اخبار الساحة عيون المواقع ساحة الحوار الساحة العربية فارس نت

خـروج ملفك الشخصي عمر عبد السلام

أهلا وسهلا

 [F] الساحة العربية : الساحات  / الساحة السياسية  / صحافة ضد المقاومة: جريدة الشرق الأوسط أنموذجا

الدكتور احمد بن سعيد 24-5-2005 21:28 ارسل دعوة لصديقك لزيارة هذا الموضوعالتوقيت العالمياطبع هذه الصفحه إحفظ الموضوع ارسل رسالة تنبيهية الى المشرف

صحيفة الشرق الأوسط واحدة من أبرز الصحف العربية, وتقدم نفسها للعرب وللعالم بصفتها (جريدة العرب الدولية). تتخذ الصحيفة مواقف مثيرة للجدل, لاسيما ما يتعلق بالقضايا الكبرى للعرب كفلسطين والعراق والظاهرة الموسومة بالإرهاب. وتولي في تناولها الإخباري والتحليلي اهتماما كبيرا للحركات الإسلامية والناشطين الإسلاميين, واصفة الظاهرة الإسلامية عموما وبلا تمييز بالتطرف والأصولية, وربما كان هذا الموقف سببا في فقدانها كثيرا من الصدقية والاحترام في أوساط تيارات إسلامية وشعبية عديدة لاسيما في السعودية والخليج. وما زاد الطين بلة احتضان الصحيفة لكتاب رأي من التيار الموصوف بالليبرالي, وضعف الرأي الآخر في الصحيفة, واللغة المتشنجة التي يستخدمها هؤلاء الكتاب في تناولهم للقضايا المتصلة بالإسلام والمنتمين إليه. والصحيفة لا تضيق فقط باتجاهات الإسلام السياسي كما تسميها, ولا بتسييس الدين فقط كما يردد بعض كتابها ومحرريها, بل تضيق حتى بالمظاهر والشعائر الإسلامية كتحفيظ القرآن الكريم, والعمل الخيري والإغاثي, وارتداء الحجاب. وقد اتخذت الصحيفة مواقف مؤيدة للحكومة الفرنسية في حملتها لحظر الحجاب في المدارس الرسمية الفرنسية, واختفى تقريبا أي رأي مضاد, سواء في التناول الإخباري, أو في الرأي والتحليل. عبد الرحمن الراشد رئيس تحرير الصحيفة تبنى وقتها الموقف الفرنسي, داعيا إلى تفهم "الدوافع الحقيقية للقرار" الذي يرمي إلى "تخفيف مظاهر التدين" وهو ما سيخدم وضع المسلمين الفرنسيين على المدى البعيد كما قال( 15 كانون الثاني / يناير 2004). وفي مقال آخر أكثر وضوحا بعنوان "حاربوا التطرف لا الحكومة الفرنسية" أكد الراشد أن مظهر المسلمين البارز "يوحي بالتطرف فكرا وكلاما ولبسا" وأن على المثقفين العرب محاربة الإرهاب والتطرف بدلا من الطعن في نوايا الحكومة الفرنسية(3 شباط / فبراير 2004).

لكن أبرز ما يثير التساؤل هو موقف الصحيفة من حيث تناولها الإخباري والتحليلي من المقاومة في فلسطين والعراق, البلدين العربيين الواقعين تحت الاحتلال المباشر, وهو ما تناقشه جزئيا هذه الورقة.

المنهج

ستقتصر هذه الورقة على تناول صفحات الرأي في صحيفة الشرق الأوسط للمقاومة في فلسطين والعراق, ولن تتعرض لتناولها الإخباري. تنطلق الورقة من فرضية أن أعمدة الرأي في الصحيفة تقف في مجملها ضد نهج المقاومة وممارستها وثقافتها. وينبثق من هذه الفرضية السؤال التالي: هل أعمدة الرأي في صحيفة الشرق الأوسط تقف ضد نهج المقاومة وثقافتها في فلسطين والعراق؟

للإجابة عن هذا السؤال, فإن الباحث انتقى كاتبين يوميين وكاتبين أسبوعيين من كتاب الصحيفة, وحلل مضمون إنتاجهم في فترة محددة تحليلا كيفيا. الكاتبان اليوميان هما عبد الرحمن الراشد, وأحمد الربعي, والكاتبان الأسبوعيان هما صالح القلاب, ومأمون فندي. لم يكن هناك مفر من اختيار الكاتبين اليوميين المذكورين, لأنهما الوحيدان اللذان يكتبان بصفة شبه يومية في الصحيفة. أما الكاتبان الأسبوعيان فوقع الاختيار عليهما عمدا لاعتقاد الباحث أنهما من أكثر الكتاب تناولا لقضيتي العراق وفلسطين. كانت فترة الدراسة التي وقع عليها الاختيار هي الواقعة بين الأول من تموز (يوليو) و الحادي والثلاثين من كانون الأول (ديسمبر) عام 2004, وهي الفترة التي اشتدت فيها ضراوة المقاومة العراقية, ولم تتوقف الانتفاضة المشتعلة في فلسطين, رغم استشهاد الشيخ أحمد ياسين, والدكتور عبد العزيز الرنتيسي, و رحيل السيد ياسر عرفات, وما تبع ذلك من ابتهاج إسرائيلي وأميركي محموم ومفتعل بانحسار الانتفاضة, وتراجع خيار المقاومة. شملت الدراسة كل ما نشرته صحيفة الشرق الأوسط لهؤلاء الكتاب, مما له علاقة بشأن المقاومة في فلسطين والعراق. كان مجموع مقالات عبد الرحمن الراشد التي تم تحليلها 24 مقالا, وكان مجموع ما تم تحليله من مقالات الربعي 28 مقالا, أما صالح القلاب, فبلغ مجموع مقالاته المدروسة 6 مقالات, فيما بلغت مقالات مأمون فندي التي تمت دراستها 5 مقالات.

مناقشة

عبد الرحمن الراشد

ينطلق الكاتب اليومي عبد الرحمن الراشد في كتاباته من تعاطف واضح مع السياسة الأميركية في المنطقة, وفي العراق تحديدا, وهذا التعاطف دفعه لانتقاد المقاومة, والتقليل من شأنها, والسعي لربطها بالعدمية والعبث. ومن منطلق الواقعية يطالب الراشد دائما بالرضوخ والاستسلام وعدم مصادمة العالم, كما يردد كثيرا, والعالم كما يراه هو الولايات المتحدة والدول الغربية.

في عموده المنشور في العاشر من تموز(يوليو) ناقش الكاتب الهجوم الذي شنته بعض الصحف البريطانية على الدكتور يوسف القرضاوي, واحتجاجها على السماح له بدخول بريطانيا, وأيد مواقف هذه الصحف قائلا إن ارتباط اسم الشيخ بتنظيم الإخوان المسلمين "جعله ينظر إلى العالم من نافذة الحزب أكثر من واقع الأمة وقدراتها وحاجاتها", وإنه من الشيوخ الذين "يحرضون الشباب على القتال, وهم لم يغادروا بلدانهم, ولا يسمحون لأولادهم بالشيء نفسه". وأضاف قائلا إن القرضاوي "من أكثر الدعاة إلى الحرب والمواجهة, لكنه يعيش في قطر في بيت مكيف". والراشد يقصد بالحرب والمواجهة هنا المقاومة المشروعة في فلسطين والعراق, فهو يرى أنها ضرب من العنف أو الإرهاب الذي يستحق هو نفسه الإدانة والمقاومة. ويؤكد هذا المعنى في كلامه عن القرضاوي, عندما ينتقد موقف الشيخ من اليهود, وينقل عنه قوله: "اليهود كطائفة ظلمهم واضح بين.. ظلم عظيم, وظلم لا نظير له, وظلم مكشوف.. لا نحاور هؤلاء [اليهود] وأيديهم ملوثة بدمائنا". وعلق الراشد على ذلك بقوله إن القرضاوي سياسيا "يمثل أقصى التطرف بكل أسف".

في عموده المنشور في الثاني عشر من تموز (يوليو) كتب الراشد مقالا بعنوان (ليس جدارا عنصريا) انتقد فيه من يقولون إن هدف الجدار الذي تبنيه إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة هو التمييز العنصري ضد الفلسطينيين, لأن "إسرائيل تستطيع أن تفند دعوى تهمة العنصرية بالتذكير أن أكثر من مليون من "مواطنيها" في داخل إسرائيل هم فلسطينيون, ويعيشون معها نصف قرن, ويحملون هوياتها, وتدعي أن لهم نفس الحقوق الممنوحة لليهودي الإسرائيلي". ودعا الراشد إلى عدم الانشغال بموضوع الجدار, والاهتمام "بتفعيل التفاوض, وإعادة الكرة مرة بعد أخرى".

في مقاله المنشور في 17من تموز (يوليو) انتقد الراشد ما وصفه "بالغضبة المضرية" من نبيل أبو ردينة, مستشار الرئيس ياسر عرفات على تيري رود لارسن, مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط. وأكد أن لارسن ليس تافها ولا مشبوها كما قال أبو ردينة, وأن تقريره عن قرب انهيار السلطة الفلسطينية "يصب حقيقة في صالح الفلسطينيين".

في عموده المنشور في من 26 تموز (يوليو) تحدث الراشد عما يحدث في العراق, منتقدا "المقاومة" ضد الأميركيين, قائلا إن الحرب هناك "بدأت بمقاومة, ثم أصبحت أرضا تجتذب أفراد تنظيم القاعدة الذي يجمع عناصره, وتقدر بالآلاف من المجندين القدامى والجدد".

في 28 من تموز (يوليو) أكد الراشد المعنى ذاته قائلا "إن جزائريين ومغاربة وخليجيين ولبنانيين وفلسطينيين ويمنيين وسودانيين ينشطون في العراق", وأن "هوية جيش المتطرفين" الذي يتشكل هناك لا ينتمي إلى القاعدة وحدها, "بل صار مظلة تضم تنظيمات متطرفة مختلفة تعمل منفصلة في ثلاث قارات, تجتمع الآن ولأول مرة على أرض واحدة. هذه جميعها تلتقي في رؤيتها المناهضة للواقع السياسي معتبرة جميع الأنظمة كافرة, ولا بد من مواجهتها".

في 3 من آب (أغسطس) كان عنوان عمود الراشد "هل هي المقاومة التي عنها تدافعون؟". تساء ل الكاتب وأجاب في ثنايا عموده مؤكدا أن المقاومة العراقية "تريد أن تخلق مناخا عاما من الفوضى, وتحيل البلاد إلى قطع متناثرة, تتيح لها فرصة إدارتها مكسرة". وتبنى المقترح الأميركي بإرسال قوات عربية وإسلامية إلى العراق, وقال إن هدف هذه القوات هو "محاصرة الإرهاب, وليس مقاومته عسكريا".

