قراءة : محمد مراح
ينطلق هذا الكتاب في تقديرنا من المسلمة الآتية ، إن أمريكا "المتحضرة"
تريد فرض "التحضر"، اللامتحضر، بوسائل غير متحضرة".فبقدر ما تحمله هذه
المسلمة من تناقض؛بمقدارما تصدق على حقيقة الممارسة الإعلامية إحدى الوسائل
غير المتحضرة الأمريكية المسوقة في المنطقة العربية والإسلامية لها أولا
وأخيرا، لعلمها ألا أحد عدا فئات يسيرة من المتخصصين سيعير هذا الإعلام
الاهتمام المرجو. في هذا السياق يشرح الأستاذ عبد العزيز بن زيد آل داود في
أحدث إصداراته وهو : كتاب ( قناة الحرة ، وأمركة العقل العربي ) ،أداء
وتقويما، وكشفا عن الأهداف ، وحكما عن المآل .
وإذا كان العنوان الفرعي للكتاب(أمركة العقل العربي) ، قد لخص الهدف
الرئيس، فإن المآل يحمله قوله : " الحرة مشروع آيل إلى الإخفاق، والانكفاء
على نفسه، ومن ثم فهو جهد ضائع، وإن سانده دعم مالي، لكن رصيده من الحقيقة
مغلوط وناقص...ورغم أن الحرة ولدت ميتة، فإنها أيضا رسالة متناقضة، وغير
واقعية ، وتحمل كل أرزاء فشلها على كاهل مصدرها، الذي ينشد الحرية
والديمقراطية، ويحبذ انتشارها، ثم هو أول المتبرمين منها والمناوئين لها
(ص140) وبين هذا وذاك نرافق الكاتب في تحليله لأداء القناة ، وأهدافها
التابعة للأصل.
فرغم ما تبدو عليه أمور السياسة الأمريكية من استخطاط ، وصدور عن
استراتيجيات دقيقة، فإن العمق العاطفي يساوق تلك العمليات، وربما وجهها،
فالرئيس الأمريكي الحالي على غرار بعض الرؤساء الذين سبقوه مثل نيكسون
يدفعه الموقف العاطفي من العرب والإسلام إلى خوض الحرب ضد ما يسميه
"الإرهاب"، وهو ما يكشف عنه أحد المسئولين السامين السابقين في الإدارة
الأمريكية، حيال تساؤل بوش، لماذا يكرهنا العرب والمسلمون كل هذه الكراهية؟
يقول : ليسأل نفسه لماذا أكره العرب والمسلمين كل هذه الكراهية؟"ص 30.
ويعود الكاتب بالبحث عن جذور هذه الكراهية في تصريحات السياسيين ،
والمناهج الدراسية التعليمية، فنائب الرئيس الأمريكي (ديك تشيني) يصف
الإسلام بالعدو البديل للغرب ص31 ورصدت لجنة مكافحة التمييز العربية عديدا
من الصور النمطية في مناهج التعليم الأمريكية ADC عن المسلمين والعرب من
أبرزها أنهم سفاحون، إرهابيون، ومتطرفون، ومغتصبون، ومفجرو طائرات،
ومحاربون لإسرائيل ورميها في البحر. والمرأة مضطهدة من الرجال ، وأن النساء
راقصات عاريات ، وبلا وجوه، ولا شخصيات ، ولا أصوات" ص31-33 فيعتبر الكاتب
هذه الصور هي المبرر لما يعرف بـ " فوبيا الإسلام " أي الخوف المرضيّ منه،
وبه تحددت السياسات الأمريكية ، والغربية مع الإسلام .
وبالمقابل فقد رسخت في المخيلة العربية الصورة السلبية السيئة عن
أمريكا، نتيجة لمواقفها التي تزداد كل يوم عدوانية، وتربصها بالإسلام
والمسلمين، ويختزل الكاتب أهم هذه المواقف في نقاط عدة ص34،37، لا تبقى
معها أي مساحة أمل أو تفاؤل في ما تخطط له وتمارسه السياسة الأمريكية في
المنطقة، التي تمثل هذه ا 5/ 6 من مصالح أمريكا في استراتيجيتها التي
أقرتها عام 1996، لتنفذها حتى عام 2015 ص40،42 واختارت عالم الفكر، ليكون
من أهم ميادين الحرب، وتنفيذ استراتيجيتها مثلما عبر وزير الدفاع رامسفيلد
بقوله :" ينبغي علينا الانتصار في الحرب على الإرهاب، أن ننتصر أيضا في حرب
الأفكار في المعركة للفوز بعقول أولئك الذين تقوم حاليا شبكات الإرهاب
بتجنيدهم".ص 48.
