http://www.alqlm.com/index.cfm?method=home.Con&contentid=168
( لن نؤمن لكم قد نبَّأنا الله من أخباركم ) ! ولكن !
12-7-2005
بقلم د. سعد بن مطر العتيبي
"...هذا بعض سرِّ تناقضهم في لا أدبياتهم ! ومن عجب أنهم يعدون التقلب
الفكري نوعاً من البراجماتية المحمودة ! ولو كانت في المباديء ! وكأنَّ
الأمة حقل تجارب ينظِّرون لها يوما بأفكار الشرق ، وآخر بأفكار الغرب !
..."
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ومن والاه .. أما بعد
..
مدخل :
يحكي فيما يحكى أنَّ فلاحاً ضاق ذرعاً بمزرعته التي لا تنتج غير أنواع
يسيرة من الخضار والفواكه الصيفية والشتوية ، وشيء من حب موسمي ؛ وذلك أنه
استيقظ ذات يوم على ضجيج أصوات بعض تجار الألماس الذين يفوقونه كثيرا في
الثروة ، مع أنَّ أعمارهم لا تجاوز سني أوسط بنيه ! ونصحه بعضهم بابتياع
مزرعته ليلحق بهم في المادة والسعادة ! .
أصابت كلماتهم من سوء قناعته مقتلا ، فأصابه قلق شديد ، فما هنأ بيومه
ولا بغده ، بل وتعكر عليه أمسه حسرة وألما .
فما كان منه إلا أن عرض جنته للبيع دون مزاد ، وباعها بأبخس الأثمان
ليذهب في خطى عجلى نحو مجمع تجار الألماس ، ويؤكِّد رغبته في ابتياع أحد
مناجمهم ، ليدرك ركْبَهم وينال غبطتهم ، ويُسَرَّ بالاندماج فيهم .. وسابقت
الفعال الخيال .
ولكنه لم يدرك أنَّ للمهنة سِرّاًلم يعلمه !! فما راعه إلا نكرانهم له ،
وأَنَفَتُهم من تقربه إليهم ! وانقلب يبحث عن إقالة بيعته لمزرعته .. ولكن
أنَّى له ذلك ، وقد اكتشف المشتري أنها تتربع على منجم ألماس بكر عتيق ، لم
تستنزفه آلة عصرية ، ولم تلامسه يد فنية ! وانقلب باكياً متحسِّراً ؛ وما
كان له أن يأسى ويحزن لو أنه عرف بعض تاريخ مزرعته ! وحاول البحث فيها عن
الألماس قبل بيعها أو سأل أهل العلم إذ كان جاهلا .
وهكذا بقي حزينا مذبذبا ، يتقطع أسى وحسرة .
فلا هو في العير ولا هو في النفير .
تذكرت حينها دعاة الحراك الثقافي من بني قومنا .
ومن هنا أبدأ موضوعي هذا في نقاط :
1) وصل مبعوث خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى هرقل ملك
الروم ، يحمل الرسالة التالية : « بسم الله الرحمن الرحيم : من محمد رسول
الله إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد فإني أدعوك
بدعاية الإسلام : أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، وإن توليت فإن
عليك إثم الأريسيين و يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن
لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله
فإن تولوا فقولوا اشهـدوا بأنـا مسلمون » [ البخاري ح(7) ؛ ومسلم ح( 1773 )
] .