في 15 من آب (أغسطس) كان عنوان عمود الراشد "علاوي أن يكون أو لا". وصف الكاتب جيش المهدي بالميليشيا, ووصف المقاومين في مدينة الفلوجة بأنهم "فرقة الرعب", وقال إن حكومة علاوي تدير "معارك حاسمة" ضد هؤلاء وأولئك, فإما أن تثبت " أن لها سلطة على كل شبر من البلاد, أو ستنتهي محاصرة في العاصمة. وهذا الحسم بالتأكيد في صالح الجميع". وأضاف أنه إذا "فشلت الحملة العسكرية الحالية سنرى عراقا ممزقا, وحركات تنشق عن أخرى.." وأن نجاح الحملة سيخدم كل دول الجوار, ولذا يجب أن تكون "سريعة وحاسمة وبأقل قدر من الأضرار".

في عموده المنشور في 21 من آب (أغسطس) أكد الراشد أنه لا يوجد خيار أمام حكومة علاوي, "إلا أن تثبت قدرتها على الأرض", أو "سينتهي العراق دولة مساحة نفوذها لا تتجاوز المنطقة الخضراء في بغداد". في 22 من آب (أغسطس) عاد الكاتب إلى الشأن الفلسطيني, وكتب مقالا بعنوان " أنقذوا عرفات". انتقد فيه الرئيس الفلسطيني, مؤكدا أنه "ارتكب أخطاء جسيمة في تاريخه, حروبا في غير محلها, ومغامرات خاطئة, ورفض مشاريع سلام ثمينة". وهي التهم عينها التي ترددها إسرائيل والإدارة الأميركية ضد عرفات. كتب الراشد في 24 من آب (أغسطس) مثنيا على نتائج الاحتلال الأميركي للعراق قائلا إن العراق انتقل بالاحتلال من" عهد صدام المحارب للدين ثلاثين سنة إلى انفتاح كامل يسمح للجميع بظهور حقيقي في الحياة العامة, بما في ذلك المراجع الدينية". كما أثنى الكاتب على الحكومة التي جلبها الاحتلال قائلا إنها "ابتعدت عن الانتماء لأي فريق ديني, بدليل أن معركتها ضد جبهة شيعية في النجف تأتي موازية لمعركتها ضد الجماعة السنية المتطرفة في الفلوجة".

في 28 من آب (أغسطس) احتفل الكاتب بخروج الزعيم الشيعي مقتدى الصدر من النجف, وكان عنوان عموده "هزيمة الصدر بداية لعهد جديد". قال الكاتب إن خروج الصدر من المدينة الشيعية المقدسة يمثل "نهاية فصل واحد مهم في معركة طويلة لبناء العراق الحديث".

كان عنوان عمود الكاتب في 4 من أيلول (سبتمبر) هو "الحقيقة المؤلمة أن كل الإرهابيين مسلمون". لم يصنف الكاتب ممارسات شارون في الأرض المحتلة في خانة الإرهاب, ولا ممارسات الإدارة الأميركية في أبو غريب وغوانتانامو, وحصر تهمة الإرهاب في المسلمين, تماما كما يرى الساسة الأميركيون والإسرائيليون. يقول الكاتب مرددا المقولات والإدعاءات الأميركية إن "الذين يمارسون عمليات اغتصاب وقتل في دارفور مسلمون". وينتقد الكاتب عمليات المقاومة الاستشهادية في فلسطين بطريقة غير مباشرة, فيقول: "..ومعظم الذين نفذوا العمليات الانتحارية ضد حافلات ومدارس وبيوت ومبان في أنحاء العالم في السنوات العشر الماضية أيضا مسلمون".

ويعلق الراشد على هذه الصورة التي رسمها متعجبا: "يا له من سجل سيىء, ألا يقول شيئا عن أنفسنا ومجتمعاتنا وثقافتنا؟". ويستمر في عملية جلد أو تدمير الذات هذه قائلا: "هذه الصور قاسية ومخجلة ومهينة لنا". ويقترح الراشد وصفة للعلاج تبدأ بالاعتراف بصحة هذه التهم كلها, ثم "مطاردة أبنائنا الإرهابيين" الذين هم "نتاج طبيعي لثقافة مشوهة". ويدعو الكاتب القراء إلى الاستماع للشيخ يوسف القرضاوي, الذي وصفه "بشيخ التلفزيون" زاعما أنه "أفتى جهارا بجواز قتل المدنيين الأميركيين في العراق". ويضيف: "تصوروا عالم دين يحث على قتل مدنيين, شيخ في أرذل العمر يحرض صبية صغارا على قتل مدنيين.. كيف لأب مثله أن يواجه أم الفتى بيرغ الذي ذبح ابنها نحرا لأنه جاء للعراق, للعمل في أبراج هندسية؟ كيف نصدقه عندما يقول لنا إن الإسلام دين رحمة ودين تسامح, وهو يحوله إلى دين دم؟". طبعا الراشد لم يتطرق إلى مذابح الفلسطينيين, ولم يورد اسم شهيد فلسطيني واحد, وهو بالمناسبة لم يعلق على جريمة قتل الشيخ أحمد ياسين, إلا بقوله "دعوا الانتقام" لأنه "عمل أعمى, والحرب لا يكسبها العميان" كما قال(28 آذار/ مارس 2004), ولم يعلق ألبتة على استشهاد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي. لم يتذكر الراشد أن للشهداء الفلسطينيين أيضا أسماء تسجل وتعلن, واكتفى فقط بذكر اسم الأميركي بيرغ.

في عموده المنشور في 21 من أيلول (سبتمبر) علق الراشد على منع السلطات الألمانية مؤتمرا فكريا عربيا بدعوى أنه سيجتذب متطرفين معادين للعولمة وللولايات المتحدة وإسرائيل, ورأى أن السبب يكمن في تغير "رؤية العالم تجاهنا, بسبب ما صدرناه لهم من مناظر بشعة تحملها المواقع الإلكترونية من حفلات إعدام, وتبثها محطات تلفزيون من أشرطة تهديد, ومؤتمرات تتدارس بإعجاب ومفاخرة أعمال التدمير". وحذر الكاتب من محاولة من وصفهم بالمتطرفين "ركوب القضية الفلسطينية العادلة, لاستغلالها في قضيتهم الدولية". وختم بالقول: "يخطئ الفلسطينيون والمؤمنون بالحق الفلسطيني عندما يخلطون القضايا, ويورطون قضيتهم في محرقة الإرهاب المحكوم عليها بالفشل". الراشد هنا لم يحدد بالضبط ما يعني بالإرهاب, والذي يبدو أنه يقصد العمليات الاستشهادية في الوطن المحتل, التي يصفها عادة بالانتحارية.

في مقال (البراغماتية السورية) المنشور في 23 من أيلول (سبتمبر) قال الكاتب إن براغماتية النظام السوري ساعدته عبر السنين في الخروج من كثير من المآزق, وأن "سورية البراغماتية هي التي لم تنجر30 سنة إلى مواجهات خاسرة مع إسرائيل". وهكذا حكم الكاتب على أن أي شكل من أشكال المقاومة أو رد العدوان أو محاولة تحرير الأرض هو ضرب من العبث أو الكفاح الخاسر. وختم الراشد عموده بالقول إن دمشق تواجه تهما "يسهل تفعيلها" مثل "إخفاء أسلحة دمار شامل, ووجودها العسكري على أرض دولة أخرى بصورة "غير مشروعة", واستضافتها تنظيمات "إرهابية"...", ما يجعل الخيارات التي أمامها "قليلة وخطيرة".

في 30 من أيلول (سبتمبر) انتقد الراشد تصريح وزير الخارجية الفرنسي ميشيل بارنيه الذي دعا فيه إلى إشراك قوى المقاومة العراقية في المؤتمر الدولي حول العراق, والذي التأم في شرم الشيخ بمصر في الثاني والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 2004. تساءل الراشد: "كيف يمكن أن تدعى للحضور مقاومة من الأشباح؟ هل سيصلون إلى القاعة ملثمين كما يظهرون على التلفاز مع ضحاياهم المخطوفين, أو المقطوعة رؤوسهم؟". وأضاف مهاجما المقاومة بأطيافها كافة, وبلا تمييز قائلا إن "المقاومة صاحبة السيارات الانتحارية والرؤوس المقطوعة ليست عراقية, وأيضا لا تعترف بالأمم المتحدة إلا كمنظمة للدول الكافرة, ومشروعها لن يتوقف إلا بقطع آخر رأس في العالم, لا العراق وحده". وتبنى الكاتب الخط الأميركي بالكامل بدعوته إلى دعم الحكومة التي نصبها الاحتلال الأميركي في العراق قائلا إن كان العراق " بحاجة إلى مؤتمر, فهو من أجل التأكيد على سلامة نظام شرعي يجمع ولا يفرق".

في 3 من تشرين الأول (أكتوبر) عاد الراشد مجددا إلى الشأن الفلسطيني, منتقدا الانتفاضة التي كانت "حجارة ومقالع من صبية الشوارع, ثم أصبحت صواريخ وسيارات مفخخة يقودها بالغون". يقول الراشد إن الانتفاضة نجحت في صيغتها الأولى, وأحرجت إسرائيل داخليا وخارجيا, لكن "بعد أن خطفت التنظيمات الانتفاضة تحولت إلى حرب مألوفة, كأي حرب أخرى في سيري لانكا وشمال نيجيريا وإيرلندا الشمالية, مواجهات بين طرفين متقاتلين. خسرت الانتفاضة براءتها ودعايتها بعد أن تبدلت مظاهرها الأولى من جنود إسرائيليين يقتلون أطفالا عزل إلى مسلحين فلسطينيين يقتلون أطفالا إسرائيليين". ساوى الراشد في كلامه بين الطرفين, المحتل الإسرائيلي, والفلسطيني الواقع تحت الاحتلال. ووصف المقاومين الفلسطينيين بالمسلحين, بينما وصف الإسرائيليين الذين يقتلون أطفال فلسطين بالجنود. ومضى الراشد منتقدا القيادات الفلسطينية قائلا إنها أخفقت إخفاقا كبيرا في استثمار الانتفاضة سياسيا, وإنها تنافست على أمر واحد وهو "التبرع بالشهداء مجانا". وأضاف أن الانتفاضة "متناقضة, تظهر محتارة, مرة مثل معارضة عراقية مسلحة, وتارة مثل تنظيم القاعدة".

في 9 من تشرين الأول (أكتوبر) كان عنوان عمود الراشد واضحا في دلالته: "التطرف من الفلوجة إلى طابا". الذي حدث إذن في الفلوجة من مقاومة للغزاة الأميركيين هو تطرف مشابه لتفجيرات طابا. يريد الكاتب أن يشوه وجه المقاومة العراقية بربطها بأعمال غير قانونية, أو مثيرة للجدل, أو موصومة بالتطرف. يقول في خلط واضح للأوراق: "لا يعقل أن نبرر الأعمال الإرهابية في انفجار, ونهاجمها في انفجار آخر, فهي مترابطة فكريا إن لم تكن مترابطة عضويا". ويضيف: "فلا فرق بين هجمات انتحارية في كابل أو الأنبار أو إسلام أباد أو الرياض أو الجزائر أو باريس أو دمشق أو طرابلس أو طابا. كلها تلتقي في حقيقة واحدة, منفذوها عقول متطرفة".