فجاءت حرب الأفكار كما يقول الأستاذ عبد العزيز آل داود عبر وسائل
إعلامية، وثقافية، وأصبح التدافع نحوها في عمق الأرض العربية، ووسط الحياة
نفسها بما يشي عن استفحال هذه الحرب، وتوجيهها نحو إعادة رسم الخريطة
العربية، وتغيير أنماط حياتها، ونظمها المختلفة"ص52.
وفي هذا الصدد تندرج رعاية أمريكا لعدد من المشروعات الثقافية
والإعلامية مثل : إنشاء الصحف والمجلات إنشاء الإذاعات تقديم الجوائز
والهبات وغيرها ترجمة كتب إلى العربية تحمل المنظور الأمريكي في قضايا
الاقتصاد والفكرص56، ولهذا أقرت لجنة العلاقات الدولية بالكونغرس مشروع
قانون أْطلق عليه برامج (دبلوماسية الرأي العام) ، يخصص أموالا لإنشاء قناة
تلفزيونية بالعربية يمتد إرسالها على مدار الساعة ص 58.
فتهدف من ذلك للحصول على جملة من النتائج منها :
الإفادة من كل الوسائل الإعلامية، لإعلام الشعوب أن الحكومة الأمريكية
تدعم مواقفها، وتشد من أزرها، وتحاول منحها الحرية في القول والفعل.
الولوج إلى أذهان الناس عبر مداخل نفسية مدهشة، وترطيب الأذهان والعقول
بمقولات لها إيقاع مميز، وتحاكي احتياجا هاما لدى الإنسان وهو الحرية ص 62.
ويعزو الكاتب هذه المبادرات الإعلامية الأمريكية إلى مشروع الشرق الأوسط
الكبير، الذي يولي الإعلام دورا هاما في تجسيده، خاصة مع نظرته للإعلام في
المنطقة بانه قاصر لأسباب عدة منها :
كونه لا يمجد الممارسات الأمريكية، ويشوه صورته في الذهنية العربية
فيسهم في تكوين رأي عام مناوئ لها، ويرفض ممارسات الاحتلال، ويسيطر عليه
متشددون معادون لهاص80 82 فتبعث قناة الحرة لتقول من خلالها "إنها هي
النموذج الأمثل، والأفضل لما ينبغي أن يكون عليه الإعلام في المنطقة "ص81،
فالحرة إذن محاولة ذات أبعاد تروم تجميل الوجه الأمريكي،وتسويق الأفكار
الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، والعالم في إطار فرض الهيمنة، ونظام
القطبية، وتحرير العالم العربي من قيمه الذاتية ص94وتعد أكبر مشروع إعلامي
سياسي غربي موجه للعرب منذ إطلاق القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية
(بي بي سي )في عام1934، و(صوت أمريكا) باللغة العربية عام1942وقدرت
ميزانيتها ب400مليون دولار ، خاصة بعد إنشاء فرعها بالعراق، يعمل بها نحو
200صحفي معدل أعمارهم 30سنة، مجهزة بأحدث التجهيزات التقنية الإعلامية ص
59.
ومن أهم أهداف قناة الحرة، كما لخصها الكاتب، فضلا عما سبق ذكره:
الترويج للمبادئ أو المثل الغربية، باعتبارها قيما إنسانية هدفها الإنسان
سلوكا، وتقدما، وتنمية تحطيم مبادئ وقيم، وثقافة المستهدفين برسائلها
الإعلامية، أو تهوين شأنها على الأقل باعتبارها عوائق في طريق التقدم
التبشير بالحرية والديموقراطية على الطريقة الأمريكية تذليل المعوقات
النفسية تجاه عملية السلام، والتمكين لإسرائيل في المنطقة، فضلا عن حمايتها
فكريا، والدعوة لها باعتبارها دولة ديموقراطية الخوض في المبادئ، والمناوأة
للمثل، والتربص بالأنظمة التهيئة للمشروع الاستعماري الأمريكي الحضاري،
والثقافي.ص103.
