حاولتُ
أن أجدَ مُبرّراً واحداً لهذا التزاوج ِ الماجن ِ بينَ الليبراليينَ
وأفراخِهم من العصرانيينَ وبعض ِ أدعياءِ السلفيّةِ المقيتةِ ، فلم أظفرْ
بما يشفي الغليلَ ، لا سيّما مع ما يتباينونَ فيهِ من المواقفِ والآراءِ ،
لكنّهم فجأةً صاروا يداً واحدة ً ومنهجاً مُتحداً ، ويوحي بعضُهم إلى بعض ٍ
زخرفَ القول ِ غُروراً.
ونشهدُ صخبَ هذه التجمّعاتِ المُنحطّةِ فكراً ومنهجاً ، في أسوأ
المواخير ِ الثقافيّةِ المُتطرفةِ المُلحدةِ ، والتي يستحي المُتابعُ أن
يقرأ فيها أو ينظرَ إلى ما تحويهِ من صور ٍ فاضحةٍ ومناظرَ عاريةٍ ، فضلاً
أن يُدعى للحوار ِ وينشرَ فيها صورتهُ وقيئهُ وعفنهُ .
في هذه الفترةِ العصيبةِ خرجَ علينا مجموعة ٌ من السماسرةِ المروّجينَ
للفكر ِ الغربيِّ القذر ِ ، خانوا العهدَ ونكثوا الأمانة َ وطعنوا الأمّة َ
في أشرفِ ما تملكُهُ ألا وهو الدّينُ والشرفُ والعفافُ ، وامتطوا ظهورَ بعض
ِ أدعياءِ السلفيّةِ ونفذوا من خلال ِ منهجِهم السافل ِ المُتمرّدِ على
فتاوى كِبار ِ العلماء ِ والمُناقض ِ للمُجتمع ِ وأدبياتِهِ ، وأصبحوا
معاولَ هدم ٍ في بناءِ الأمّة ِونسيجِها ، وهاهم اليومَ يقودونَ حملة ً
شعواءَ ، لتمرير ِ ما يُسمّى قيادةَ المرأةِ للسيّارةِ ، خارجينَ في ذلكَ
عن نِظام ِ البلادِ والقراراتِ الرسميّةِ والفتاوى الصادرةِ من جهاتِ
الفتوى المعتبرةِ فيها .
ولأنّهم لا يملكونَ المصداقيّة َ في الحُجج ِ والبراهين ِ ، أو التأثيرَ
في البلادِ والعبادِ ، ولكراهية ِالنّاس ِ لهم ، فقد أخذوا يُظهرونَ دورَ
النّاصح ِ الأمين ِ ، والباحثِ النزيهِ ، وتحوّلوا بينَ عشيّةٍ وضُحاها إلى
قوم ٍ من أهل ِ الورع ِ والتنسّكِ يبحثونَ في رُكام ِ التراثِ عن نصٍّ يتيم
ٍ يُحرّمُ قيادة المرأةِ للسيارةِ !! ، فلمّا لم يجدوا بكوا كثيراً
واسترجعوا وقالوا ما لنا بُدَّ من القيادةِ فقد أعيانا البحثُ عن دليل ٍ
مُحرّم ٍ !! ، هكذا يتظاهرونَ بالتقوى والحفاظِ على معالم ِ الديانةِ ، حتى
يستسيغَ العامّة ُ طرحهم ، ممّا أسقطهم في التهافتِ لقلّةِ بصرِهم وصاروا
أضحوكة ً لدى العامّةِ والخاصّةِ .
فتارة ً يزعمونَ أنَّ قيادة َالمرأةِ للسيّارةِ ليستْ من ثوابت ِالدّين
ِ .
