ( لن نؤمن لك
حتى نرى الله جهرة ) ؛ فعلى هذا القول يكون صعقهم حينما كان موسى خارجا لميقات
الله .
·
القول الثاني : أنه لما رجع موسى من ميقات الله ، وأنزل الله عليه
التوراة ، وجاء بها قالوا : ( ليست من الله ؛ ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة )
والسياق
يؤيد الثاني ؛ لأنه تعالى قال : ( وإذ آتينا موسى الكتاب
والفرقان ) ، ثم ذكر قصة العجل ، وهذه كانت بعد مجيء موسى بالتوراة ، ثم بعد ذلك
قال : ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة )