بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
سعادة كُتّاب صحيفة الوطن المُحترمين .. السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته ،، أما بعد :
فتعلمون حساسية المرحلة التي نمرّ بها ، وتُدركون ضرورة توحيد الصفوف
وتكريس الجهود في مواجهة العنف ، وأنّ أيّ عملٍ يصرف الجُهود عن أداء
مهمتها في مواجهة العنف في هذه المرحلة يُعتبرُ خيانة للوطن ودعما لتيّار
العنف والغلو بصرف الأنظار عنهم وتلهية المُخلصين عن مواجهتهم ..
لقد اطلعت واطلع غيري على مجموعة كتابات صدرت من بعضكم إبّان هذهـ
الأزمة هي في حقيقتها إثارة لفتنٍ خامدة .. وتدوير لمُشاحنات حزبيّة
ومنهجيّة فكريّة ..
فليس هذا الوقتُ مُناسبا ( لتصفية الحسابات ) ، وليس الوضع مُلائما
للتشفّي بإلقاء الاتهامات أو التبيش عن الأخطاء وتراكمات الماضي ..
أنا لا أشك في وطنيتكم .. ولا أُشكك في رغبتكم الخير للجميع .. ولا أتهم
نيّاتكم .. ،، لكنكم تُمارسون على المُجتمع ـ في بعض ما تكتبون ـ نوعا من
أنواع الإثارة النفسيّة .. والتشتيت الذهني .. والتحرّش الفكري ..
الذي لا يُناسبُ الحال والمقام ..
وبعضكم يظنّ أن ما يكتبه يصبُّ في تتبع الأسباب ومُعالجة الوضع ، فيتعمد
الربط بين فلان والإرهاب .. ويربط بين ذاك وموجة العنف .. ويجلس يُحلل
ويستنبط .. وأحيانا يخرج من حدود الأدب والاحترام للقارئ ولنفسه إلى ما لا
يليق !!
فإن كان الدافعُ لذلك ـ وهو الظن بكم ـ المُساهمة في تتبع الأسباب
ومُعالجة الجذور ، فإن هذا الأسلوب أثبت أنه يزيدُ الفتنة ويوغر الصدور ،
ويُضخّمُ من الهوّة الفكرية بين فئات المجتمع ..
في وقتٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى التعامل الشرعي المُعتدل مع الأحداث
والوقائع .. وهو الرجوع إلى أولي الأمر من العلماء والأمراء والصدور عنهم
.. فإن كانت لديكم دعاوى ( شخصيّة ) وأمثلة واقعيّة ودلالات ظاهرة على
تورّط فلان أو غيرهـ بهذه الموجة من العنف والغلو فاتبعوا في ذلك الأساليب
الشرعيّة التي لا تؤدي إلى فتنة وفساد ..
ولا توجد مصلحة ظاهرة من طرح مثل هذه المقالات ( المُتطرّفة ) في
أسلوبها .. وبعض عباراتها .. وتوقيتها ، لذلك لم نلحظ أنه شارككم في ذلك
أهلُ الحصافة والرأي من الكُتّاب الذين سخّروا أقلامهم بأمانة لخدمة الدين
والوطن .
وأمّا إن كان هدفكم من بثّ هذه المقالات ـ وهذا بعيدٌ عنكم ـ هو إشاعة
الشرّ ، والنفخ في الرماد ، وتشتيت جهود المُخلصين للقضاء على هذهـ الفتنة
..
فاعلموا أن مآلكم الذوبان .. وإن كثُر التصفيق لكم .. فلقد اندحر من هم
أعتى منكم وأقوى شكيمة حين حاولوا النيل من هذه البلاد .. ومن ولاتها
والعلماء والدعاة المُخلصين ..
قال تعالى : ( كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما
ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ) .
ولا أحسبكم من هذا القسم ، فأنتم أشرف من أن تكونوا أبواقا لأعداء الدين
والوطن .
فكفّوا ألسنتكم وقولوا قولا حسنا كما قال تعالى في سورة الإسراء : ( وقل
لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان
عدوا مبينا ) .
قال إمام المفسرين ابن كثير ـ رحمه الله ـ : ( يأمر تبارك وتعالى عبده
ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في
مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة فإنهم إن لم يفعلوا ذلك
نزغ الشيطان بينهم وأخرج الكلام إلى الفعال ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة
) .
وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه جابر رضي الله عنه : ( إن
الشيطان قد يئس أن يعبدهـ المصلون في جزيرة العرب ، ولكن في التحريش بينهم
) وهو عند مسلم في صحيحه .
ومثل هذه الكتابات تتعدّى حدود النصيحة والمناصحة إلى التحريش وإيغار
الصدور ، ومن أراد النصيحة سلك مسالكها الشرعيّة والظن فيكم إرادة الخير
والإصلاح .
أسأل المولى سبحانه أن يُطفئ الفتنة .. وأن يسددنا وإياكم لما فيه الخير
،،
أخوكمـ / المنظار ،
( العلم يجمع .. والفكر يفرّق )
سماحة المفتي محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى .