نحن
والآخر : الآن قد تساوت الرؤوس !!
لقد كانت قضية تؤرق الكثير ممن يعيش في المملكة العربية السعودية من
الفرق العقدية كالرافضة والاسماعيلية ، والليبرالية الظاهرة والباطنة ، وهي
قضية الهوية السياسية السعودية القائمة على التحالف التاريخي بين الديني
والسياسي ، وكانت هذه القضية تشكل حجر العثرة أمام هذه التيارات التي تعيش
حالة من الاغتراب الذي فرضته على نفسها حين انبتت عن الأمة وقيمها وعقيدتها
.
إن العجيب الذي دار في الحوار الوطني كما لاحظته من خلال النقاشات
والمتابعات غياب أو ضعيف المرجعية الدستورية التي تحكم المنتدين ، ومحاولة
إذابة المرجعية ليست قضية سقطت " سهوا " من المنتدى بقدر ماهو فعل يحاول
الكثير من المطالبين بـ " تساوي الرؤوس " اغفاله ، ولذا ركز الكثير على
ضرورة ابعاد المنحى الشرعي والفقهي من قضايا الحوار الدائر بين المنتدين ،
لأنهم يعلمون خطورة تحرير " المصطلحات " من جهة ، واثبات مرجعيات للتصور من
جهة أخرى .
إن " الوطنية " ليست عاملا " مكوِنا " بكسر الواو للمفاهيم ، بل هي
مفاهيم مكوَنة ( بفتح الواو ) من خلال المنطلقات الدستورية والمرجعية للبلد
، حتى وان كانت هذه المفاهيم تتقاطع أحيانا مع بعض ما يطالب به المغتربين
في الوطن ، وهذا يجعل المقياس في تمرير المطالب ليس المواطنة فقط ، بل "
الدستور " الجامع الذي يلزم الناس سواء كانوا موافقين ام مخالفين .
هل يشك أحد بأن دستور المملكة العربية السعودية المدون ينص على مرجعية
الكتاب والسنة على منهج أهل السنة والجماعة ؟؟
وهل يعني وجود أطياف داخل البلد بحكم الظروف التاريخية او الثقافية او
السياسية يعني رفع حصانة الدستور والمرجعية ؟؟
وهل وجود مسلمين في فرنسا ، او بعض اليهود او غيرهم يعني أنهم يستطيعون
تغيير هوية الدستور بحكم المواطنة فقط ؟؟ ومتى صارت الأقلية سوطا تضرب به
الاغلبية التي ترجع بحكم البعد التاريخي والثقافي الى المنهج الاسلامي
السني القائم على الكتاب والسنة ؟
إنني حقيقة اخشى من خطورة " مساواة الرؤوس " حين يكون " الليبرالي "
الذي لا يشكل بعدا في المجتمع ولا قيمة ولا تأثيرا مساويا لرأي هيئة كبار
العلماء في سن ما يريد من مفاهيم على التربية والتعليم والحياة الاجتماعية
والثقافية ، بحجة التسامح وقبول الآخر ، والتعددية وغيرها من المفاهيم
الضبابية التي يراد من خلالها إذابة هوية الأمة ، وفتحا لأبواب التغريب
داخل المجتمع ، ومن ثم جعل هذا " الآخر " واقعا لا مناص منه حتى لو كان في
قمة الشطط الفكري ، وحتى لو كان داعية الى الرذيلة او الالحاد والكفر ،
وهذا يصطدم مع ابجديات المفاهيم الاسلامية التي تأمر بحفظ الدين وسياسة
الدنيا به ، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجعل المرجعية الحاكمة لكل
شؤون الناس منطلقة من الشريعة الربانية الخالدة ، وهذا لا يعني إعاقة
المشروعات التنموية والتقدم الحضاري والمدني ، بالقدر الذي يسعى من خلاله
الى حفظ هوية الأمة وايجاد التوازن الاخلاقي والقيمي والعقدي في أرض
المملكة " جزيرة الاسلام " وموئل افئدة المسلمين في كل مكان .
نعم ، إن هذه الأرض المباركة لها خصوصية ، وأهلها هم واسطة العقد في
الدنيا دينا وخلقا ، وهي منبع الاسلام والدعوة اليه ، وفيها الصلحاء
والاخيار من العلماء والأمراء ، وهذا هو المؤرق للغرب الذي يرى انها تقف
أمام مشروعاته الاستراتيجية في المنطقة كلها ، ولذا تضرب دائما على الحريات
والمساواة ، والقيم العلمانية التي تنحي الدين عن الحياة كلها ، وهو مشروع
خطير يراد من خلاله التهيئة لتغيير البنية الاجتماعية والثقافية ، ليسهل
على المستعمر اختراق البلد سياسيا حين يخترقها ثقافيا وفكريا ونفسيا .
إن المدرسة العلمية والشرعية في البلد تساهم بدور سلبي حين تتكلم بلسان
الخائف الحذر أمام هجمات الغرباء الشذاذ داخل البلد ، وحين تشعر الاخرين
بأن " الرؤوس قد تساوت " ، ولا يمكن ان نقف أمام هذه المشروعات إلا من خلال
العمل الجاد من داخلها ، وابراز الهوية الصحيحة للبلد ، والتركيز على
المرجعية الشرعية في كل الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وإدراك
الحيل التي تمارس ضد أهل الاسلام النقي في البلد من خلال حشرهم في زاوية "
الدفاع عن الارهاب والعنف والتطرف " ، فان هذا يوهن العزائم ، ويقضي على
القوة في بيان الحق ، ولا بد ان يصاحب هذا حركة تصحيحية للأفكار والمفاهيم
، وتعميق النظر في الصراع العالمي وانعكاسه على ما يجري في البلد ،
والقراءة المستمرة والعميقة للتاريخ والواقع ، واستشراف المستقبل ، وتقديم
المشروعات النافعة التي تقطع الطريق على كل من يريد بالبلد سوءا .
وفق الله الجميع !