وهم – واللهِ - أبعدُ النّاسِ عن معرفةِ الثوابتِ والمتغيّراتِ ، بل
إنَّ لفظة َ " ثوابتِ الدّين ِ " من الألفاظِ الضبابيّةِ الغائمةِ ،
يمدّدها الليبراليّونَ متى ما أرادوا ويقلّصونها متى ما أرادوا ، فليسَ لهم
تعريفٌ ثابتٌ واضحٌ للثوابتِ المزعومةِ ، وإنّما هي كلمة ٌ تُستخدمُ كمخرج
ٍ للطوارئ ، وإذا أحسّوا أنَّ الناسَ ضاقتْ بهم وبأفعالهم واقتربوا من كشفِ
مُرادهم ومقصدهم ، قالوا : هذا ليس من ثوابتِ الدّين ِ ليهدموهُ كما شاءوا
، ولو سألتهم عن معنى الثوابت ِلوجدتَ بينهم فيه اختلافاً كثيراً ، وقد
تتبعتُ أطروحاتِ الليبراليينَ وأذنابِهم من فروخ ِ العصرانيّةِ وبعض ِ
أدعياءِ السلفيّةِ فلم أجدهم يتفقونَ على تعريفٍ جامع ٍ مانع ٍ للثوابتِ ،
بل يجعلونها مُصطلحاً فضفاضاً ، ويفرّونَ من تحديدِه وضبطِ معناه ، ليتسنّى
لهم التسمّحُ به متّى أرادوا ، وليُمارسوا التعمية َ والاستغفالَ لعبادِ
اللهِ ، وليسهلَ عليهم تبريرُ ما يُريدونهُ من المخالفاتِ بحُجّةِ أنّها
ليستْ من الثوابتِ .
وإذا ضاقتْ بهم الحيَلُ والسبُلُ ، قالوا : أنتم تردّدونَ دائماً : سدُّ
الذرائع ِ من الدين ِ وواجبٌ ، وقيادة ُ المرأةِ ذريعة ٌ للسفور ِ والفساد
ِفي الأرض ِ !! ، حتّى ضيّقتم على النّاس ِ معيشتهم .
وهذا كلامٌ يأتي على فكرِهم من قواعدهِ وأسّهِ ، ذلك أنَّ أكثرَ النّاس
ِ تضييقاً على عبادِ اللهِ في أفعالِهم ونيّاتِهم هم الليبراليّونَ
وأفراخُهم من العصرانيينَ ، فقد هاجموا حلقاتِ تحفيظِ القرءان ِ الكريم ِ
والمراكزَ الصيفيّة َ والجمعياتِ الخيريّة َ ومناهجَ التعليم ِ ومراكزَ
الهيئاتِ والدعوةِ وكُتبَ أئمّةِ العلم ِ والدعوةِ وتمادوا حتّى وصلوا إلى
رمْي خطبِ الجمعةِ والمحاضراتِ والمواعظِ ، وهي تمثلُ أغلبَ المُجتمع ِ ،
هاجموا ذلك كلّهُ تحتَ حجّةِ أنّها ذريعة ٌ ومفضية ٌ إلى الكراهيّةِ ونشر ِ
ثقافةِ العنفِ والتطرفِ ، مع أنّها مؤسساتٌ رسميّة ٌ وتحتَ عين ِ الدولةِ
ونظرِها ، فلماذا استحمروا هنا ووظّفوا سدَّ الذرائع ِ انتقائيّة ً منهم
واعتباطاً ، واستعدوا ولاة َ الأمر ِ والدولة َ ضدَّ أولئكَ ، بينما هاجموا
المانعينَ من قيادةِ المرأةِ ، ووصفوهم بشّتى صفاتِ السوءِ ، لأنّهم جعلوا
سدَّ الذرائع ِ من أمور ِ الشريعةِ المعتبرةِ ، مع أنّهُ قد دلَّ عليها
إجماعُ الأمّة ِالقطعيُّ ، ومن خالفَ هذا الإجماعُ فقد كفرَ ؟! .
وفي حُجّةٍ أخرى يزعمونَ أنَّ قيادة َ المرأةِ للسيّارةِ لم يدلَّ نصٌّ
صحيحٌ على حُرمتِها ، فأتونا بنصٍّ صحيح ٍ يُحرّمها لنتّبعكم في رأيكم إن
كنتم صادقينَ ! .