وفي هذه الرسالة يحذر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام الأعظم
للدولة الإسلامية ، زعيمَ دولة عظمى من خطر حجب الدعوة الإسلامية عن رعايا
دولته : " فَإِنْ تَوَلَّيْت فَإِنَّ عَلَيْك إِثْم الأرِيسِيِّينَ " أَيْ
: فإن أَعْرَضْت عَنْ الإجَابَة إِلَى الدُّخُول فِي الإسْلام ؛ فإنَّ عليك
إثم رعايا دولتك (الأرِيسِيِّينَ ) : الذين ينشغل كثير منهم بالفلاحة ؛
لأنَّ العادة أن الشعوب تقلِّد الرؤساء بمختلِف طبقاتهم . هذه الواقعة صورة
من صور الحَرَاك الشرعي .. اتخذت من الدبلوماسية المثمرة آلية تنفيذ لواجب
تبليغ الرسالة الإلهية ، وهي أصل من أصول الحَرَاك الدعوي الشرعي .. يعرض
الحقيقة الشرعية كما هي دون ، دون خجل أو وجل .. كما هي دون تلبيس من أجنبي
أو تدليس من منتمي .. كما هي دون اندفاع مُحِقٍّ أو انهزامية متشكِّك.. كما
هي دون مؤثر خارجي فكري أو ثقافي أو وظيفي .. كما هي .. كما هي طاهرة نقية
طهارة ماء السحاب المُكوَّن في سماء لم يعلق بفضائها ملوِّث .. نقلية عقلية
منطقية سهلة ، سهولة استجابة الفطرة في أمَّة أميّة .. لا عجب حينها أن
تستقبل بالإعجاب من الإنسان بصفته إنسانا ، من أي عِرقٍ وفي أي أمَّة ، ومن
أي لون وأي جنس ، بل وأي عصر وأي ثقافة ! ولم لا ؟! وإنما تقوم ببناء
القناعة بها - بصفتها حقيقة - الحجة ، وإن صرف عن اتباعها صارف خارجي .. ما
أجمل الحقيقة حين تعرض بشفافية ووضوح ، دون تدخل بشري يحوِّرها بخلفيته .
2) قدَّمت بهذه الواقعة التأصيلية وهذا التعليق المختصر ؛ لأنّ مما
يؤسِف ، أنَّ كثيراً من الحقائق غيّبها أو شوَّهها أناس ينتمون إلى مجموعات
الباحثين والمفكرين والمثقفين والكتاب ( لي تحفظ على وصف كاتب ؛ لغموضه . .
وإن كان يذكر مؤهِّلا للكتابة الصحفية في الغالب ) وذلك في جميع الثقافات
والحضارات .. إنَّها لَمَأساة لبني الإنسان أن يتولى الإنسان — الذي أكرم
بالعقل والبيان المعرفة — تجاهل الحقائق أو حجبها أو تشويهها أو التنفير
منها ، لمصالح شخصية أو حزبية أو سياسية ، أو لمجرد نشأته في بلد من
البلدان أو تفرعه عن عرق أو انتمائه لحضارة ما أو تعلقه بأيديلوجية معينة
أو إعجابه الخاص بشيء من ذلك .
أليس ذلك جريمة في حق الآخرين الذين يتلقون تلك المخرجات التقريرية أو
البحثية أو الفكرية المزوَّرة ، بوصفها حقائق أو حلول تستحق الاقتناع بها
والدفاع عنها والتصدير والتنفيذ أو التجربة ؟! أليس في هذا التصرف امتهان
للغش والخداع الخطير ، ولا سيما إن رُوِّج الزُّور بما يوصف بأنَّه وثائق
!!؟ أليس حال هؤلاء مع قرَّائهم ومتابعيهم ، كمن يُقَدِّم صنوفاً
مُلْعِِبَةً من الطَّعام القاتل للجوعى ، أو قطعاً من الحلوى المسمومة
المعبَّأة في قراطيس برَّاقة للأطفال الأبرياء ، ولا سيما إن كان باسم
الإنسانية !؟ عجب ، فها هي المادية التي لا تؤمن بما وراء الدنيا تُقنِّن
لما يعرف بإبرة الرحمة القاتلة !.