في 30 من تشرين الاول (أكتوبر) استخدم الراشد التوصيفات الأميركية للمشهد العراقي, فوصف المقاومة العراقية بأنها "بعثية", ووصف المقاومين بأنهم "متمردون" و"أصوليون".

في 13من تشرين الثاني (نوفمبر) بدأ الراشد مقالا من 3 حلقات بمناسبة رحيل الرئيس ياسر عرفات. كان عنوان السلسلة "ماذا بعد دفن عرفات؟". تبنى الراشد الرواية الإسرائيلية والأميركية بشأن عرفات قائلا: " عرفات كان طرفا في المشكلة", وغيابه "يمثل فرصة إيجابية". وانتقد الرئيس الراحل بقوله إنه مات عاجزا عن خوض "المعركة الصعبة" لأنه " كان يراعي كل الاحتمالات, وبالتالي اختار أن يخسر الفرص الثمينة من أجل أن يكسب الإجماع الفلسطيني". إذن كان على عرفات أن يكسر الإجماع, ويشق الصف الفلسطيني, ويذهب في طريق التنازلات إلى آخر مدى, وأن يقمع – كما يطالب الإسرائيليون والأميركيون – المنظمات التي ترفض الاستسلام للشروط الإسرائيلية. يطرح الراشد رؤيته أمام القيادة الفلسطينية الجديدة بقوله: "الامتحان الدموي آت للقيادة الفلسطينية التي سيتحدى سلطتها الخارجون عليها, وستواجه عمليات تمرد داخلية, وسيارات انتحارية في تل أبيب والقدس, وقتلى إسرائيليين بالعشرات, وبيانات فلسطينية تتهمها بالخيانة, وبيانات دولية تتهمها بالعجز, ومنظمات فلسطينية تعلن عزمها على قيادة الشأن الفلسطيني, والاقتتال للحصول على شعبية في الشارع الفلسطيني المأزوم والمحبط دائما".

في الحلقة الثانية دعا الكاتب الحكومات العربية إلى تأييد القيادة الفلسطينية الجديدة, مؤكدا أنه "مع غياب أبو عمار لم يعد هناك مبرر للتقاعس في دعم السلطة لتصبح قادرة على تقديم الرعاية الإنسانية والخدمة المدنية التي عجزت عنها بسبب ما مرت به من حصار ومقاطعة دولية", وأن "الإخفاق في رفع الحصار عن المدن الفلسطينية وعدم دعم السلطة في رام الله سيتسبب في استنساخ عرفات بآخر". وزعم الراشد أن معظم عمليات القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية و قطاع غزة كانت للانتقام لا للقضاء على خصومها, وهي الذريعة التي طالما استخدمتها إسرائيل ووسائل الإعلام الغربية المتعاطفة معها لتبرير ممارسات الاحتلال الإسرائيلي العدوانية في الأرض المحتلة.

في الحلقة الأخيرة من سلسلة "ما بعد دفن عرفات" كتب الراشد: "اختتمت الحالة العرفاتية بحالة جمود قاتلة, وساحة مكتظة بالانتحاريين, وقطيعة دولية, وبرود عربي, ومؤسسة سياسية معطلة, وخزينة مفلسة, وصراع على السلطة كاد ألا ينتهي". هذا المشهد الذي يرسمه الراشد حول عرفات يؤكد انحيازه المطلق للصورة النمطية الأميركية للمشهد الفلسطيني التي لا يبرز فيها سوى الجمود والفساد والإفلاس وقطعان بشرية فاقدة للأمل ومقبلة على الموت انتحارا. الحقيقة تقول إنه لم تكن هناك قطيعة دولية, بل قطيعة أميركية إسرائيلية, أما البرود العربي الذي أشار إليه الكاتب فكان مجرد ثمرة لهذه القطيعة. هذا لا يعني طهارة الساحة الفلسطينية في عهد عرفات من الفساد, ولكن الراشد لا يرى في المشهد أكثر مما يسمح به المنظور الأميركي والإسرائيلي الذي قرر عزل عرفات, وسعى لتصوير الشعب الفلسطيني بوصفه شعبا كارها للحياة, عاشقا للعدمية والموت الرخيص.

في مقال له بعنوان (شدوا الأحزمة في الأرض المحتلة) منشور في 29 من تشرين الثاني (نوفمبر) أثنى الراشد على الأداء السياسي للقيادة الفلسطينية الجديدة, لكنه أثار مجددا مسألة حركات المقاومة, وعلاقة السلطة بها. يقول: "بقيت ملفات صعبة, لكن ليس صعبا في هذا الظرف التضامني التوصل إلى حلول لها, مثل سحب قرار الحرب من يد الفصائل والتنظيمات الأخرى مثل حماس والجهاد الإسلامي التي تقرر متى وأين وكيف وأين تقاتل. الوقت حان للتنسيق مع السلطة الفلسطينية, والاعتراف بحقها في اتخاذ القرار الاستراتيجي, كالحرب والسلم". ويتساءل الراشد ماذا ستفعل السلطة الفلسطينية عندما تقرر إيقاف العمليات العسكرية, ثم "تتمرد فصائل على القرار, وتخرق الاتفاق, ويقتل جمع من المدنيين الإسرائيليين؟". ويلجأ الراشد إلى التحريض على فصائل المقاومة متسائلا: "هل ستقبل السلطة بتنظيمات خارجة عن إرادتها, تنفذ عمليات متى ما تريد, وتبني معسكرات كيفما تريد, وتتعامل سياسيا مع جهات خارجية متى ما تريد؟ لا توجد سلطة في العالم تقبل بذلك إلا إذا كانت مجرد دمية لآخرين..لا تملك القيادة الجديدة إلا حسم مسألة المرجعية السياسية الواحدة, ككل نظم العالم, وتفرضها بشكل لا تردد فيه..".

في مقال من حلقتين بعنوان "من ينقذ السنة من السنة", نشرا في يومي 1 و 2 من كانون الأول (ديسمبر) انتقد الراشد المقاومة السنية في العراق متسائلا بتهكم: "هل المسالخ البشرية التي عثر عليها في الفلوجة, وروعت صورها العالم هي بيوت سنية؟ وهل المجالس والعلماء الذين توعدوا أقوى قوة في العالم, ينطقون بالفعل بلسان أضعف فريق في العراق؟". يتجاهل الراشد الصور التي روعت الضمير الإنساني حقا, وهي صور الذبح الجماعي, والإجهاز على الأسرى في المساجد, وسياسة الأرض المحروقة, وحرب الإبادة التي شنتها قوات الاحتلال الأميركية على تلك المدينة العراقية الصغيرة. ويجعل الراشد معيار العدل والحكمة هو الاستسلام للقوي المتجبر, والإقرار بالضعف والخنوع أمام دمويته وإرهابه, عندما يتساءل: هل العلماء الذين توعدوا أميركا ينطقون بلسان السنة الضعفاء؟ من قال إن القوة الأميركية لا راد لقضائها, ولا معقب لحكمها, ومن قال إن السنة هم أضعف فريق في العراق؟

يضيف الراشد شامتا بالسنة العرب:"الفلوجة المعركة رغم ما سببته من أذى كبير, ربما أنقذتهم من متطرفيهم, الذين كانوا يقودونهم نحو الدمار.. تحصنهم في الفلوجة حولها إلى مقبرة لهم.. وما حدث يبرهن كذلك على انعدام خبرة القيادة والمفاوضة عند السنة العرب. وهم بالفعل أناس بلا خبرة سياسية". في الحلقة الثانية من مقاله "من ينقذ السنة من السنة" يواصل الكاتب هجومه على السنة العرب, فيقول إنهم "تحت القصف, وخارج سوق الانتخاب, بسبب عنادهم وجهلهم, وترك زمام قيادتهم للمتطرفين الذين يسكنون بينهم, أو يتحدثون باسمهم, وعلى سنة العراق أن يتذكروا أن متطرفي السنة, لم يفلحوا في البلدان ذات الأغلبية السنية, كما في الخليج ومصر والأردن, حتى يمكن أن يفلح تطرفهم في فعل شيء لصالح العشرين في المائة من سكان العراق". لا يضيف الكاتب جديدا هنا سوى أنه رمى السنة العرب في العراق عن بكرة أبيهم بالتطرف, بما فيهم هيئة علماء المسلمين, أبرز الأصوات الوطنية التي تعارض الانتخابات في ظل الاحتلال, بل ذهب إلى خارج حدود العراق فرمى حركات معارضة إسلامية في بلدان عديدة بالتطرف, وكرر المقولة الدعائية الأميركية القاضية بأن سنة العرب أقلية لا تتجاوز نسبتها عشرين في المائة من سكان العراق.

لا يبدو أبدا أن الراشد يضيف جديدا في طرحه. إنه فقط يعيد إنتاج ما تضخه وسائل الدعاية الأميركية حول الأحداث والأشخاص والظواهر في المنطقة العربية بأسلوب فيه كثير من الغطرسة والضحالة والنمطية.

أحمد الربعي

غلب الشأن العراقي على كتابات أحمد الربعي, ربما لمجاورة بلده الكويت للعراق, وللتجربة المرة التي عاشتها الكويت بسبب الاحتلال العراقي عام 1990. واتفق الربعي مع زميله الراشد في النظر إلى أعمال الاختطاف وقطع الرؤوس بصفتها نماذج للمقاومة العراقية, ومن ثم تصنيف تلك المقاومة في خانة الإرهاب. في 5 من تموز (يوليو) تحدث الربعي عن ما وصفه "بالصورة القاتمة" التي ترسمها الفضائيات العربية عن العراق, من "حرب وضرب وعويل وبكاء". وقال إن العراق بلد كبير, ولكن الفضائيات لا تنقل عنه سوى "انفجارات الفلوجة, ومعارك النجف", ومشاهد الملثمين الذين "يتحدثون عن القتل والانتقام ويقطعون رؤوس الناس بالسكاكين".

في 17 من تموز (يوليو) انتقد الكاتب السلطة الفلسطينية لما وصفه "بالحملة الشعواء" التي شنتها على تيري رود لارسن مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط, وقال إن لارسن لم يفعل ما يبرر الهجوم عليه, وإن "جريمته الكبرى هي انتقاده للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات, وحديثه عن الفساد في السلطة, ومطالبته بإعطاء صلاحيات أكبر لرئيس الوزراء الفلسطيني". وأضاف: "فلسطين أولا, وبعدها يأتي عرفات وغيره". انضم الربعي إلى الراشد في توجيه سهام النقد إلى عرفات الذي كان يتعرض وقتها لحملة إسرائيلية أميركية تتهمه بالفساد والاستبداد ورفض ما يسمى بالحلول السلمية.

في اليوم التالي, كتب الربعي مقالا بعنوان "القيادة الفلسطينية أولا", كرر فيه الفكرة ذاتها, وأكد أن "ما تفعله القيادة الفلسطينية يطرح مشروع "القيادة أولا", ومصلحة القائد فوق كل مصالح الأمة, وهو أمر مؤسف".