هكذا يزعمونَ أنّهم أولياءُ للهِ صالحونَ يتّبعونَ الكتابَ والسنّة َ
ويهتدونَ بهديها ، ولا يجدونَ منها بُدّاً ، وقد كذبوا واللهِ ، فهم ممّا
يعيّرونَ بهِ أهلَ السنّةِ والجماعةِ – في جملةِ مايعيّرونهم بهِ - أنّهم
نصيّونَ ! ولا يُعملونَ عقولَهم وتفكيرهم ، بل يقودهم النصُّ بحذافيرهِ
ويحرّكهم الثابتُ الشرعيُّ ويُسلّمونَ أمرهم لهُ ، في زمن ٍ أخذتْ فيهِ
النصوصُ تتهاوى ما بينَ تعطيل ٍ للنصِّ وتأويل ٍ لهُ ، ويُسلمُ قيادُ الأمر
ِ ديناً ودُنيا إلى العقل ِ ، هكذا قالوا ، لأنّهم لمّا عجزوا عن إيجادِ
مبرّر ٍ سائغ ٍ للقول ِ بقيادةِ المرأةِ للسيّارةِ ، تنادوا علينا أن
أخرجوا لنا نصّاً صحيحاً يُحرّمُ ذلكَ ! ، مع أنّهم – قبّحهم اللهُ – هدموا
معالمَ للدّين ِ كثيرة ً دلَّتْ عليها نصوصٌ صحيحة ٌ صريحة ٌ من الكتابِ
والسنّةِ وإجماع ِ الأمّةِ ، فلو كانوا صادقينَ فلنحتكم نحنُ وإيّاهم إلى
نصوص ِ الكتابِ والسنّةِ وإجماع ِ الأمّةِ ، لنرى أيَّ الفريقين ِ أحقُّ
بالأمن ِ والحُجّةِ واتّباع ِ دين ِ اللهِ .
ومنهم من يقولُ لماذا لا نفتحُ المجالَ بالضوابطِ والحدودِ والقيودِ ،
وبهذا يكونُ الأمرُ متروكاً للجهاتِ الرقابيّةِ وأولياءِ الأمور ِ ، من
شاءتْ أن تقودَ قادتْ بالضوابطِ ، دونَ أن نمنعهُ على وجهِ العموم ِ ! .
وهذه فرية ٌ أخرى ساقطة ٌ تماماً ، فنحنُ لم نضبطْ بعدُ قيادة َ الرّجل
ِ للسيّارةِ ، ويوجدُ لدينا أعلى معدّلاتِ الوفياتِ في العالم ِ نتيجة ً
لحوادثِ السيّاراتِ والمخالفاتِ المروريّةِ ، وصارتِ الحوادثُ ظاهرة ً
منتشرة ً ، فكيفَ إذا فُتحَ المجالُ للمرأةِ أن تقودَ ! ، أوَ ليسَ الضررُ
الناتجُ عن السماح ِ للمرأةِ بالقيادةِ ضرراً عامّاً يرجعُ على المجتمع ِ
كلّهِ ، فالأمرُ ليسَ مجرّدَ السماح ِ بالضوابطِ ، وإنّما في الضرر ِ
المُتحقّق ِ الذي يعقبُ ذلكَ ، ولدى علماءِ البحثِ والنظر ِ قاعدة ٌ مُتفقٌ
عليها تقولُ : الغالبُ كالمُتحقّق ِ .
