بسم الله الرحمن الرحيم هذه مقالة كتبها أو نقلها الأخ ( أهل العوجا )
ولأهميتها أحببت تنسيقها وإعادة عرضها
أتعجب كثيرا لحال بعض الناس في هذا المجتمع الطيب القائم على مبادئ الشريعة الإسلامية ، لما ينتابهم بصفة مستمرة ومزمنة من حالة نفسية سيئة وشرود ذهني وفكري منشأها القلق المرضي لخوفهم الدائم من حصول مكروه غير محدد المعالم والأطر إضافة الى عدم قناعتهم بما لديهم من صحة أو رزق أو جاه أو منصب ، نتيجة لقلة أو ضعف الوازع الديني لديهم ، بحيث أصبحت المادة هي الهدف الرئيسي لهم ، فهم على السواء دائمي القلق في حالة الغنى والفقر
ففي حالة الغنى نجدهم لا يقنعوا بما لديهم من خير بل على العكس من ذلك فهم يطلبون المزيد والمزيد بما يستهوي نفوسهم ، ووقوف البعض منهم حجر عثرة في طريق من يريد التقدم والتميز في هذه الحياة .
أما في حالة الفقر فقلقهم ناتج لمزيد إلحاحهم في الطلب والسعي والتعجل لتحقيق رغباتهم التي لا يجدون سبيلا لتحقيقها لعدم وجود المقومات والمعطيات الأساسية لهذا الإلحاح
إضافة الى تذمرهم وشكواهم بصفة مستمرة . مؤديا ذلك كله بهاتين الفئتين الى اضطراب مزمن وعدم توازن وثبات في التصرفات الشخصية لينعكس ذلك سلبا على الأسرة والأطفال والزوجة ولمن حوله في المجتمع
وهي كما يفيد بعض الأطباء النفسيين المرحلة الأولية لجميع الأمراض النفسية العصبية والعقلية وعامل مساعد لحدوث كثير من الأمراض الجسمية مثل :
إنهاك أعصاب المعدة وتحول العصارات الهاضمة فيها الى عصارات سامة
وتلف الأسنان نتيجة اختلال ميزان الكالسيوم في الجسم
واختلال في عمل الغدة الدرقية بزيادة افرازاتها لتزداد معها ضربات القلب التي تحث أعضاء الجسم على العمل بكل طاقاتها لينقلب الجسم نارا حامية تشتعل حتى يتم علاجها
كما يصير هذا النوع من القلق الشخص القوي مريضا ضعيفا يسهل التغلب عليه .
متجاوزين بذلك حدود الشعور بالقلق الطبيعي الذي يحدث في ظروف طبيعية ومناسبات عديدة يتمثل معظمها في :
قلق الشخص عندما يصاب بمرض ما وخوفه من استفحاله وطول زمن المرض
أو شعوره بالقلق عند مرض أحد والديه وحثه ذلك على إيجاد أفضل الطرق لعلاجهما
أو شعوره بالقلق حول نتيجة امتحان تقدم إليه
أو عند تقدمه لمقابلة شخصية على أمل الحصول على وظيفة أو القبول في كلية من الكليات
أو ربما عند عمل خطأ ما وقلقه من النتائج المترقبة لهذا التصرف
ونحو ذلك من الظروف التي تؤدي الى الشعور بشيء من القلق الوقتي الذي يمكن اعتباره طبيعيا من كافة الأوجه وفي حدود عدم الزيادة عن الحد الطبيعي الذي يفقد فيه الشخص التوازن والثبات .
لذلك يلاحظ الفرق الكبير والواضح بين شخصية من ينتابه قلق طبيعي مستمدا قوته في السيطرة عليه من توكله على الله سبحانه وتعالى حق التوكل
وبين من ينتابه القلق المرضي الناتج من سخطه على حظه وخوفه من وقوع شيء غير معلوم أو محدد وأخذه الأمور دائما بمنظار أسود قاتم لا يستطيع من خلاله رؤية الأشياء كما هي ، ناسيا أو متناسيا تلك التوجيهات السامية التي جاءت بها آيات القرآن الكريم وأحاديث المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم للوقاية من القلق والخوف على الحياة والرزق ، والتي قال فيها رب العزة والجلال موضحا تكفله سبحانه وتعالى برزق جميع خلقه :
" وما من دابة في الأرض الا على الله رزقها" [هود : 6] . مع السعي والعمل فيما يرضي الله والتسبب في ذلك لقوله تعالى " فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه " [الملك :15]
وقوله : " وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ، واحسن كما أحسن الله اليك ، ولا تبغ الفساد في الأرض ، ان الله لا يحب المفسدين " [القصص:77] .