3) لا .. لن أتكلم عن التشويه الغربي أو الشرقي للحقائق التاريخية
والحضارية والشرعية الإسلامية ؛ فذاك أمر قد كتبت فيه ، وكتب فيه كثيرون من
قبل ومن بعد ، حتى من القوم إيَّاهم ، ومن أواخر ما قرأت في ذلك كتابات
روجيه دوباسكويه ومراد هوفمان في كتابه الجديد ( الرحلة إلى الإسلام ) ؛ بل
وكتَبَ في كشف ذلك بعض ذيول المشوِّهين شديدة الإعجاب بهم من أمثال هشام
جعيط ، تلميذ العلماني حتى النخاع أركون ! وقد ناقشت بعض هؤلاء الغربيين
ممن أعماهم كره الإسلام وأهله عن ملاحظة المعايير الأكاديمية و الذوقيات
الإنسانية عند الحديث عن ثقافة أمة كاملة حاضرة - غارقة في أعماق التاريخ
بحضارتها ، متكاثرة على مرِّ العصور بمتبعي ملتها ، جعلت لها الأرض مسجدا
وطهورا لسعة بقعتها - وبينت له تجاهله للمصادر التي لا تخفى على مثله قطعاً
، وبينت له - على الملأ - كم كان ساذجاً إلى حدّ السخافة في ظنه أنه لم
يعُد بنا حراك حتى على مناقشته ! .
نعم ، نعلم يقينا أنهم ( ليسوا سواء ) ، وهكذا تعلمنا من القرآن .
ففيهم من تجد في مقالاتهم ومؤلفاتهم ومناقشاتهم من الإنصاف ما يجعلك
تأمل منهم خيرا ، وتجد فيما يكتبون ماّدة مقنعة للأجانب ، تكشف تزييف
الآخرين من بني قومهم للحقائق .. من أمثال هنري لاووست وجون أسبيزيتوا في
كثير من مؤلفاتهم ومقالاتهم .
وإنما سأتكلم — إن شاء الله تعالى - عن بعض بني قومنا من المثقفين أو
المنتسبين إلى الثقافة ممن يتصدون لنشر الكلمة — بكتابة مقالات في الصحف
والمجلات ، أو تأليف كتب أو ورسائل أو روايات أو مسرحيات ، أو إجراء
مقابلات مرئية أو مسموعة ، وغيرها من وسائل نشر الكلمة والفكر — ليسوا على
طريقة واحدة ، بل هم طرائق قددا ، ولكن يجمعهم النفرة من غيرهم ، والاعتراف
بمن ينتمي إليهم أو يمجدهم وإن لعنوه دهرا إن بقي على بقية ما لديه ..
واختلاف طرائقهم وولاءاتهم يجعل الحديث عنهم لا يكاد يخلو من لبس أو جور .
فالنَّافِرُ من حقيقةٍ ليس كارهاً للحق لزاما ، ولا كل من ظهر منه ما
يخالف معلوماً بالضرورة من المخالفين قصداً .
ولعلي أحاول استعراض أهم ما يحضرني من أطيافهم على منهج القرآن .. ومنهم
.. ومنهم .. مع تعليق يفتح آفاقا في النظر في الخلفية ، والمعاملة في
الواجهة.. لنا حتى لا نخدع من جحر مرتين .. ولهم إن شاؤوا لأنفسهم نفعاً ..
و والله إنَّنا لنحب لهم الخير ، ونتمنى منهم العودة إليه ، لتأمين
مستقبلهم في الآخرة ؛ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل .. ولكي
لا يعيقوا الإصلاح الذي طالما طالبونا به بإشغال الأمة بفكر غيرها .
وعلى كلٍ فهم بالنسبة إلى الحق فِرَق :
أ ) فمنهم من علم بالحقيقة ، لكنه لم يتعلَّمها .. أو علِمها ثم زاغ
عنها ، وناقضها ،كما قال الله عز وجل في شأن يهود : ( فلما زاغوا أزاغ الله
قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين ) ؛ وهؤلاء منهم نصارى عرب فقدوا
عروبتهم فلا دين ولا عروبة ، وهؤلاء أمرهم أظهر من أن يتحدث عنه .. ، ومنم
من هو من مسلمة الدار ، الذين لم يهوِّدهم آباؤهم ولم ينصرِّوهم أو
يمجِّسوهم أو يزندقوهم .. ، وإنما اجتالتهم شياطين الإنس من أساتذة
السوربون وهارفارد وما إليهما في زمرة منهم ، واجتالت الزمرةَ الأخرى منهم
الشيوعيةُ ومخرجاتها من مدعي مناهضة الامبريالية من البعثيين ، والناصريين
، ومن نحى نحوهم أو تفرع عنهم وكذا من خدعه بريق الاشتراكية حينها .