ويتبجّحُ بعضُهم قائلاً : هل يُعقلُ أنّنا البلدُ الوحيدُ الذي لا تقودُ
نساؤهُ السيّاراتِ في العالم ِ ، أيُّ تخلّفٍ هذا !! ، ونسيَ هذا
المُستحمرُ أنّنا البلدُ الوحيدُ الذي يعتبرُ الإسلامُ المصدرَ الأوحدَ
للتشريع ِ ، وتتوقّفُ المتاجرُ في أوقاتِ الصلواتِ ، ولا توجدُ لدينا
الكنائسُ والمعابدُ مع وجودِ المُقتضي لذلك حيثُ الجالياتُ النصرانيّة ُ
والهندوسيّة ُ وغيرُها ، ونؤرخُ بالتأريخ ِ الهجريِّ بينما يؤرخ ُ العالمُ
بالميلاديِّ ، فهل تفرّدنا بهذه دون غيرِنا يستدعي أن نتخلّصَ منها لنوافقَ
العالمَ في تردّيهِ وانحدارهِ ! ، وليتَ هؤلاءِ الليبراليينَ تعلّموا من
الصهاينةِ اليهودِ – ليبراليّهم ومتدينهم - ، والذين يرفعونَ رؤوسهم في
كلِّ بلادِ الدنيا مع أنّهم الدولة ُ الوحيدةِ المُغتصِبة ُ والمُحتلة ُ في
العالم ِ ، ولم يُثنهم ذلك عن الافتخار ِ بأنفسهم وذواتِهم ، أو يدعهم إلى
التخلّص ِ من أرضِهم وبلادِهم .
وتارة ً يستحمرونَ قائلينَ : إنَّ بلادنا عفيفة ٌ نزيهة ٌ ، ونساؤنا لا
يحتجنَ إلى الوصايةِ عليهنَّ والخوفِ من تبعاتِ القيادةِ ، والمُجتمعُ
كلّهُ مجتمعٌ فاضلٌ ، فلا تخشوا على النساءِ إذا قُدنَ .
إنَّ العجيبَ في الحجّةِ السابقةِ هو أنَّ الليبراليينَ كانوا يُعيّرونا
بها سابقاً !، وذلك عند بروز ِ روح ِ الازوداجيّةِ في سلوكِهم وفكرِهم ،
لأنّهم فيما يكتبونهُ من رواياتٍ وقصص ٍ لا تعرفُ من الأدبِ إلا اسمهُ ،
يملئونها بالمضامين ِ الفاحشةِ ، والأخبار ِ الساقطةِ ، والألفاظِ القبيحةِ
، ويسردونَ فصولاً طويلة ً في وصفِ الفواحش ِ في المُجتمع ِ وانتشار ِ
الرذيلةِ ، فإذا نُوقشوا في ذلكَ ، قالوا هذا من الأدبِ الواقعيِّ ، وهذه
كلّها من الأمور ِ الموجودةِ في المُجتمع ِ ، ومجتمعُنا ليسَ مجتمعاً
فاضلاً أو مثاليّاً ، وفيهِ السوءُ والشرُّ ، بل – واللهِ – إنّهم في أغلبِ
ما يكتبونهُ من رواياتٍ يجعلونَ المجتمع ِ غارقاً في الفاحشةِ والمُنكر ِ ،
ويزعمونَ أنَّ هذه هي الصورة ُ الحقيقة ُ للمجتمع ِ ، لا كما يصوّرها رجالُ
الدين ِأو المُحافظونَ ، من أنّها مثالية ٌ ونقيّة ٌ !! – راجعْ ثلاثيّة
الحمد وهنداويّة عبده خال وفردوس ليلى الجهني وقارورةَ يوسف المحيميدِ
وغيرها من الروايات المنحطّةِ - ، وحسبُك من هذا تناقضاً واستحماراً لا
يفوقهُ استحمارٌ .
