لا تزال المجتمعات البشرية تئن من وطأة الجريمة وفوضى
الأخلاق في مجتمعاتها، وإذا تحسسنا الفئة العمرية والشريحة التي تلعب دوراً
كبيراً في اختلاق الجرائم نجد أن فئة عمر الزهور فئة الشباب المنطلق
والمتحرر من القيود هي الفئة العليا من بين فئات المجتمعات التي تندفع نحو
الجريمة بمختلف أنواعها وصورها.
بينما نجد كبار السن والأطفال الصغار وأصحاب المسئوليات
من الشباب هم الأقل عرضة لاختلاق الجريمة في المجتمع.
لو تأملت حال المجتمعات، ورأيت أن المجتمع لو ألزم شبابه
بتحمل المسئولية منذ الصغر لكان ذلك رادعاً لهم وحجر عثرة في التفكير في
الجريمة، وخذ مثالاً لما أعنيه:
1) الشاب العازب يستطيع أن يفعل ما يحلو له ولا يلحقه شيء
من التبعة والمسائلة حين الوقوع في الجريمة مباشرة بل يستدعى ولي أمره إن
كان موجوداً أو الوصي، بينما الشاب المتزوج يجد نفسه مضطراً لاحترام نفسه
واحترام غيره حماية لنفسه ولأسرته من التشتت والضياع، إذاً فالخوف من لحوق الضرر بأهله وأولاده مانع من الوقوع
في الجريمة.
2) الوافد من البلدان الخارجية يستطيع أن ينطلق بحرية
تامة في أي اتجاه في المجتمع الجديد الذي قدم إليه، ولأن عنصر الحرمان من
الحنان الأسري يلازمه ليل نهار فدافع الجريمة المتقدة فيه تدفعه إلى فعل أي
شيء، ولذلك تجد هؤلاء الوافدين من أكثر الناس جرائم في المجتمعات التي
يأتوا إليها، بينما الوافد المقيد بالتزامات أسرية تعيش معه في نفس مكان
إقامته تجد دافع الجريمة فيه منخفضاً نظراً لاستقراره النفسي والأسري في
محل إقامته. إذاً فعنصر الاستقرار مع أهله وأولاده
مانع له من الوقوع في الجريمة.
3) الشاب المراهق في المرحلة المتوسطة أو الثانوية، تجده
ذا ثورة وهيجان في كل شيء، قل أو صغر، وأكبر دليل على ما نشاهده إذا اجتمع
ثلاثة من الشباب في هذه المرحلة العمرية في مكان واحد فستلاحظ أن سلوكهم قد
اتحد وشكل فوضى في الأخلاق يخشى منه المار من أمامهم!، وانظر إلى حالهم بعد
مبارة لكرة القدم كيف يسهل على الشباب التخلي عن القيم والأخلاق وفعل ما
يحلو لهم، ولذلك تكثر جرائمهم عقب المبارة، وتكثر حالات الموت والخطف
والسرقة وحوداث السير وما إلى ذلك كل ذلك من أسبابه عدم التقيد بمسئولية في
الحياة أو الالتزام بها، بينما تجد الشاب في هذه المرحلة لو كُبْل بمسئولية
الأسرة والتزاماتها لما رأيته يطيش مع المشجعين في المباريات الرياضية.
إذاً فعنصر الربط الأسري للشاب سلاح فتاك في القضاء
على الجريمة في المجتمع.
وخلاصة ما أريد أن أصل
إليه:
إن المجتمع بأسره حكاماً ومحكومين، لو استطاعوا أن يفرضوا
على أفراد شعوبهم التكابيل الأسرية في سن مبكرة من الحياة كسن البلوغ،
وحث الوافدين على ضرورة العيش بجانب أهاليهم في محل إقامتهم وعملهم
كل ذلك حماية للمجتمع من الوقوع في الجريمة ، لكان بذلك الخلاص من شرور
ومصائب كثيرة أقلها دفع أعلى المفسدتين بارتكاب أدناهما!.
لماذا يعاني الشباب من صعوبة الحياة ومشاقها فيلجأ كثير
منهم إلى الجريمة! مع أن علاج مصاعبه بأيدينا بإتاحة الفرصة له والدخول في
قفص المسئولية رغبةً منا في كبت جماحه بالتفكير في الجريمة.
ولماذا يعاني الوافد من آلام الفراق والبعد عن الأوطان
وانخفاض الإنتاجية في العمل والهمُّ الملازم له بالليل والنهار فيضطره ذلك
إلى التفكير في الجريمة بل والوقوع فيها، وكان بالإمكان تذليل العقبات له
بجلوسه بين أهله وأبناءه في محل إقامته وعمله حماية للمجتمع من شره وضمان
أكيد في رفع مستوى الإنتاج.
ولماذا نتسبب في الوقوع في الجرائم مع أن العلاج بأيدينا
ودرهم وقاية خير من قنطار علاج!.
كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته.
يا من استرعاه الله رعية:
إن أردت حماية أبناءك من الجريمة فبادر إلى تكبيلهم
بالمسئولية الأسرية، حتى تطمئن نفسك لتصرفاتهم فلا تسمح له نفسه الوقوع في
الجريمة بل تجده مهموم بالنفقة الأسرية وطلب المعاش والبحث عن عمل وظيفة
بعيداً عن التفكير في الجريمة.
وإن أردت حماية مكفوليك من وقوعهم في الجريمة وأردت رفع
سقف الإنتاج في منشأتك وفي شؤونك فاجتهد في توفير الجو الأسري لهم حماية
لهم من التفكير في الجريمة وحماية للمجتمع من شرهم وضررهم.
واعلم أن الله سبحانه وتعالى قد ضمن الرزق للعباد جميعاً،
فلا تخش الفقر وتوكل على الله، ومن توكل على الله
كفاه.