في 20 من تموز (يوليو) واصل الربعي حملته على رئيس السلطة الفلسطينية, وطالبه صراحة بالاستقالة, قائلا: "لقد حان الوقت لرئيس السلطة الفلسطينية أن يرتاح ويريح غيره, فالمرحلة التي يعيشها الفلسطينيون تتطلب وجوها جديدة, ورؤية جديدة, ودماء جديدة. وياسر عرفات, أقدم زعيم عربي, يجب أن يقدم استقالته للمجلس التشريعي الفلسطيني, ويترك للفلسطينيين حق اختيار زعيم جديد في انتخابات نزيهة وبلا تدخلات.. قبل أن يضطر لذلك بضغوطات داخلية وإقليمية. وهو بذلك سيقدم خدمة كبيرة لشعبه".

في 26 من تموز (يوليو) عاد الربعي للحديث عن القضية العراقية, فانتقد بشدة "فضائيات الملثمين", قائلا: ".. يبدو أنه لأول مرة في التاريخ تضع محطات فضائية إمكانياتها تحت خدمة ملثمين لا يعرف أحد من هم, سوى أنهم يمارسون القتل والإرهاب", وأضاف: "إعلام الملثمين هو إعلام لا يحترم المشاهد.. وهو في النهاية تشجيع على القتل".

ويواصل الكاتب خلطه الأوراق, ووضعه كل أعمال العنف في سلة المقاومة, متجاهلا العمليات النوعية والضربات الموجعة التي توقعها المقاومة في صفوف الاحتلال الأميركي, ومركزا فقط على عمليات الاختطاف والاغتيال والإعدام التي تتم بين حين وآخر في العراق. يقول في مقال له منشور في 3 من آب (أغسطس) إن "مشروع الإرهاب في العراق لم يترك بشرا ولا حجرا إلا واستهدفه, ضرب الشرطة والمدنيين, واختطف سائقين فقراء من جنسيات عديدة للابتزاز, وفجر أنابيب نفط ومحطات كهرباء, واغتال شخصيات عراقية عديدة, ولكن مشكلته الكبرى أنه إرهاب بلا أفق سياسي, وبلا حدود دنيا من الأخلاق, وإن تلبس بلباس المقاومة, ووجد من يصفق له في الإعلام العربي خارج العراق".

في 9 من آب (أغسطس) انتقد الكاتب الزعيم الشيعي مقتدى الصدر, قائلا إنه "ينتمي إلى عائلة قدمت الكثير من الشهداء, وسيكون من سوء التقدير أن يعزل الإنسان نفسه, وأن يدخل في حرب ضد الجميع". في 10 من آب (أغسطس) كتب الربعي مقالا بعنوان "الاختطاف تجارة مزدهرة" انتقد فيه مجددا "إعلام الملثمين" الذي يساعد على انتشار عمليات الاختطاف في العراق كما قال.

وفي مقال له بعنوان "استهداف بيوت العبادة", منشور في 14 من آب (أغسطس) تحدث الكاتب عن المعركة بين القوات الأميركية وجيش المهدي, منحيا باللوم ضمنا على جيش المهدي, لتحصنه كما قال وراء المساجد والأماكن الدينية. يقول: "المعركة عند مرقد الإمام الحسين وفي العتبات ليست الأولى, ويبدو أنها لن تكون الأخيرة, فاستخدام المساجد والأماكن الدينية للحروب هو أمر يتعارض مع تقاليد الإسلام, فبيوت الله ليست أماكن للقتال, بل أماكن للسلام والطمأنينة". ويضيف: "هناك حالات كثيرة اختبأ بها إرهابيون في المساجد, وخزنوا أسلحتهم في بيوت العبادة, وهناك من يستخدم المساجد كمواقع للتحريض على القتل والعنف.. ", وهذا العمل "استخفاف بمعتقدات الناس, وهو في النهاية عمل جبان يدل على حالة مرضية أكثر منها حالة سياسية".

في 21 من آب (أغسطس) كتب الربعي مقالا بعنوان "ساعات الحسم الأخيرة" قال فيه إنه "ليس أمام الحكومة العراقية من خيار بعد رفض جيش المهدي لكل النداءات والمبادرات السياسية سوى الحسم العسكري, وإلا تحول البلد إلى الفوضى, وتقاسمته الميليشيات المسلحة". وعبر الكاتب عن قلقه على الأميركيين قائلا: " هناك خوف حقيقي من أن يتصرف بعض المراهقين داخل جيش المهدي.. بطريقة تسيء إلى مرقد الإمام علي, وإلى المواقع الدينية الحساسة, بهدف توريط الأميركيين". وختم مقاله بدعوة مقتدى الصدر إلى التخلص من "بعض معاونيه", والموافقة على "الحل السلمي بالشروط الحكومية".

في 28 من آب (أغسطس) كتب الربعي مقالا تساءل في مقدمته: "هل يتعلم السيد مقتدى الصدر وجيش المهدي شيئا من تجربة الأسابيع الماضية؟ هل يدركون أن المعارك التي ليس هدف سياسي, وليست ضمن استراتيجيه محددة هي معارك عدمية لا يمكن أن تحقق هدفا؟". ينظر الربعي إلى أي مقاومة للأميركيين بوصفها معركة عبثية لا جدوى منها, ولا سبيل للنصر فيها. ويدعو الحكومة العراقية إلى المزيد من العنف قائلا: "..لا بد من أن تتصرف الدولة مع أية عمليات عنف في المستقبل بكثير من الحسم والقوة, فمن المستحيل الحديث عن إعادة الإعمار تحت تهديد السلاح والقتل, والسيارات المفخخة, واختطاف الأبرياء". يتحدث الربعي عن عنف المقاومة, ولا يشير ألبتة إلى عنف الاحتلال الأميركي, والقصف الهمجي شبه اليومي للفلوجة, والضحايا الذين يوقعهم هذا القصف في مناطق عديدة متفرقة من العراق.

وينضم الربعي إلى زميله الراشد في انتقاد الشيخ يوسف القرضاوي, ويكتب مقالا في 4 من أيلول (سبتمبر) بعنوان "القرضاوي المعتدل", يقول فيه: "كأنه لا يكفينا هذا القتل اليومي.. فيظهر علينا من يفترض أن يكون داعية إسلاميا معتدلا هو الشيخ يوسف القرضاوي ليفتي بجواز قتل المدنيين الأميركيين في العراق, وليقول بلغة عربية واضحة وصريحة: "إن كل الأميركيين في العراق محاربون, لا فرق بين مدني وعسكري, ويجب قتالهم لأن المدني الأميركي جاء العراق لخدمة الاحتلال".. ولأن السيد الشيخ القرضاوي مثل كثير من الشيوخ المتطرفين لا يموتون عادة, ولا يستشهدون, ولا يحدث ذلك لأبنائهم الذين يتعلمون عادة في أحسن جامعات الغرب, فإن مثل هذه الفتوى سيقرأها شباب مسلم متحمس, وقد يذهب إلى العراق لتنفيذ الواجب الديني الذي دعا إليه الشيخ القرضاوي". ويضيف الكاتب قائلا: "الفرق بين الجنون والعقل, بين التطرف والاعتدال واضح. فالقرضاوي الذي يعيش حياة الرغد والعز في الدوحة يفتي بقتل المدنيين الأميركيين". ينظر الربعي إلى صاحب الرأي الذي يختلف معه بوصفه متطرفا ومجنونا ومتناقضا, وإذا كان ذلك المخالف عالم دين إسلامي أو منتميا لتيار إسلامي, فإن دعاوى التسامح واحترام الرأي الآخر كلها تتهاوى, وتبرز فقط لغة التهكم والتهميش والازدراء.

في 6 من أيلول (سبتمبر) كتب الربعي مقالا انتقد فيه فصائل المقاومة الفلسطينية, لعدم تحديد أولوياتها, وتوحيد مواقفها كما قال. وأكد أن "هناك صراعات بين "حماس" و"الجهاد" من جهة, وبقية الفصائل على خلفية الموقف من التسوية السياسية, وقضية العمليات الانتحارية ضد المدنيين الإسرائيليين, وهناك خلافات وصراعات حادة بدأت داخل حركة التحرير الفلسطيني (فتح) وصلت إلى درجة التصفيات الجسدية".

ويعود الربعي إلى الشأن العراقي وإلى موضوع المقاومة تحديدا, فيكتب في 20 من أيلول (سبتمبر) متسائلا: "أليس تشجيع القتل في العراق اليوم بحجة العروبة والإسلام والمقاومة هو الذي يؤدي إلى حصد الأرواح البريئة في العراق"؟

في 27 من أيلول (سبتمبر) يتهكم الربعي بالمقاومة الفلسطينية, ويكرر وصفه العمليات الاستشهادية بالانتحارية, فيقول: ".. يمارس العرب حالة من الفروسية والبطولات والعنتريات التي ما قتلت ذبابة. فعندما تحدث عملية انتحارية في إسرائيل تعلن ثلاث منظمات فلسطينية مسؤوليتها عن الحادث, وهذا يعني أن هناك اثنتين من هذه المنظمات تمارس الكذب..".

في مقال له منشور في 9 من تشرين الأول (أكتوبر) يؤكد الربعي أن "العنف والقتل في العراق هما الاستثناء" و"الاستقرار هو القاعدة", وأن "أقل المتضررين من العنف هم قوات التحالف, لذلك فإن عنفا بلا قاعدة شعبية هو عنف بلا شرعية, وإن حمل عناوين التحرير والاستقلال والإسلام والوطنية". في 23 من تشرين الأول (أكتوبر) تحدث الربعي بمرارة عن عمليات اختطاف "الأجانب العاملين في المساعدات الإنسانية" في العراق, متسائلا: "كيف يمكن لنا أن نعتذر باسم أطفال العراق, وباسم سمعتنا وسمعة ثقافتنا؟ كيف يمكن أن نفسر خيبتنا وفعلة التفرج التي نمارسها على المستوى الإنساني؟ أية كلمات يمكن أن نستخدمها لنقول للعالم إننا أبرياء من هذه الجرائم, وهل يمكن أن يكون صوتنا أعلى من صوت القتلة والمختطفين وقطاع الطرق الذين يصفق لهم الكثيرون, ويسمونهم مقاومة؟". مرة أخرى يغض الربعي الطرف تماما عن جرائم الاحتلال الأميركي, وفضائحه وممارساته غير الإنسانية, ويواصل عملية (سلخ الذات), ويترحم على (ثقافتنا) التي أفرزت في رأيه الإرهاب والتطرف.

في مقاله المنشور في 25 من تشرين الأول (أكتوبر) ينتقد الربعي علماء الدين السنة في العراق قائلا: "بعض رجال الدين السنة في ما يسمى بالمثلث السني يتصرفون دون شعور لتلك المناطق عبر تشجيع العنف, لكن الأمل ما زال قائما في صحوة متأخرة لهؤلاء للتفكير من جديد بمستقبل أهلهم ووطنهم". في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) يحذر الربعي من تكرار ما وصفه بمأساة الأفغان العرب, ويورد مصطلح "العراقيين العرب" للإشارة إلى "العرب المتطرفين الذين ذهبوا إلى العراق تحت شعار الجهاد ضد الكفار", محذرا من أن هؤلاء "لا يحاربون الأميركيين فحسب, بل يفخخون السيارات ضد المدنيين العراقيين. ولذلك, فإن خطرهم في حال عودتهم سيكون أكبر".