إنَّ الليبراليينَ وأذنابهم من العصرانيينَ حينَ يتحدّثونَ عن حقوق ِ
المرأةِ ، ليُسرّونَ حسواً في ارتغاءٍ ، فيتظاهرونَ بالدعوةِ إلى صيانةِ
المرأةِ وإعادةِ المسلوبِ من حقّها إليها ، بينما هم في حقيقةِ الدعوى
يقصدونَ تحريرِها من الحشمةِ والحِجابِ الشرعيِّ الواجبِ ، وفتح ِ بابِ
الاختلاطِ والسفور ِ ، وهذا ما جعلهم يُمارسونَ الانتقائية َ في الحقوق ِ
التي يرونها مسلوبة ً ، فما كان منها مؤدياً إلى التحرير ِ الكامل ِ
للمرأةِ سعوا سعياً حثيثاً وراءَ إقرارِه ، كما يحدثُ الآنَ في قيادةِ
المرأةِ ، ويُمارسونَ الانتهازيّة َ البغيضة َ أيضاً في توقيتِهم لطرح ِ
مثل ِ هذه القضايا ، ولهذا لمّا رأوا أنَّ أمريكا تضغطُ على بلادِنا –
حرسها اللهُ - لاسيّما في قضايا المرأةِ ، استغلّوا ذلكَ وتسارعوا لنشر ِ
مشاريعهم ومخطّطاتِهم القذرةِ ، تواطؤاً مع العدوِّ واستجداءً لهُ ، وإلا
فأينَ هم عن العديدِ من قضايا المرأةِ والرجل ِ المُستحقّةِ للنظر ِ
والإثارةِ والبحثِ ، ممّا تتضائلُ أمامهُ قضيّة ُ القيادةِ وتذوي ! .
ثمَّ إنَّ هؤلاءِ الليبراليينَ ينشطونَ في الكلام ِ عن الدّين ِ
والدعاةِ وقضايا المرأةِ ، ويُظهرونَ الفطانة َ والنباهة َ والذكاءَ ، وإذا
وصلَ النقاشُ بيننا وبينهم إلى معتركِ القول ِ وفصل ِ الجِدال ِ ، مارسوا
أسلوبَ الاستحمار ِ الممجوج ِ ، فأوردوا علينا حُججاً مُضحكة ً وأدلّة ً
ساقطة ً ، يمدّهم بها بعضُ أدعياءِ السلفيّةِ المرضى ، فمنهم من يوردُ أنَّ
زوجَ الشيخ ِ فلاناً كانتْ تقودُ ، مع أنّهم من أشدِّ النّاس ِ عداءً لذلك
الشيخ ِ ومنهجهِ ، وهي حُجّة ٌ طافَ بها إبليسُ باحثاً عن أسخفِ أهل ِ
الأرض ِ ليبثّها فما وجدَ أوسعَ ذمّة ً ولا أرقَ ديناً من هذا الدعيِّ
ليتولّى كِبرها بدلاً عنهُ ، وآخرُ يزعمُ أنَّ نساءَ النبيِّ – صلّى اللهُ
عليه وآلهِ وسلّمَ – كُنّ يقدنَ الجمالَ ، وأدلّة ً أخرى لا تعرفُ لها
أصلاً أو وجهاً ، ويغضّونَ الطرفَ عن عشراتِ الأدلةِ الصحيحةِ الصريحةِ
الأخرى ، المناقضةِ لأصولِهم الفكريّةِ ومنهجهم في الحياةِ .
ويسقطونَ سقطة ً أخرى قاصمة ً لظهورِهم ، حينَ يطلبونَ من الدولةِ أنَّ
تُصدرَ قراراً إلزاميّاً بالسماح ِ بالقيادةِ ، مع أنَّ ثمّةَ مرسوماً
ملكياً يمنعُ منها ، وأصدرتْ وزارة ُ الداخليّة ُ قراراً يمنعُها مستندة ً
في ذلكَ إلى فتوى من هيئةِ كبار العلماءِ ، فأين هم عن مزاعمِهم الشرعيّةِ
وبحثِهم عن الأدلةِ والفتاوى !! ، لماذا يركضونَ وراءَ القرار ِ الرسميِّ
إذا كانوا يمتلكونَ الحُجّة َالكافية َ أو التأييدَ اللازمَ لمشروعهم
التحرّري ، لقد أخذ َ الليبراليّونَ درساً لن ينسوهُ حينا لفظهم وركلهم
المجتمعُ عن بكرةِ أبيهم في الانتخاباتِ الأخيرةِ ، بعد أن ملئوا الدنيا
صياحاً أنّهم هم الشريحة ُ الكُبرى والأغلبيّة ُ الصامتة ُ ، فإذا بهم
خارجَ الأضواءِ ، ولم يجنوا ولا مقعداً واحداً ولو في قريةٍ نائيةٍ يحفظونَ
بها ماءَ وجوههم ، ولهذا لن يراهنوا على تصويتٍ عامٍّ يُجرى لهذه القضيّةِ
أو لغيرِها لأنّهم سوفَ يخسرونهُ حتماً ، بل يحرصونَ كلَّ الحرص ِ أن يبقى
في دوائر ِ النّخبةِ والتكنوضراط .