والزمرة الأخيرة شغَّبت على الأمَّة دهراً بالثورات والحروب والتفجيرات
، فهم أهل الأولى في التفجير والتنكر للمجتمع المسلم ! فطالما آذت
الأمة..!! وسنة لبعض مغرريها سنة سيئة بذلك.. وهي اليوم تحاول خداع الأمة
بإجراء تجربة أخرى ، تعتمد على النيل من الإسلام ، عقيدةً باسم ( التسامح )
تارة وبأخريات أخرى ، وشريعةً بنقد فتاوى علماء الإسلام والتبرع بفتاوى من
جيوبهم يغلفونها بسوء أفهامهم أو سوء نواياهم عند من يحسن بهم الظن ! و من
خلال نقد ما يُحَدِّدُه منظِّروهم بـ(المؤسسات الدينية) ! أو برموز مدرسة
الاعتصام بالكتاب والسنة ولا سيما مُفَنِّد أصول أفكارهم أبو العباس ابن
تيمية ( وإني لأعجب : لِمَ لَمْ يتعرض مارتن لوثر من بني قومه لمثل ما تعرض
له ابن تيمية ! ) .. كل ذلك بالاستناد إلى خلفيات فكرية وفلسفية أجنبية
المنشأ ، أجنبية المشكلة ، أجنبية الحل .
لا ندري إن كان آحادهم يعلم كلَّ ذلك فضلاً عن أن يفقهه أو أنهم إنما
يردِّدونها ، على نحو ما أشار إليه الشاعر بقوله :
أثّر البهتانُ فيه ... وانطلى الزّور عليه !
يا له من ببغاء ... عقلـه فـي أذنيه !
أمَّا من خلال ما نراه منهم اليوم ، فأنا أؤكد لكم - ولهم أيضاً على
اختلاف أجيالهم - أنهم لم يأتوا بجديد ! لا في مجال الفلسفة ، ولا في مجال
الشبهة ! فكم من كتابٍ في الرد عليهم أُلِّف منذ عقود ! وأرشدت بعض أحبابنا
إلى كتاب في ذلك أُلِّف قبل أن يولد أبوه ! بل حتى نظرية ( النسبية ) التي
أزعجنا بها صغارهم ها هي اليوم تُرَدّ بسخرية واستهجان في جامعاتٍ أمريكية
، هذا ما أعلمه ، وأجزم أن لدى أهل الاختصاص ما هو أشدّ تفنيداً ! ومن ثم
فهم يخطئون حتى في النقل .
باختصار إنَّهم كما قال د. عبد الوهاب المسيري : ينقلون " أفكاراً لا
فكراً أو منظومات فكرية ، فكلمة فكر تفترض وجود منظومة مترابطة من الأفكار
التي يوجد بينها وحدة ما ، ونموذج معرفي واحد ، وحينما يتم نقل الأفكار دون
إدراك للنموذج الكامن وراءها ، فإنه يتم تجاهل أبعادها المعرفية ( الكلية
النهائية ) ومن ثم يختفي المنظور النقدي وتتعايش الأفكار المتناقضة جنباً
إلى جنب ولا يمكن التمييز بين الجوهري منها والهامشي " .
وهذا بعض سرِّ تناقضهم في لا أدبياتهم ! ومن عجب أنهم يعدون التقلب
الفكري نوعاً من البراجماتية المحمودة ! ولو كانت في المباديء ! وكأنَّ
الأمة حقل تجارب ينظِّرون لها يوما بأفكار الشرق ، وآخر بأفكار الغرب !