في 8 من تشرين الثاني (نوفمبر) يعلق الربعي على الفتوى التي أصدرها عدد من العلماء والدعاة في السعودية حول وجوب الوقوف مع أهل الفلوجة ضد الهجوم الأميركي على مدينتهم. يقول الربعي إن الفتوى الداعية إلى "مساعدة "الفلوجة الصامدة المنصورة" هي تحريض للشباب, وتغرير بهم, لدفعهم إلى طريق الانتحار, وهي دليل على أن عددا من الموقعين على الفتوى, ممن اعتقدنا أنهم عادوا إلى طريق الحق, وقطعوا العلاقة بفكر العنف, قد عادوا إلى طريقهم القديم, يحرضون الناس على الموت تحت اسم الجهاد". مقاومة الأميركيين الغزاة في رأي الربعي ليست سوى انتحار, والدعوة إليها ليست سوى تحريض. وحده الربعي وزملاؤه من المدافعين عن المشروع الأميركي في المنطقة يعرفون "طريق الحق", ويحتكرون تعريف الصحيح والخطأ. يتساءل الربعي في ثنايا مقاله: "ألا يكفينا ما حدث؟ ألا تكفي هذه الجرائم التي ارتكبت باسم الإسلام؟..ألا تكفي حسرة قلوب آباء وأمهات, ذهب أبناؤهم إلى أفغانستان والعراق, فانتهوا في سجن غوانتانامو..؟". يكررالكاتب هنا الرواية الأميركية الرسمية للأحداث, من أن أسرى غوانتانامو قتلة وإرهابيون, مع أن أكثرهم لم تثبت عليه تهمة, وعدد غير قليل منهم كانوا أناسا بسطاء, وموظفي إغاثة إنسانية, وقد انتقدت ظروف اعتقالهم وأسبابه منظمات حقوقية دولية عديدة أبرزها منظمة العفو الدولية, وهيومان رايتس ووتش.

في مقاله المنشور في 17 من تشرين الثاني (نوفمبر) يتساء ل الربعي: "متى يأتي الزمن النظيف؟", ويضيف: "من حقنا أن نحلم بأوطان هانئة, وأسر مستقرة, وصناعة وزراعة وإنترنت ولحاق بركب الحضارة, بعد أن استهلكنا نظام طالبان وتورا بورا, ومقاومو الفلوجة, والمحللون السياسيون والاستراتيجيون الذين يكذبون علينا كل يوم في القنوات الفضائية".

في 20 من تشرين الثاني (نوفمبر) يتحدث الربعي عن المقاومة الفلسطينية, ويدعوها إلى المصارحة بدل المصالحة كما يقول. يتساءل: "لماذا لا تكون هناك جلسات مصارحة تكون مدخلا إلى المصالحة, أو تكون دافعا لطلاق بائن بين أطراف متناقضة". الساحة الفلسطينية كما يرى الربعي "تضم طرفين أساسيين, طرف لديه مشروع للسلام, له تصور لدولتين متجاورتين, وعاصمتين منفصلتين, وصفقة سلام تاريخية, وطرف آخر لا يؤمن بهذا الكلام, وهو يبحث عن الشهادة, وليس عن إقامة دولة, وهو يرفض التفاوض, ويرفض الدولتين, ويعتقد أنها حرب أزلية بلا سقف, يخوضها بالنصوص الدينية وبالسلاح, ولا مجال فيها لغير ذلك..". ويمضي الكاتب في هجومه على الفصائل الإسلامية المقاومة في فلسطين قائلا: "..من الظلم للشعب الفلسطيني محاولة جمع النار والماء, وتركيب خليط من المتناقضات الإيديولوجية والسياسية". ويختم بقوله: ".. ما دامت جماعة حماس والجهاد ترفضان السلام بالصيغة الفتحاوية, أو صيغة الشعبية والديموقراطية وغيرهما, فما الداعي لتجميع المتناقضات". ليس واضحا من كلام الكاتب ما يرمي إليه سوى رفض فكرة التنوع داخل البيت الفلسطيني, أو الدعوة إلى التناحر بين فصائل المقاومة, أو القطيعة والطلاق البائن بينها على حد تعبيره. وللمرء أن يتساءل بكل براءة: ماذا تريد إسرائيل والإدارة الأميركية أكثر من هذه الوصفة الكارثية للمجتمع الفلسطيني.

يعود الربعي إلى الشأن العراقي في 21 من تشرين الثاني (نوفمبر), فيدعو العراقيين إلى كسر حاجز الخوف, والسعي لبناء عراق مستقر, بعيدا عن "الإرهاب والقتل" كما قال.

في 22 من تشرين الثاني (نوفمبر) يتحدث الربعي عن قصة اختفاء ابن الشيخ سلمان العودة, وقلق والده من أنه ربما ذهب إلى العراق للجهاد ضد الاحتلال الأميركي, ثم ثبوت أن الأمر كان مجرد "مزحة" فقط. يلتقط الربعي القصة, ليوجه هذه "النصيحة" للشيخ العودة: ".. نتمنى أن يضع الشيخ العودة نفسه بمكان مئات الآباء والأمهات الذين فقدوا أولادهم, وانتهى هؤلاء إلى الفلوجة, أو قتلوا في أفغانستان, أو قبعوا في سجون غوانتانامو". ثم يتساء ل الكاتب: ".. هل كان الشيخ سلمان العودة يوقع البيان الذي وقعه قبل أيام بشأن الجهاد في العراق, لو أنه مر بتجربة ابنه معاذ, وشعر بحجم المرارة والألم؟". ينتقد الكاتب ما يصفه بغسل أدمغة الشباب, ودفعهم إلى حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل, ووقوعهم ضحية "الفكر المتطرف". كما انتقد من يوقعون على بيانات تدعو الناس إلى الجهاد, بينما "يحرصون على إبعاد أنفسهم, وإبعاد أبنائهم, عن دخول تلك المغامرة, وهم يدفعون بأبناء الفقراء إلى الموت, بينما يدرس أولاد هؤلاء في أفضل الجامعات الغربية, ويعيشون حياة هانئة..". ينتقد الكاتب موقف الشيخ العودة ضمنا, مطالبا برفض "العنف والقتل تحت حجج جهادية واهية".

في الشأن العراقي أيضا يتحدث الربعي في مقاله المنشور في 28 من تشرين الثاني (نوفمبر) منتقدا "التوتر والعنف الذي تمارسه قوى الإرهاب في بعض المناطق", وهو ما يستحيل معه إجراء الانتخابات كما قال.

في 14 من كانون الأول (ديسمبر) يناقش الكاتب وضع القيادة الفلسطينية الجديدة, مؤكدا أن نجاح هذه القيادة "يتطلب أولا توقف بعض الفلسطينيين عن عمليات انتحارية لا تخدم قضيتهم, وخاصة ضد المدنيين". في مقاله المنشور في 21 من كانون الأول (ديسمبر) يعلق الربعي على جريمة التفجير التي نفذت بحق المدنيين في مدينتي النجف وكربلاء, منحيا باللائمة في ذلك على المقاومة العراقية: " لا بد من أن نبارك للمقاومة العراقية الباسلة, ولمن يدعمونها عبر الفضائيات بهذا "الإنجاز" حيث يقتل مدنيون لا ذنب لهم, وحيث يمارس القتلة في العراق جرائمهم, ويرفعون شعارات الإسلام والوطنية وطرد الاحتلال". ويضيف: "إن هؤلاء الذين يقتلون شيعة العراق, هم أنفسهم الذين يقتلون سنة العراق, واستباحوا الفلوجة, وقتلوا الأكراد, وفجروا الكنائس الآمنة".

في 28 من كانون الأول (ديسمبر) كتب الربعي مقالا بعنوان "المقاومة العراقية في دمشق" انتقد فيه موقف سورية من احتلال العراق, وتعاطفها مع المقاومة في ذلك البلد. يقول : "إذا أردت أن تعرف ماذا تريد أن تفعل "المقاومة العراقية", فعليك بالإصغاء جيدا إلى الإعلام السوري, أو الإعلاميين المحسوبين على سورية.. آخر ما قالوه في دمشق, تحريض سافر على قتل الشرطة العراقية, واعتبار عصر صدام حسين أفضل من الأوضاع الحالية..". ويضيف: "لا أعرف من الذي يدير ملف العراق في دمشق, ولكني أعرف جيدا أنها إدارة تضر بالعراق, وتضر بسورية.. لقد مللنا ونحن نكرر ضرورة أن تفكر دمشق في مصالحها الوطنية, وأن تخرج من عصر الشعارات والأحلام, إلى فضاء العمل السياسي المحترف..". تزامن هذا الكلام مع حملة أميركية إسرائيلية على دمشق, وبدا أن الربعي يستجيب لأوتار هذه الحملة, ويردد الإدعاءات الأميركية عينها بخصوص الموقف السوري من أحداث العراق. يختم الربعي مقاله متسائلا: "هل نصرخ في واد غير ذي زرع لا يسمعنا فيه أحد؟ ربما..". الأكيد أنه لا يوجد عربي ولا مسلم حقيقي يعير سمعا إلى خطاب التبعية والاستسلام لإرادة العدوان والهيمنة الأميركية.

صالح القلاب

كتب صالح القلاب عن الشأن العراقي, لكن ما كتبه عن فلسطين كان أكثر, نظرا لارتباط بلده الأردن على المستوى الشعبي والرسمي بالقضية الفلسطينية.

في 25 من آب (أغسطس) ناقش القلاب الوضع في العراق, مقارنا الزعيم الشيعي مقتدى الصدر بزعيم حركة طالبان الملا عمر. يقول: "لنتصور ماذا سيحل بالعراق لو أن حكومة إياد علاوي, التي هي رغم سلبياتها الكثيرة خشبة الخلاص الوحيدة والأخيرة, انهارت في لحظة من اللحظات قبل أن تنجز مهمتها بتسليم البلاد إلى حكومة دائمة منتخبة..". ويحذر قائلا: "..إن انهيار هذه الحكومة, ورحيل القوات المحتلة, سيؤديان حتما إلى حكومة كحكومة "طالبان", وإلى رئيس كالملا عمر. وغير مستبعد إذا انتصر جيش المهدي, وأصبح مقتدى الصدر رئيسا لجمهورية إسلامية عراقية أن ينتقل أسامة بن لادن بإرهابه وقواعده إلى بلاد الرافدين..".