يا للعجبِ كيفَ تحوّلَ الليبراليّونَ وبقدرة قادر إلى فقهاءَ ومُفتينَ
ويبحثونَ عن الدليل ِ والنصِّ وكُتبِ التأريخ ِ ، كما فعلَ أحدُ الكُتّابِ
في جريدةِ الجزيرةِ فأخرجَ لنا من بطون ِ الكُتبِ ورواياتِ الأعرابِ خبراً
عن غالية البقمية !! ليُثبتَ بها – من بابِ قياس ِ الأولى بزعمهِ - جوازَ
قيادةِ المرأةِ للسيارةِ ، ألا ما أتفهه وأتفهَ استدلالهُ !! ، و يا للعار
ِ ! حينَ يبحثُ الليبراليُّ عن من يسوّغُ لهُ التحرّرَ والانتقاضَ على
القيَم ِ ، فيجدُ شخصاً جاهلاً يتمسّحُ بالسلفِ ويقتاتُ على دسِّ نفسهِ في
منهجهم ، فيفتي لهُ بلا حُسبانٍ ، ويهذي مُغذّياً منهجه بالفتاوى
والتقريراتِ المُنحرفةِ ، تلكَ الفتاوى الضالّةُ المُضلّةُ التي يستشرُفها
الشيطانُ ويطربُ لها ، وإلا فأين يجدُ إبليسُ جسراً عامراً إلى الحرام ِ
كظهور ِ هذه الفرقةِ الزائغةِ المُفتريةِ على اللهِ ورسولهِ ، ألا قبّحهم
اللهُ وقطعَ دابرهم .
لم يعُدْ سرّاً أنَّ يتحدّثَ النّاسُ عن دعم ٍ أمريكيٍّ كامل ٍ
للجمعياتِ والهيئاتِ النسائيةِ في العالم ِ الإسلاميِّ ، بل إنَّ هذا
مبثوثٌ في التقارير ِ الرسميّةِ للمؤسّساتِ الأمريكيّةِ الخاصّةِ بدعم ِ
الأنشطةِ التحرّريةِ في العالم ِ الإسلاميِّ ، وهو ما يجعلُنا نرتابُ حقَّ
الريبةِ من تلك الدعواتِ الهدّامةِ المُتقاطعةِ مع مصلحةِ العدوِّ
والماضيةِ في رِكابهِ ، وكما انتهزتْ أمريكا أحداثَ 11/9 لتقومَ بغزو ِ
البلادِ الإسلاميّةِ وتفرضَ أمركة َ العالم ِ ، فكذلك صنعَ الليبراليّونَ
حينَ وجدوا ضغوطاً خارجيّة ً علينا وبعضاً من أعمال ِ الإجرام ِ والتدمير ِ
، فوثبوا وثبة َ رجل ٍ واحدٍ لنشر ِ أباطيلِهم وإفكهم ، إلا أنَّ تعالى
خيّبَ مساعيهم وردَّهم بغيظِهم لم ينالوا خيراً ، وتبيّنَ للنّاس ِ من كانَ
يأخذُ فكرهُ وتوجيههُ من دين ِ محمّدِ بن ِ عبدِ اللهِ – صلّى اللهُ عليهِ
وآلهِ وسلّمَ – وبينَ من كانَ يأخذُ توجيهاتهِ من السفارةِ والقنصليّةِ
الأمريكيّةِ .