وإني لأتذكر قول الله عز وجل : ( بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج
) ! مختلط ملتبس ليس له نهاية مرْضيّة .. لقد ملكت فئة منهم القرار وتقلدت
أعلى المناصب في بلادها ، وكان القرار لهم هم دون معارضة من ذي قرار ؛ فما
نالت منهم الأمة غير النكسة تلو النكسة ، ثم الذلة تلو الذلة ، والمهانة في
ذيل المهانة .. وإن تهامسوا حينا من الدهر بحلم الوحدة العربية ! نعم منهم
رافعوا شعارات لمآرب خاصة .. ومنهم من تلبَّس عليه الأمر فطبَّل وابتهج ،
ثم خاب ظنه بعدما أفاق على حقيقة ما جرى .. فعلم أنه أضاع عمره في الاحتفال
بمأساة ليس إلا .. خدعهم من نشأوا في ديار المسلمين وتنكروا للإسلام تصريحا
أو تلميحا.. ولا تزال لهم فلول .. وأصيبوا بخيبة أمل بعد سقوط جدار برلين .
فقد كانوا حينا من الدهر يصفقون لخرتشوف في منصة افتتاح سدّ أسوان وقد
اعترض على بدء المصريين الاحتفال بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) وقال :
نبني لكم السدّ وتقولون : الله ! الله !.
وهكذا كانوا سعداء في عصر قادة السوفييت الحديديين و الحاكمين بالحديد
والنار .. فما أسعدهم أيام برجنيف الذي كان يواجه رونالد ريغان الرجل
الحديدي في الجهة المقابلة بغطرسة حمراء .. وهكذا أيام قسطنطين تشيرننكوا ،
ولكن ذبلت سعادتهم أيام يوري أندروبوف .
وكأنهم على موعد مع مخيِّب آمالهم ( قورباتشوف ) ! فحاروا في فهم
بيرسترويكاه أيما حيرة ، بل إنَّ منهم من اتهمه بالعمالة للإمبريالية
والخيانة للشيوعية ! ولم يشفع له أنَّه كان أمينا عاما للجنة المركزية
للحزب الشيوعي حينها عام 1985م بالتاريخ الذي يحبون ؛ ولم يشفع له وصفها
بقوله : " عملية إعادة البناء والتفكير السياسي لنا ( الاشتراكيين )
وللعالم أجمع " ! ولم يأبهوا بكل عبارات الثناء والتمجيد - إلى حد التقديس
— لشخصية كبيرهم فلاديمير ايليتش لينين ! فكذَّبوا ثم كذَّبوا ، وكانت لهم
تصريحات — وددت لو كان لدي وقت لعرض بعضها ، لنعلم كم كانوا شيوعيين
اشتراكيين أكثر من سلفهم من تلاميذ لينين ذاته ! - .
ثم ارتدُّوا عليها فقدموها قرباناً للزحف نحو الليبرالية ، ولو بحب
الانتساب لها ، وإن يكن تحت مسمى الإصلاح ! قلنا : لمن ؟ قالوا : لكم ؟
ونقول : لا .. ( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ) .. نحن نمشي بخطى أصيلة في
الإصلاح الذاتي ، مع الإادة من كل مفيد عري عن الفكر الأجنبي ، شأن العقلاء
.. وإن تأخرت الخطوات حيناً ، فلن ننسى كم أخَّرنا ماضيهم ! جعلوا الأمة
تعاني طيش رموزهم ، وتحيزهم ضد الأمة ، في وقت كنا أحوج ما نكون لبناء
البنية التحتية للعالم العربي من المحيط إلى الخليج ! وشغَّبوا بالثورات
والانقلابات ومحاولاتها ، بل وبالصوت الإذاعي المهيِّج في ظاهرة صوتية
ابتدعوها ، حتى كان لهم ( صوت العرب من القاهرة ! ) وكان لنا ( صوت الإسلام
من مكة ! ) ، ولا زال في نفوس بعضهم منها حسيكات .. فلا حرم الله الأمة من
خليفتها : ( نداء الإسلام من مكة المكرمة ) .