في 8 من أيلول (سبتمبر) كتب القلاب عن ذكرى تفجيرات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) 2001 في الولايات المتحدة, وقال إن الرئيس بوش كان سيعلن "أمام اجتماع تاريخي للجمعية العمومية للأمم المتحدة قيام الدولة الفلسطينية المنشودة" لولا وقوع الأحداث, وتتابع العمليات "الانتحارية" ضد الإسرائيليين, "التي تلاحقت بطريقة مثيرة للاستغراب". وقد زعزعت هذه العمليات – كما يقول الكاتب – "الموقف الفلسطيني, وعززت الحجة الإسرائيلية القائلة بأن الفلسطينيين إرهابيون, وإنهم جزء من جبهة "طالبان" وأسامة بن لادن وصدام حسين, في حين أن الإسرائيليين مثلهم مثل الأميركيين ضحايا لهذا الإرهاب, وأن حيفا وتل أبيب يحل بهما ما حل بنيويورك وواشنطن". ويصل الكاتب إلى القول بأنه "كان على العرب, والفلسطينيين تحديدا أن يعرفوا أن ما جرى ليس مجرد هدم بناية, وخطف عدد من الطائرات. وكان عليهم أن يبادروا, وعلى الفور, إلى التخلص من الأوهام التي كانت لا تزال عالقة بهم منذ مراحل الحرب الباردة, وأن يعلنوا هم, حتى قبل الولايات المتحدة, ومعها الغرب كله, الحرب على الإرهاب. كما كان عليهم أن يرموا بكل ثقلهم لوقف العمليات الانتحارية التي أوصلت الوضع الفلسطيني إلى ما وصل إليه". يحمل القلاب العرب والفلسطينيين مسؤولية التدهور والمعاناة في الأرض المحتلة, فالعرب مسؤولون نتيجة لغبائهم وقصر نظرهم وعدم استيعابهم الحرب الأميركية الجديدة على ما يوصف بالإرهاب, والفلسطينيون مسؤولون بسبب دمويتهم وعنفهم غير الأخلاقي الذي يسمونه استشهادا ومقاومة. أما الإدارة الأميركية وإسرائيل فهما بريئتان من كل نقيصة, ولا تقترفان إرهابا بحق الفلسطينيين والعرب.

في ذكرى مرور أربع سنوات على انتفاضة الأقصى كتب القلاب مقالا في 6 من تشرين الأول (أكتوبر) بعنوان: "أربعة أعوام كانت كارثة للفلسطينيين ودمارا لقضيتهم". اختصر العنوان ما أراد الكاتب أن يقوله, لكنه أوضح مراده بجلاء في ثنايا المقال, عندما أكد أن "التغني بصواريخ "القسام" الكرتونية لا فائدة منه, بل إنه يعزز ما تتذرع به إسرائيل لتبرير الجرائم البشعة التي ترتكبها في غزة, وفي كل الأراضي الفلسطينية". وأضاف: ".. الصراع مع عدو تقوده هذه الحكومة, وفي ظل موازين قوى هي هذه الموازين القائمة, لا يدار من خلال المنطق, ولا من خلال الاستمرار في حشد المبررات لتأكيد الحق, بل على أساس الممكن والمتاح..". إذن لا صورايخ القسام "الكرتونية" تفيد, ولا استخدام المنطق في المواجهة ينفع, ولا التذرع بالحق الأخلاقي في إدارة المعركة يجدي. الحل الوحيد هو الانبطاح, ومد العنق لسكين شارون.

يقول القلاب إننا إذا انظرنا إلى انتفاضة الأقصى " من زاوية الربح والخسارة بالنسبة للفلسطينيين ومشروعهم الوطني ومصالحهم العليا, فإننا سنجد أنها كانت كارثة ومصيبة, بل وأم المصائب". ينتقد الكاتب الفصائل الفلسطينية المعارضة لأنها تنظر بعين حولاء, ولا تجاري الواقع الدولي, كما يقول. ولو أن هذه الفصائل تدرك الواقع "لما بادرت إلى عسكرة انتفاضة الأقصى, ولما كثفت العمليات "الانتحارية", وغبار ما جرى في نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 كان يغطي الكرة الأرضية كلها". ويضع القلاب اليمين الإسرائيلي المتطرف, وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في سلة واحدة, فيقول إنهما رغم تناقضهما فقد "التقيا عند نقطة واحدة, وهي إضعاف القيادة الفلسطينية الممثلة بعرفات وعزلها وذبح عملية السلام". ويضيف: "كان المفترض.. أن تبادر حركة "حماس" وعلى الفور, إلى إيقاف العمليات الانتحارية بمجرد وقوع كارثة الحادي عشر من سبتمبر.. لم تفعل حركة "حماس" هذا, ولم تدرك أنه إذا كانت عسكرة الانتفاضة جائزة قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001, فإنها لم تعد جائزة بعد أن وقع ما وقع, وبعد أن اتضح أن الخيارات الفلسطينية غدت محدودة جدا, فإما في خنادق الحرب على الإرهاب التي أعلنها العالم بقيادة الولايات المتحدة, وإما في خنادق الإرهاب الممثل بالقاعدة وأسامة بن لادن وبكل الدول والتنظيمات المؤيدة للعنف والمساندة له والمتورطة فيه". ينبثق من هذا الكلام أمران. الأول أن العمليات الاستشهادية في فلسطين هي عمليات إرهابية, ويجب التبرؤ منها والتخلي عنها. والثاني أن الإرهاب هو ما ترى الولايات المتحدة أنه إرهاب, وهو تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن. أما الجرائم الصهيونية واحتلال أراضي بلدان مستقلة بالقوة, وقتل وتشريد الآلاف من أهلها, فذلك لا يدخل في تصنيف الإرهاب. يدافع القلاب بشكل أوضح عن السياسة الأميركية عندما يقول إن الأميركيين ".. كان لديهم استعداد للاستمرار في اعتبار الفلسطينيين جزءا من الجبهة المناهضة للإرهاب, لو أن العمليات الانتحارية لم تتواصل بالشكل الذي تواصلت فيه, ولو أن الانتفاضة لم تتخذ هيئة العمليات الانتحارية". ويضيف متحدثا بلسان الشعب الفلسطيني كله: ".. غير صحيح على الإطلاق أن الشعب الفلسطيني.. راض عن هذه المسيرة ويؤيد العمليات "الانتحارية", ويساند تظاهرة صواريخ القسام..".

في مقال له منشور في 3 من كانون الأول (ديسمبر) تحدث القلاب عن اجتماع عقده الملك عبد الله الثاني ملك الأردن مع بعض وزرائه بعيد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 في الولايات المتحدة, شدد فيه على "ضرورة الاتصال بالقيادة الفلسطينية, وإبلاغها أن عليها أن تسيطر على الوضع, وألا تسمح بوقوع أية عمليات إرهابية – انتحارية, لأن العالم كله مقبل على مرحلة جديدة, سيكون الفرز فيها بين الإرهاب وضحاياه, ولأنه يجب أن يدرك الفلسطينيون بخاصة, والعرب والمسلمون بصورة عامة خطورة أن يصنفوا على المعسكر الإرهابي". ويضيف الكاتب: ".. لا بد من ممارسة ضغط حقيقي على "حماس", وعلى الدول التي تقف وراءها, لمنعها من القيام بأية عملية "انتحارية" في هذا الظرف الحساس..". ويختم بالقول: "إذا لم تتوقف العمليات "الانتحارية", حتى إن واصلت إسرائيل استفزازاتها, فإنه لن تكون هناك أي فرصة لاستئناف عملية السلام..". وهكذا فالقلاب يصنف العمليات الاستشهادية عمليا في خانة الإرهاب, ويسمي الإرهاب الإسرائيلي المنظم من تقتيل جماعي, واغتيالات للقادة, وهدم للبيوت فوق رؤوس ساكنيها, وتجريف للحقول, ومصادرة للأراضي, وبناء لجدار يلتهم الزرع والضرع, وتشريد وأسر وتعذيب, كل ذلك يسميه استفزازا فقط, ويطالب بتجاهل هذا "الاستفزاز", واستجداء السلام قبل أن يطير من أيدي الفلسطينيين والعرب بسبب جهلهم بالواقع, وعنفهم الأعمى!

يعود القلاب إلى الشأن العراقي, فيكتب في 22 من كانون الأول (ديسمبر) مقالا يؤكد فيه أن العراق لم يكن "بحاجة إلى حرق المراحل, والقفز من فوقها, والانتقال فورا من "ديكتاتورية" بغيضة, ونظام شمولي تواصل, على مراحله المختلفة, لأكثر من أربعين عاما, إلى انفلات ديموقراطي..". ويوضح قائلا: ".. جاءت جرعة الديموقراطية أكثر مما يتحمله بلد بقي محكوما بالحديد والنار لأكثر من أربعة عقود متلاحقة, فجاءت النتيجة على ما نراه من فوضى صاخبة, تضرب أطنابها في كل مكان". ويضيف الكاتب في إشارة إيجابية للاحتلال الأميركي: "ربما أراد المعنيون, وعلى رأسهم الأميركيون الذين جاؤوا تحت عنوان: "إسقاط النظام الديكتاتوري, واستبداله بديموقراطية على النمط الغربي", إقناع العراقيين والعرب والعالم كله, بأن الاحتلال ليس دائما بالضرورة ضد مصالح الشعوب, وأن تخليص الشعب العراقي من نظام شمولي وفردي وسفاح, واستبداله بنظام صناديق الاقتراع والحريات العامة, يسوغ رؤية الدبابات الأميركية في الشوارع العراقية. لقد أراد الأميركيون, ووافقتهم على ذلك معظم القوى والتنظيمات التي انخرطت في حرب التخلص من نظام صدام حسين, إقناع العراقيين بالفرق بين ما كانوا عليه, وبين خيارهم الجديد..".

في مقاله المنشور في 29 من كانون الأول (ديسمبر) والذي جاء بعنوان "عام فلسطين وعام القضية الفلسطينية", يدعو القلاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى عدم الالتزام بثوابت القضية الفلسطينية قائلا: "لن يكون العام المقبل, وهو أول عام لأبي مازن في مواقع المسؤولية الأولى, سهلا ولا مريحا, لكنه عام واعد. وحتى يصبح هذا العام على غير ما كان عليه العام الماضي الذي هو ثالث ثلاث سنوات عجاف موجعة ومربكة, بل وقاتلة, فإن عليه أن لا يبقى أسيرا للذين يدفعونه إلى الخلف باسم الثوابت التي لم يفرط فيها عرفات". ويطالب الكاتب أبا مازن بما تطالبه به إسرائيل والولايات المتحدة: الوقوف ضد فصائل المقاومة, ونزع سلاحها, وتحقيق الأمن للإسرائيليين, وطمأنة قلوبهم. يقول: "حتى يمكن تجريد اليمين الإسرائيلي من كل أسلحته التي استخدمها على مدى الأعوام الثلاثة الماضية.. فإنه لا بد من إشعار الإسرائيليين بأن هناك إمكانية فعلية وحقيقية لتوفير الأمن لهم, وأن هناك إمكانية فعلية وحقيقية لتصبح العمليات الانتحارية من الماضي, وأنه لن يكون هناك سلاح غير السلاح الرسمي الفلسطيني, ولن تكون هناك أي سلطة موازية للسلطة الفلسطينية".

