بسم
الله الرحمن الرحيم
أيها الغيورون من كتاب الساحة :
لقد اطلعتُ على ما كتبه / محمد بن عبداللطيف آل الشيخ , في جريدة
الجزيرة – عدد 11980 – يوم الأحد 11/6/1426هـ ص36 بعنوان : هل الحضارة
الإسلامية حضارة شاملة .
وقد قال المذكور : ( فقد كان الخطاب الديني الذي كان هو الموجِّه
الحقيقي لهذه الحضارة يُسيِّطرُ عليه علماء الدين وعلماء اللغة سيطرة شبه
كاملة , وفي الوقت ذاته يُحاربون أي توجُّهات أُخرى من شأنها خلق قاعدة
معرفية خارج إطار علوم الدين وعلوم اللغة .. وهذا ما تلحظه بوضوح من خلال
القراءة لكبار العلماء الدينين المسلمين , فالإمام ابن تيمية رحمه الله
مثلاً اتخذ موقفاً مُناهضاً بشدِّة لعلم الكيمياء , وعلم الفلسفة , وعلم
المنطق , واعتبر أنَّ علماءه المسلمين إما أصحاب ضلالة أو أصحاب جهل .. ) .
إلى أن قال الكاتب : ( ومع ذلك فقد نهت النصوص السلفية ) ؟!! .
( عن التطاول في البنيان وزخرفتها والاعتناء بها , يقول الشيخ محمد بن
عثيمين رحمه الله ما نصُّه : التطاول في البنيان على نوعين : النوع الأول
تطاول نحو السماء بحيث تشيد العمارات الطويلة التي تناطح السحاب أو قريب من
ذلك , والنوع الثاني : تطاول بجمال البنيان وتشييده والاعتناء به , كل هذا
من التطاول وهو دليل على اشتغال الناس في أحوال الدنيا دون أحوال الدين ...
انتهى , أقول : ولا أدري ما رأي شيخنا رحمه الله في مبنى الفيصلية , وكذلك
مبنى المملكة وهما يشقان عنان السماء في مدينة الرياض , هل هما علامة حضارة
, أم دليل تخلف ؟! .. ) إلى آخر ما قاله الكاتب .
أيها المصلحون من كتاب الساحة : لقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله يُواجه التيارات البدعية في عصره ، ويُناقش ما تحمله من مخالفات عقدية
، حريصاً على تصحيح العقيدة في نفوس الناس ، وتنقيتها مما شابها من كثير من
الانحرافات ، إذ يرى رحمه الله أنَّ الرَّاد على أهل البدع مجاهدٌ ( مجموع
الفتاوى ج4/13) .
إلاَّ أنَّ مَن كان شيخ الإسلام يهدم بنيانهم من القواعد ، لَم يطب لهم
صنيعه ، فحاولوا بشتَّى الوسائل تشويه صورته عند كلِّ أحد ، وبكلِّ الوسائل
، فلم يكونوا يتورَّعون عن سَبِّه وشتمه ، ورموه بالجهل تارة ، وبالزندقة
أخرى ، ونسبوه إلى البدعة ، ولم يبقَ إلاَّ ما هو أعظم منها ، ألا وهو
التكفير .
وقد فعلوا ، فكفَّروه رحمه الله ووجَّهوا إليه رحمه الله تُهماً في شخصه
، ومنهجه ، وعقيدته ، وانتقدوه في مسائل علمية أخرى ، فكانت بعض التُّهم
والدعاوى قد وُجِّهت إليه في حياته ، فأسهمَ بنصيبٍ وافرٍ في بيان قوله ،
والاستدلال له وربطه بمنهج السلف ناقلاً عنهم ، ومناقشاً شُبَهَ الخصوم ،
ومُبيِّناً ضعفها وعَوارها ، مع علمه رحمه الله بمناهج المخالفين ، وأسباب
تلك المخالفة .
ولذا فقد نظر رحمه الله إلى هذه المخالفة من الجانب الإيجابي ،
مُبيِّناً أنَّ وجود المناوئين والمخالفين لعقيدة السلف ، والردِّ عليهم ،
هو بابٌ من أبواب ظهور الدين وانتشاره .
قال رحمه الله : ( من سنة الله : أنه إذا أراد إظهارَ دينه أقامَ مَنْ
يُعارضه ، فيحقُّ الحقَّ بكلماته ، ويقذفُ بالحقِّ على الباطل فيدمغه فإذا
هو زاهقٌ ) ( مجموع الفتاوى ج28/57 ) .
أيها المدافعون عن علماء السلف : لقد استمرَّت الردود والدعاوى ضد شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد وفاته إلى هذا العصر – ومن أواخر مَن
رأيتُ الكاتب آل الشيخ المذكور - وهذا من سنة الله عزَّ وجل في الحياة أن
يستمرَّ الصراعُ بين الحقِّ والباطل .
ومن صور استمرار هذا الصراع : أن يُشكِّكَ أهلُ الباطل بنقَلَةِ الحقِّ
وأعلامه وأئمته ، ثمَّ التشكيكُ والقدحُ بما يحملون وما يُبلِّغون من عقائد
وعلوم ، حتَّى لا يبقى لأهل الباطل إلاَّ باطلهم .
ومن أبرزِ حملات أهل الباطل على عقيدة السلف : قدحهم في شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله والردِّ عليه فألَّفوا المؤلفات ، وكتبوا الردود والرسائل
، وملئوا الكتب بالحواشي التي ملئوا بها زيفهم وضلالهم تجاه هذا العَلَم ،
وتجاه عقيدة السلف الصالح ، واستنفروا شعراءهم وكُتَّابهم ، فكان لِسلَفِ
أهل الباطل تلامذةٌ واصلوا بثَّ الحقد على شيخ الإسلام ، وعلى منهجه ،
وزادوا وأوغلوا في الضلالة ، ونشروا بين الناس ما كان مغموراً من ردود
ومناقشات بين شيخ الإسلام رحمه الله ومخالفيه ، وقامت مؤسساتٌ لأهل الباطل
، ودور نشرٍ , هَمُّها الردُّ على عقيدة السلف .
فكان لزاماً على أهل الحق – أمثال المخلصين من كتاب الساحة - أن يقوموا
بواجبهم تجاه أهل الضلال ليردُّوا كيدهم في نحورهم ، وليعيدوهم خائبين ،
ببيان الحجة ، ونقد الشبهة .
فأهل الإسلام ينتظرون دفاع المخلصين من كتاب الساحة عن شيخ الإسلام ابن
تيمية , وعن شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمهما الله , وقبل ذلك :
الدفاع عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه في
ذكر أنَّ من علامات الساعة : ( التطاول في البنيان ) .
وأسأل الله سبحانه أن يُوفِّق الصادقين من حكام وعلماء الدولة لمُحاكمة
من تعرَّض لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولشيخ الإسلام وأئمة السلف
وأطرهم على الحقِّ أطراً ، وأن يُوفِّق الجميع لكلِّ خير ، ويُعينهم على
أمور دينهم ودنياهم إنه سميع مجيب .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..