ورحم الله الملك فيصل فكم كان موفقاً في معالجته لتلك المرحلة الخطيرة
جدا.. باستناده إلى الكتاب والسنة في صدّ العدوان والقضاء على الفتنة .
أعود لأقول : جاءتنا فلول الزمرة التي يجمعها أنها في الهم ( سوفييت إن
شئت فقل السوفييت العرب ) بحيلة عيشٍ أخرى ! بعد أن لفَّوا الكرة الأرضية
من جهة المشرق لِيَقْدُموا إلينا من جهة المغرب متسترين في عباءة الاعتذار
بالعولمة بعد أن حاروا قبلها كيف يعتذرون ! وهكذا انضموا إلى الزمرة الأولى
التي خرَّجت جيلها الأول السوربون وهارفارد ، ثم فرَّخت زغبَ الحواصل لا
فكر ولا هدف .. الآتي ذكر جيلهم الحالي في الفقرة (ج) إن شاء الله تعالى .
فقد شغَّبت هذه الفئة ، وهي تستمتع بالتقلب في أحضان القوم الآخرين ،
تتوسد الفخذ اليمنى مرّة والأخرى أخرى ! بعد أن قضى على تطلعاتهم سقوط جدار
برلين ، بأسباب من أوجعها لهم ما عبر عنه بعض السياسيين الغربيين بقوله :
إن وراء سقوط جدار برلين حرب تدور رحاها في أفغانستان ! .. كما خيَّب
ظنَّهم وقطع رجاءهم قورباتشوف فزاد الطين بلَّة .. والألم حدّة .. واليأس
قنوطاً .. فكانت تجربة محبطة ومخيبة لآمالهم .. فلا عجب أن صارت أفغانستان
كابوس ليلهم ، وحديث نهارهم .. ومع كل حملاتهم الإعلامية من خلال وسائلهم
ووسائل غيرهم تبين لهم أنها لم تكن ذات جدوى .. فقد فُجِعوا بأنَّ الأمة
أبت إلا أن تقول لهم : ( لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبَّأنا الله من
أخباركم ) .. ومع أنَّ منهم من يعلم بطلان حجته ، إلا أنَّه يتمادى في
غيِّه وكأنَّه لم يسمع قول خالقه : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة () ولو
ألقى معاذيره ) .
فاصل : يحكى أن شاباً خطب فتاة عصرية التربية ( تخدمها الخادمة في كل
شيء ) وعقد عليها على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ولما دخل
بزوجته آنسته برومانسيتها المتوقعة ! ولكن أراد أن تبدي له شيئاً من تفننها
المطبخي ؛ فقدمت له الغداء وجبة ساخنة من معبَّئة أندومي سريعة الطهي ، ولم
تنس أبازيرها المرفقة ! تماماً كما كانت ترى الخادمة تصنع - في بيت نشأتها
- حين طلبها منها أكلة سريعة .. ثم أخفى عتبه عليها ، قائلاً : لعل لها
عذرا ؛ ولما جاء وقت العشاء ، ودعته إلى السفرة ! وإذا الوجبة هي هي بالطبع
( أندومي ) لا أدري ربما كانت بنكهة أخرى غير نكهة الدجاج التي كانت في
الغداء ! فما كان منه إلا أن أقسم قائلاً : " أندومي .. أندومي .. والله لا
تدومي ..!! " .
أتذكر هذه الحكاية عندما أقرأ لبعض كتَّاب صحفنا ، موضوعاً واحداً يعرضه
لقرائه على طول الموسم وحتى لا نظلمهم فإنها تختلف من حيث النكهة فقط ،
ولكنه هو .. هو .
إمَّا هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
أو المراكز الصيفية !.
أو المؤسسة الدينية !.
أو ( قاهرهم قبل أن يولدوا بقرون ! ) أبو العباس ابن تيمية !.
أو نحو ذلك مما ملَّ الناس حديثهم عنه ، ولا سيما بعد بت ولاة الأمر —
رعاهم الله - فيه بما تقتضيه المصلحة الشرعية !! .
يتبع إن شاء الله تعالى ..