ومن المؤسفِ أن نجدَ المفكّرينَ في الغربِ يغذّونَ التيّاراتِ المحافظةِ
والحركاتِ اليمينيّةِ ويشدّونَ من أزرِها ، وقد أشارتْ بعضُ الدراساتِ إلى
أنَّ المدَّ الليبراليَّ بدأ ينحسرُ في أمريكا ويحلُّ مكانهُ التيّارُ
اليمينيُّ المُحافظُ ، بينما يتحوّلُ كثيرٌ من مفكّرينا إلى دمى لا رأي لها
ولا خيارَ ، تُدارُ بهوى العدوِّ وأمرهِ لتُعلنَ خروجها عن الجماعةِ
وعصيانها للمجتمع ِ .
إنَّ الغربيينَ الآن – كما يصرّحُ بذلكَ قادتهُ الروحيّونَ – يؤكّدُونَ
على أنَّ السببَ الرئيسَ لتخلّفِ العالم ِ الإسلاميِّ هو الإسلامُ ذاتهُ ،
فهو منبعُ التخلّفِ في بلادِ المسلمينَ ، ولا تستعجبْ – أيّها القارئ
الحصيفُ – حين تعلمُ أنَّ كثيراً من الليبراليينَ في حربِهِ على الجماعاتِ
الإسلاميّةِ ووقوفهِ ضدّها ، لينطلقُ من موقفٍ وفكرةٍ يهوديّةٍ صليبيّةٍ ،
وقد أوصى مارتن كريمر – وهو يهوديٌّ عمل مديراً لمركز موشي ديان ويحملُ
جنسية إسرائيليّة ً وأمريكيّة ً وله تأثيرٌ في صناعةِ الفكر ِ الأمريكيِّ –
أوصى الولاياتِ المتحدةَ الأمريكيّةَ أن تقومَ باستئصال ِ الجماعاتِ
والحركاتِ الإسلاميّةِ ، وأن لا يسمحَ لها بالتأثير ِ في العالم ِ
الإسلاميِّ حتّى لو كانَ ذلكَ عن طريق ِ الديمقراطيّةِ والانتخاباتِ ، ويرى
كريمر أنَّ الحوارَ مع الجماعاتِ الإسلاميّةِ إنّما هو إضاعة ٌ للوقتِ ،
والواجبُ فعلهُ على الإدارةِ الأمريكيّةِ هو سحقُ هذه الحركاتِ بالتمكين ِ
للأنظمةِ العربيةِ القمعيّةِ ومساعدتِها في التصدّي لها ودعم ِ الحركاتِ
الليبراليّةِ المناوئةِ للجماعاتِ الإسلاميّةِ .
واللهِ ما أشرقتْ بلادُنا إلا بالإسلام ِ والحُكم ِ بشرع ِ اللهِ ، ولا
قامَ عِمادُها إلا بالعفافِ والنّزاهةِ ، ولا تمكّنَ فيها الأمرُ إلا برجال
ٍ بذلوا دماءهم لتعلوَ رايةُ التوحيدِ فوقَ كلِّ رايةٍ ، وهذا ما يجعلنا
نتمسّكُ بالعهدِ ونمضي على طريقةِ من غبرَ ، نأخذُ من العصر ِ ما لا
يتعارضُ مع الشريعةِ والأخلاق ِ الفاضلةِ ، وما كانَ ضدّاً لها فلا نُريدهُ
ولا خيرَ فيهِ .
دمتم بخير ٍ .
==========
تموتُ النّفوسُ بأوصابها ********* ولم تدر ِ عوّادها ما بها
وما أنصفتْ مهجة ٌ تشتكي ********* أذاها إلى غير ِ
أحبابها