وهي أهداف تجعل الغلبة في النهاية للنموذج الحضاري الأمريكي مع ضمان
التأبيد، مقابل التبعية المضمونة من شعوب المنطقة بعد خفوت عوامل المنعة
الحضارية من النفوس والواقع. وقد أثبتت التجربة التاريخية أن هذا الأسلوب
هو أنجع الطرائق، لتحصيل المصالح الضيقة المؤكدة، والمستمرة من طرف الجهة
الغالبة والمتفوقة حضاريا .
وبين يدي استقصاء أساليب ومضامين الرسالة الإعلامية للحرة، يطرح المؤلف
مجموعة أسئلة حول مدى كفاية اصطناعها لعوامل الجذب الإعلامي تقنيا،
وإخراجا، وأسلوب استيعاب لنفسية المشاهد، فيخلص إلى أن هذا غير كافٍ، لكون
المشاهد العربي يريد التعامل مع إعلام لا مواربة فيه، ص 105.
وهي التي تعتمد المواربة أي المواربة الإعلامية منهجا في خطابها
الإعلامي ، فتسمي(قوات الاحتلال) بـ(قوات التحالف) و (العمليات الفدائية)
بـ(العمليات الانتحارية ) ، ورغبة منها في عدم الاعتراف بالواقع، أو
التظاهر بالحياد الإعلامي تردد عبارة (مايسمى كذا) ، وفي تغطيتها مثلا
لمسألة منع الحجاب بفرنسا تجرى مقابلات فقط مع المؤيدين دون المعارضين .
ولهذا جاءت رؤية المشاهد العربي متوجسة من إطلالة هذه القناة، مدركة
لأغراضها (ص107105) .
لكن يبدو أنها أنها تفطنت لبعض هذه العيوب، فاستدركتها بقدر من الانفتاح
على الرأي الآخر، دون أن يكون ذلك منها بالطبع تخليا عن أهدافها،بل إصرارا
على تحقيقها . وهي بالتالي تعد نسخة إضافية للإعلام الرسمي في المنطقة.
والكتاب جهد طيب من إعلامي ينطلق من رؤية تعتبر الإعلام حامل رسالة
سامية صادقة، وليس مجرد ناقل خبر ندرجه ضمن المبادرة الساخنة في الوقت
المناسب، لكشف حقيقة وأهداف هذا المشروع الإعلامي الكبير الذي يعول عليه
القائمون على تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير.
ومع هذا فأرى أن مثل هذا الجهد الذي نعتقد أنه يحقق غايته لدى من يطلع
عليه بوعي وإدراك، ليس سوى خطوة على الطريق، إذ العمل الذي نرى أننا
مطالبون بتحقيقه هو المشروعات البديلة ، فإذا كانت بعض القنوات الفضائية
العربية تؤدي بعضا أو كثيرا مما عليها ، فهل هي كافية لمواجهة المشروعات
الإعلامية والثقافية الموجهة من الخارج كقناة الحرة؟
أين هو مشروع القناة الفضائية التي وعدت بها منظمة المؤتمر الإسلامي ؟
إذ ليست هناك فترة الأمة أحوج ما تكون فيها لمثل هذه القناة كهذه الفترة،
وأين هي القناة المتخصصة في الدعوة لكل ما له من صلة ببناء النهضة ؟ تحول
قضاياها ومسائلها لبرامج علمية، وفنية، وترفيهية، وبرامج الأطفال، تلتقي
كلها حول معنى واحد، وهدف واحد، هو كيف تستغل الأمة إمكاناتها الحضارية في
مشروع النهضة؟.إذ لا سبيل للمواجهة الحقيقة إلا إذا نهضنا، فكيف يسهم
إعلامنا في النهضة الحقيقية ؟ ذلك هو السؤال الكبير جدا الذي نعتقد أننا
بحاجة إلى دراسات جادة تعقبها تجسيدات عملية
لها.