مأمون فندي

انضم مأمون فندي إلى زميليه الراشد والربعي في انتقاد السلطة الفلسطينية لموقفها الغاضب من تقرير تيري رود لارسن عن الوضع الفلسطيني. كتب فندي في 19 من تموز (يوليو) مقالا بعنوان "مصلحة عرفات قبل حرية فلسطين" انتقد فيه القيادة الفلسطينية, مؤكدا أنه "بات واجبا على العرب مجتمعين مواجهتها دونما مواربة, لأن الأمر في الأراضي المحتلة وصل بالفعل إلى درجة الانهيار". وأضاف: "يبدو أن مصلحة عرفات أهم من مصلحة الشعب الفلسطيني. هذا هو تفسيري للغضبة الفلسطينية على ممثل الأمين العام للأمم المتحدة.. كانت في تقرير لارسن مرافعة جادة ومقنعة أمام مجلس الأمن في رأيي (غير المتواضع) هي أفضل من كل مرافعات نبيل أبو ردينة وأبو عمار وجماعته من أهل فلسطين". ويتساءل فندي: ".. لماذا كل هذا الغضب العرفاتي على تقرير يصب في المصلحة الفلسطينية؟ الغضبة أساسها أن لارسن انتقد السلطة وأداءها, وطالبها بأشياء واضحة هي محل إجماع المجتمع الدولي الآن". ويواصل فندي سخريته المريرة من السلطة الفلسطينية, فيقول: ".. دعونا نواجه الحقائق: النقطة الأولى التي يجب أن يعرفها العرب, هي أن العالم كله الآن لا يثق بعرفات, باستثناء جماعة نبيل أبو ردينة الذين يفسرون العالم بالمقلوب لأبو عمار.. النقطة الثانية, هي أن اللاعبين الأساسيين من العرب في الملعب الفلسطيني, وهما مصر والأردن, أيضا لا يثقان بالرجل.. إذن من بقي مع أبو عمار بعد أن تركه الأميركان والأوروبيون والروس والمصريون والأردنيون؟ بقي معه لارسن ممثل كوفي أنان, وهاهم أبو عمار وناصر القدوة وأبو ردينة يخسرون الأمم المتحدة أيضا". ويصل فندي إلى القول بأن "عرفات لم يعد يعنيه أي شيء سوى "حرية حركته هو".. حرية عرفات الشخص أهم من حرية الفلسطينيين.. ما يقوم به أبو عمار ليس استراتيجية تحرير, وإنما مناورات بقاء, الأساس فيها شخصه, وليذهب الشعب الفلسطيني والمنطقة إلى الجحيم". ويختم قائلا: ".. عرفات لا يريد أن يسجن فقط الشعب الفلسطيني معه, هو يريد أن يسجننا جميعا".

في التاسع من آب (أغسطس) كتب فندي داعيا إلى "قيام جماعة التفكير, بدلا من جماعات التكفير", وقال إن "التفكير هو الفريضة الغائبة, لا التكفير والتفجير". وأضاف: "لك أن تتخيل هذا العالم كغرفة واحدة, فيها ممثل عن كل الملل والنحل, ممثل عن كل جماعة عرقية ودينية, وبينهم ممثل عن العرب والمسلمين, ترى مع من يتحدث هذا العربي المسلم داخل هذه الغرفة؟". يتحدث فندي بسخرية عن العربي القابع في الغرفة, وقد عزم ألا يحدث أحدا لأنه أعلن الحرب على الجميع. يقول إن هذا العربي لن يتحدث مع ممثل أميركا, "لأنها دولة إمبريالية, يناصبها العداء, فهي التي تحتل العراق, وتساعد إسرائيل ضد الفلسطينيين, ويعلن عليها العربي المسلم جهادا كجهاد جماعة مقتدى الصدر في النجف, والزرقاوي في الفلوجة وبغداد.. أما إذا صنفنا من هم في الغرفة حسب دياناتهم, فبالطبع لن يتحدث العربي المسلم مع ممثل اليهود الذي يشتبك معه في حرب منذ خمسين عاما..". ويصل فندي إلى التأكيد بأن "العربي المسلم الموجود في الغرفة لن يتحدث مع أحد, ولن يحادثه أحد, لأنه تقريبا معاد للعالم كله..". ويسهب الكاتب ويطيل في بيان هذه "التخيلات", ويمضي متحدثا بلسان العرب والمسلمين: "لقد كفرنا الجميع, وفكرنا قليلا.. كفرنا العالم كله, ورأينا العالم كله بمثابة مؤامرة ضدنا, تخيلنا كل إنسان في العالم وكأنه يصحو في الصباح فقط ليحيك المؤامرات ضدنا..".

في 4 من تشرين الثاني (نوفمبر) كتب فندي مقالا بعنوان "فوز بوش: رسالة أميركا الجديدة" دعا فيه العرب إلى الانقياد لسياسة إدارة بوش في المنطقة. يقول: "فوز بوش هو رسالة أميركية إلى العالم. فحوى هذه الرسالة إلى العالم هو أن الأميركيين يصادقون على رؤية جورج بوش في مكافحة الإرهاب, هذه الرؤية القائمة على محاور ثلاثة: المحور الأول هو القضاء على الجماعات الإرهابية ذات البعد العالمي global reach, المحور الثاني هو ضرب الدول الراعية للإرهاب, أما المحور الثالث فهو تغيير البيئة والمناخ المولد للإرهاب, وفي هذا السياق, يبقى على الدول التي تصنفها أميركا رسميا على لائحة الدول الداعمة للإرهاب, أن تأخذ موضوع استراتيجيه الحرية الأمامية Forward Freedom, والتي تبنتها إدارة جورج بوش مؤخرا, وكذلك موضوع الشرق الأوسط الكبير على محمل الجد". ويوضح الكاتب مراده أكثر بالقول: "ويعني ذلك أن مسألة الإصلاح من الخارج للمنطقة العربية, والضغوط المكثفة تجاهها مسألة حقيقية, وعلى دول المنطقة أن تعيد صياغة سياساتها ومواقفها على هذا الأساس الجديد". يورد الكاتب مفردات الخطاب الأميركي كالإرهاب وحرب الأفكار والحرية والإصلاح والشرق الأوسط الكبير, بوصفها مسلمات وحقائق غير قابلة للنقض, داعيا العرب إلى تبنيها والاستجابة لها, قبل أن يقبلوا بها وأنوفهم راغمة.

في مقال له منشور في 15 من تشرين الثاني (نوفمبر) تحدث فندي عما وصفه "نحو عرفات", ويقصد علاقة علم النحو بحياة الرئيس الراحل ياسر عرفات. يتسم المقال بالتهكم أكثر من اتسامه بالوصف, وينسب كل مسيرة عرفات إلى أفعال النحو وقواعده وحروفه. مثلا يشير في مقاله إلى أن عرفات مات في باريس, ومات كما يقول فعل "معتل الوسط, ويسمى أجوف, مات في المنفى بعد المقاطعة, وأبو عمار لم يكن غريبا على حروف النفي, من لاءات الخرطوم إلى نفيه في الأردن, إلى لبنان بعد أحداث أيلول الأسود, ومن نفيه من لبنان إلى تونس عام 1982.. حروف علة, وحروف نفي, وأفعال مقاربة, تلك كانت حياة عرفات..". ويختم مقاله الطويل بالقول إن عرفات كان "جامدا أحيانا, وكان معتلا في آخر حياته, وكان ناقصا في بعض أفعاله..".

في 6 من كانون الأول (ديسمبر) كنب فندي مقالا بعنوان: "إمارة حماس" زعم فيه أن "مقاطعة حماس للانتخابات الفلسطينية تقع ضمن خطة شارون لتفخيخ الوضع الفلسطيني, وإحلال إمارة حماس في غزة محل الدولة الفلسطينية". وينتقل الكاتب فجأة من غزة إلى بغداد, فيربط بين حماس وهيئة علماء المسلمين العراقية قائلا: "مقاطعة حماس للانتخابات الفلسطينية, هي المعادل الموضوعي لمقاطعة هيئة علماء المسلمين والسنة في العراق للانتخابات العراقية". ويضيف: "وفي كلتا الحالتين, يخدم الإسلاميون الاحتلال عمليا, بينما يقاومونه على الفضائيات, وبرمزيات لا تسمن ولا تغني من جوع..". موقف فندي المتحامل على الإسلاميين جعله يصنفهم خدما للاحتلال, بل ويتهمهم بالعداء الفطري للديموقراطية, وهي التهمة عينها التي تلصقها دوائر غربية كثيرة بالإسلاميين. يقول ساخرا: "حماس لديها حساسية تجاه الانتخابات, ومعها كثير من إسلاميي المنطقة, كحساسية مرضى الانفلونزا للسمك والبيض..".

بعد ذلك يبدأ الكاتب في صياغة فكرة المقال, وهي في جوهرها تحريضية ضد حماس, والتحذير من هيمنتها على الوضع في غزة, بعد الانسحاب الإسرائيلي منها. يسرد فندي عددا من المظاهر الدالة على نفوذ حماس في القطاع, كالأعلام الخضراء, ومسيرات تشييع الجنائز, وغيرها. وقال إن "هذه السيطرة من قبل حماس في غزة, مرشحة للزيادة, وربما كبديل لسلطة الاحتلال, في غياب دور للأمن الفلسطيني". ويواصل فندي تحريضه الجميع على حماس, مذكرا مصرا بأن حماس حركة إسلامية, وامتداد طبيعي لحركة الإخوان المسلمين. يقول: ".. ستملأ حماس الفراغ الذي يتركه الاحتلال من خلال كتائب القسام, كمقابل للجيش النظامي, جيش حماس السري لضبط الأمن كبديل عن دحلان وجماعته. والتنظيم السري لحماس, هو أقرب إلى التنظيم السري الذي ابتدعته الحركة الأم, وهي حركة الإخوان المسلمين في مصر, وأعتقد أنه واضح لكل من درس ألف باء الحركات الإسلامية أن حماس هي جماعة الإخوان المسلمين – فر ع فلسطين – أو فرع غزة, لأنها تشبهها تماما في الخريطة التنظيمية, وفي البناء الهيكلي, وتتبع نفس التوجه الاستراتيجي". ويمضي فندي محرضا العالم كله على حماس من خلال مقارنتها بحركة طالبان, "وبنفس الطريقة التي حاولت بها حركة الإخوان المسلمين السيطرة على مقاليد الحكم في الجزائر, أو في تونس ( جبهة الإنقاذ هي التي كادت أن تصل إلى الحكم في الجزائر عبر صناديق الاقتراع, وليس الإخوان, والذين سيطروا في النهاية هم العسكر, وهم الذين أجهضوا خيار الشعب), تحاول حماس أيضا السيطرة على النضال الفلسطيني, وإخراج أي قوى أخرى خارج الحلبة, ومن هنا, ومتى ما سيطرت حماس على غزة, فنحن بصدد قيام إمارة حماس في غزة, على غرار إمارة طالبان في أفغانستان..".