كما بين سبحانه وتعالى أن الموت والحياة بيده وأنه لا راد لقضاءه الا هو بقوله " ولن يؤخر الله نفسا اذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون " . [المنافقون : 9-11] .
وقوله تعالى " كل نفس ذائقة الموت وانما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور " [آل عمران :185] .
وقوله جل وعلا " وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت " [لقمان : 34] .
أيضا قوله سبحانه وتعالى " فاذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " [النحل : 61] .
أما بالنسبة للأحاديث النبوية الشريفة الحاثة على العمل والكسب الحلال مع التوكل على الله والرضا بقضاءه وقدره والتي تعين على طرد القلق عديدة نذكر منها :
انه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ، ومن أنزلها بالله ، فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل " . ص 193.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكن الغنى غنى النفس " . متفق عليه . ص 190 .
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه " . رواه مسلم . ص 191 . *
من هنا وبعد كل ما قرأنا وسمعنا عن المضار النفسية والاجتماعية والجسمية التي تحدق بالفرد جراء ما ينتابه من قلق نفسي مرضي مزمن منشأه الوساوس والأوهام وعدم الراحة والقناعة بما كتبه الله له أو عليه .
أود التذكير باتباع بعض الإرشادات اللازمة التي أرى أنها تعين كل شخص ينتابه أي شعور بالقلق الى التخلص منه على النحو الآتي :
-عدم النظر الى ما في يد الغير من خير من مال أو جاه أو منصب
وتعويد النفس دائما على حب الخير للغير وعدم الحسد والحقد والأنانية ، وان يكون ذلك حافزا له على الجد والمثابرة والعمل الدؤوب والمخلص ونسيان ما ينتابه من هواجس وأفكار سوداء .
- القناعة بما كتبه الله له من رزق مع عدم الركون الى الكسل والاعتماد على الغير .
- النظر دائما الى من هم أقل منه وضعا في مجتمعه القريب أو البعيد من كافة النواحي المادية أو الاجتماعية أو الأسرية
تعويد النفس على التواضع والبذل كي يحس بقيمته وأهميته لنفسه وحب الناس له .
- البعد كل البعد عن السلوكيات المحرمة المؤدية نتائجها الى القلق مثل الغش والكذب والغيبة والنميمة .
- عدم إقحام النفس في أمور أو مواضيع أو عمل أو تجارة تفوق في معطياتها ومتطلباتها استعداده وميوله وقدراته حتى لا يقع فريسة القلق الدائم جراء نتائجها .
- محاولة النظر الى هذه الدنيا بأنها فانية وسريعة الزوال وانها لا تساوي من الإنسان ما ينغص عليه حياته ويضيع عليه ما سيلاقيه عند عمله الصالح من الجنة يوم القيامة .
- الإكثار من ذكر هادم اللذات ، والتفرغ للآخرة والإقبال على طاعة الله فيما يعمل ويؤديه من واجبات ومسؤوليات ، اضافة الى اعماره الأوقات بالذكر وتلاوة القرآن وإيثار المصالح الدينية على الدنيوية .
- عدم القلق والتحسر والتفكير فيما مضى فليس هناك من قوة تعيد الماضي . وان ما فاته و تجاوزه الى الغير هو بمشيئة الله ، فما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك .
- مواجهة أي مشكلة تبعث على القلق لديه بأسوء الاحتمالات وتقبل ذلك بكل شجاعة وقوة إرادة ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه .
- إيجاد الحقائق وتحليلها ومن ثما اختيار القرار الحاسم الذي لا يدعو للتردد او التراجع والقلق .
- محاولة القاء التوافه من الأمور جانبا وعدم إعطاء الأمور أكبر من حجمها ، وأن لا يعاند الواقع الذي ليس منه بد مع الرضا به .
عدم انتظار الشكر لشخص قدم له معروفا وان يكون سعيدا في العطاء والبذل .
وأخيرا وليس آخرا هذه نصيحة أخرى آمل تذكرها وتطبيقها باستمرار لطرد أي شكل من أشكال القلق ، وذلك من خلال الاستمتاع دوما بما لدى الشخص من إمكانات في حدود ما تسمح به شريعتنا الغراء .
اذ يجدر به وبدون تردد الاستمتاع بطموحه وماله وعمله ووظيفته وتجارته ودراسته والمكوث بين زوجته وأسرته ومجتمعه وحتى سيارته وأكله . مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية والبعد كل البعد عن ما ينغص عليهم حياتهم ويسبب لهم القلق .