ويردف الكاتب قائلا: ".. توحي كل المؤشرات, من الجيش إلى الإعلام إلى الخطاب السياسي للحركة, أنها تتبع أسلوب طالبان في السيطرة على الوضع الفلسطيني برمته, وإزاحة السلطة..". بعد رسم هذه الصورة المثيرة للضحك, يتساءل فندي: "ماذا يعني قيام إمارة حماس في غزة بالنسبة للمنطقة, وبالنسبة لإسرائيل؟". يحاول الكاتب مجددا إثارة حفيظة القيادة المصرية, فيحذر من أن "المتضرر الأول من إمارة حماس ليس إسرائيل, وإنما مصر كجوار لهذه الإمارة الجديدة, بنفس الطريقة التي لم تكن طالبان فيها خطرا على الهند, بل كانت خطرا على باكستان..". ويضيف: "وإمارة حماس لن تقبل بالسلام كما تتبناه خارطة الطريق, فأي دارس لحالة حماس يعرف أنها لا تقبل إلا بفلسطين كلها.. أمل حماس هو تحرير الأرض من البحر إلى النهر. إمارة حماس هي هدية شارون للعالم العربي وهو يخرج من قطاع غزة".

ينتقد فندي المؤيدين لحماس في العالم العربي قائلا إن كثيرين "ممن هم خارج حدود فلسطين يؤيدون سيطرة حماس على الشارع الفلسطيني, ويصفقون لقيام إمارة حماس. ودائما ما أسأل نفسي: كيف يفكر هؤلاء؟". يهتدي فندي إلى تفسيرين لهذا السلوك الشاذ في نظره, الأول أن "هناك الكثير ممن هم في سن الأربعين, وأكبر ممن فاتهم قطار تحزيم أنفسهم بالمتفجرات, قد تضاءلت فرصتهم في أن يصبحوا انتحاريين, ولذلك نجدهم وهم في سن اليأس, يصفقون لأولاد الناس وهم يفجرون أنفسهم". التفسير الثاني أن كثيرين "ممن يحاولون ادعاء الثورية في أرذل العمر, مثل الرجال الذين تصيبهم أزمة منتصف العمر, فتجد بعضهم في سيارة حمراء جالسا إلى جوار فتاة شقراء في عمر بناته. الثوريون في آخر العمر وأرذله هم فئة قريبة من فئة مراهقة العواجيز والتصابي..". ويختم فندي تحليله الفذ بالقول إن قيام "إمارة حماس يعني شيئا واحدا مطابقا لمبدأ شارون في الانسحاب: غزة أولا وأخيرا.. إمارة حماس في غزة هي بداية تدخل خارجي, مثلما هي بداية حرب أهلية فلسطينية".

خاتمة

هناك عدة قواسم يشترك فيها كتاب صحيفة الشرق الأوسط, الذين تمت دراستهم هنا. من أبرز هذه القواسم الهجوم على المقاومة الفلسطينية, سيما التيار الإسلامي في هذه المقاومة. كل الكتاب دعوا صراحة إلى إخضاع فصائل المقاومة الفلسطينية, وقاموا بالتحريض عليها, وقد سفه القلاب استخدام صورايخ القسام لمهاجمة الإسرائيليين, وربط السلاح الاستشهادي بالإرهاب صراحة, بينما استخدم في المقابل وصف "الاستفزاز" للإشارة إلى العدوان الإسرائيلي. الراشد والقلاب انتقدا "عسكرة الانتفاضة", والجميع وصف العمليات الاستشهادية بالانتحارية, وروجوا المصطلحات الأميركية الرسمية المتعلقة بالمشهد الفلسطيني. لقد وضع الكتاب كلهم المقاومة الفلسطينية الإسلامية عمليا في خانة الإرهاب والتطرف.

في ما يتعلق بالموقف من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات, فقد اشترك الجميع في توجيه سهام النقد لسياساته ومواقفه. الربعي طالبه بالاستقالة, والراشد دعا العرب إلى دعم القيادة التي خلفته, بدعوى انتفاء موانع مقاطعة القيادة الفلسطينية بعد رحيله. وقد هاجم ثلاثة من الكتاب, وهم الراشد والربعي وفندي موقف عرفات ورموز السلطة من تيري رود لارسن مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط, وأيدوا ما جاء في تقرير لارسن عن وضع السلطة وأدائها.

الراشد والربعي هاجما الشيخ يوسف القرضاوي, لمواقفه الداعية إلى المقاومة في فلسطين والعراق, ووصفاه بالتطرف. كما رددا تقريبا التهم الأميركية الموجهة لسوريا, وحثاها على تفادي الاصطدام مع معطيات الواقع الجديد الذي فرضه الاحتلال الأميركي للعراق.

الراشد والربعي أيضا دعيا إلى دعم الحكومة العراقية المعينة من قبل الاحتلال. وبينما أثنى الراشد على ما سببه الاحتلال الأميركي من "انفتاح كامل" على الدين, أشاد القلاب "بديموقراطية" الاحتلال, لكنه حذر من جرعاتها الزائدة التي ربما غص بها الشعب العراقي, وناء بحملها.

كان هناك ربط بين المقاومة العراقية والإرهاب في خطاب الكتاب الأربعة, وقد انتقد الجميع حركة مقتدى الصدر, ووقف الراشد والربعي في صف الحكومة العراقية ضد هذه الحركة. ووقف الراشد والربعي تحديدا ضد مقاومي مدينة الفلوجة, ووصماهم بالتطرف. كما انتقدا (وشاركهما فندي) العرب السنة في العراق, لمقاومتهم الأميركيين, ورفضهم المشاركة في الانتخابات. وتعرض العلماء والدعاة السعوديون الذين أفتوا بوجوب نصرة أهل الفلوجة لانتقاد لاذع من قبل الربعي الذي وصفهم بالتحريض على العنف, والتغرير بالشباب.

اتسم خطاب الكتاب الأربعة بالتحريض والتهكم وضيق الصدر بالمختلف والآخر, واتهامه بالتطرف والإرهاب, والدعوة إلى إقصائه وتهميشه, واحتكار الحقيقة المطلقة, وتسفيه ثقافة المقاومة بوصفها تقافة للموت والعدمية والانتحار, والتنكر للهوية الإسلامية التي تلهب جذوة هذه المقاومة, وترسم خطها المستقل. يصدق على هؤلاء الكتاب, وهم أبرز كتاب الشرق الأوسط, وصف "كتاب المارينز" الذين يكتبون وفق إيقاع البنتاغون, ويتحدثون تقريبا بلغة واحدة, في صحيفة تزعم احتفالها بالتنوع, وتمثيل العرب كافة. هؤلاء الليبراليون الجدد لا ينطلقون في كتاباتهم من روح وطنية ولا قومية ولا إسلامية بالطبع, بل يصدرون عن الهوى الأميركي والصهيوني, وهذا ما يجعلهم دائما في الخندق المعادي للمقاومة مفهوما وثقافة وممارسة.

بهذه النتيجة تجيب هذه الورقة عن سؤالها اليتيم: هل أعمدة الرأي في صحيفة الشرق الأوسط تقف ضد نهج المقاومة وثقافتها في فلسطين والعراق؟ الجواب كما يكشف بجلاء طرح الكتاب الأربعة: نعم.

المصادر: أعداد من جريدة الشرق الأوسط, وأشير إلى تاريخ كل عدد داخل النص.

المقال ورقة علمية قدمها الباحث إلى مؤتمر ثقافة المقاومة الذي نظمته كلية الآداب والفنون بجامعة فلادلفيا في الأردن في الفترة من الخامس والعشرين إلى الثامن والعشرين من شهر نيسان (أبريل) 2005.

أحمد بن راشد بن سعيّد writemee@hotmail.com

  أبو محمد 2 24-5-2005 21:41 1. ارسل رسالة تنبيهية الى المشرف إحفظ الموضوع  

جزاك الله خيرا يا دكتور على هذه الكتابات الرائعة والتحليلات البديعة ،واصل يادكتور في فضح المنهج الليبرالى ،فاعتقد ان كتاباتك اشد عليهم من وقع السياط .


قال صلى الله عليه وسلم( مثل المؤمن كالنحلةإن أكلت أكلت طيبا وإن وضعت وضعت طيباوإن وقعت على عود نخر لم تكسره) asd394@hotmail.com
  موس 24-5-2005 22:09 2. ارسل رسالة تنبيهية الى المشرف إحفظ الموضوع  

دكتورنا الكريم .... أسأل الله العظيم أن يعلي شأنك في الدنيا والآخرة

أنا قرأت الموضوع بجزئية الأول والثاني في موقع الإسلام اليوم ... وأعجبني والله تعريتك لهؤلاء الكتاب الذين نعرفهم ويعرفهم الناس حق المعرفة ...

كنت دائم الإطلاع على مقالات الراشد والربعي ومعظم كتاب الشرق الأوسط

بديهياً ومن يقرأ مقالاتهم يعرف من اللحظة الأولى ومن خلال سطر أو سطرين ماذا يريد الكاتب ...

ياسيدي الكريم لاتخفى على أحد اساليبهم الملتوية في الكتابة ... ولا الأهداف التي يريدون الوصول إليها ... ولا غمزهم ولمزهم للمقاومة ... ولا مناكفتهم ودفاعهم عن سياسة الغرب ومحاولة وضع الالوان البراقة على وجهها المشوه

الراشد والربعي ومن على شاكلتهم أختاروا بملء إرادتهم السير في طريق العمالة " نقولها صريحة "

إختاروا الخندق الأخر ... غير خندقنا كأمة عربية ومسلمة

أرجوك ... أرجوك يادكتورنا العزيز ... إنزل للشارع ... الشارع العربي ... أسأل أي شخص يمر بك عن هدف مقالة ... أي مقالة للراشد أو الربعي ... سيقول لك وبكل وضوح تحسين وتلميع للصورة الأمريكية وتشويه لكل مقاومة للهيمنة الأمريكية ...

.

.

.

 



أنا ورقة في شجرة التاريخ الإنساني إذا سقطت فلست الأول وبالتأكيد لن أكون الأخير .... keead@hotmail.com

تصفح الاشتراكات إشترك هنا سـاحـتي أضف رد للاستفسار ملفك الشخصي

من هنا يمكنك التعقيب على هذا الموضوع الرجاء اكمال الخانات التالية
لوحة المفاتيح العربيه مؤثرات الساحه صور وابتسامات

ملاحظة: يمكنك تحرير هذا الرد خلال 30 دقيقة من إضافته للساحات.


الساحة العربية الساحة المفتوحة - الساحة الاسلامية - الساحة السياسية - الساحة الادبية - ساحة الأصدقاء والهوايات - بيت الطين - ساحة الكمبيوتر والتكنلوجيا - الساحة الطبية - ساحة الإدارة والإقتصاد - الساحة الرياضية - ساحة السيارات - ساحة الوراقين - أريد الحـل - ساحة الشكاوي -   قائمة السـاحـات  

قوانين الساحة - آراء واقتراحات - اعلن معنا - عيون - ارشيف - دعم ومساعده - خـروج

 جميع الحقوق محفوظة للساحة العربية