لقد أنكرت طوائفُ تلبسَ الجنِّ بالإنس وهم بعضُ المعتزلةِ والرافضةِ
والمدرسةِ العقليةِ ، قال السيوطي في " لقط المرجانِ " ( ص 134 ) : " أنكرَ
طائفةٌ من المعتزلةِ دخولَ الجنِّ في بدنِ المصروعِ " .ا.هـ.
ونقل أبو الحسن الأشعري في " مقالاتِ الإسلامين " ( ص 61 ) عن أصحابِ
هشامِ بن الحكمِ قولهم عن الجنِّ : " فعلمنا أنه يوسوسُ ، وليس يدخلُ
أبدانَ الناسِ " .ا.هـ.
وزعم الزمخشري في " الكشافِ " (1/164) فقال : " وتخبطُ الشيطانِ من
زعماتِ العربِ ، يزعمون أن الشيطانَ يخبطُ الإنسانَ فيصرعُ " .ا.هـ.
وتعقبهُ البقاعيُّ في " تفسيرهِ " (4/111) فقال : " وظاهرهُ إنكارُ ذلك
، وليس بمنكرٍ ، بل هو الحقُّ الذي لا مريةَ فيه " .ا.هـ.
وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ في " الفتاوى " (19/12 – 13) : " أنكر
طائفةٌ من المعتزلةِ كالجبائي وأبي بكرٍ الرازي وغيرهما دخولَ الجنِّ في
بدنِ المصروعِ ، ولم ينكروا وجودَ الجنِّ ، إذ لم يكن ظهورُ هذا في
المنقولِ عن الرسولِ كظهورِ هذا ، وإن كانوا مخطئين في ذلك . ولهذا ذكر
الأشعري في مقالاتِ أهلِ السنةِ والجماعةِ أنهم يقولون : إن الجني يدخلَ
بدن المصروعِ كما قال تعالى : " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا
يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ
الْمَسِّ " [ البقرة : 275 ] ، وقال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبل : قلتُ
لأبي : " إن قوماً يزعمون أن الجني لا يدخلُ في بدنِ الإنسي " ، فقال : "
يا بني ؛ يكذبون ، هو ذا يتكلمُ على لسانهِ " . وهذا مبسوطٌ في موضعهِ "
.ا.هـ.
وأكتفي بهذا القدر ، وأسألُ اللهَ أن يوفق الدكتور طارق سويدان للعملِ
بالكتابِ والسنةِ ، وقد ختم مقالهُ بقولهِ : " والبعض ممن يروجون لهذه
الأوهام يستدلون بأحاديث وآيات ليس فيها أي دليل على ذلك " .
فاقولُ : أسألُ اللهَ لك الهدايةَ ، أصبح الاستدلالُ بالآياتِ والأحاديث
التي ذُكرت آنفاً أوهاماً يا دكتور طارق ! وأيضاً ليس فيها أيُّ دليلٍ !
وذكر الدكتورُ دليلاً واحداً فقال : " كقول النبي صلى الله عليه وسلم :
إن الشيطان يجري من ابن آدم كمجرى الدم في العروق " والغريب أنهم لم
يستوعبوا القصة كاملة وهي أن بعض الصحابة رأى النبي صلى الله عليه وسلم مع
إحدى نسائه فناداهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أنها زوجته صفية
وليست امرأة غريبة فقالوا: أفيك نشك أو نظن يا رسول الله ؟ فقال: (إن
الشيطان يجري ...) فانظر إلى مجرى القصة وإلى استدلالهم يتبين لك ما فيه من
البطلان " .
البطلان يا دكتور طارق – غفر اللهُ لك - ! وهذا الحديث قد استدل به على
إمكانيةِ دخولِ الجني بدن الإنسي عددٌ من العلماءِ منهم القرطبي في "
تفسيرهِ " (2/50) ، وشيخُ الإسلامِ في " الفتاوى " (24/277) ، والبقاعي في
" نظم الدرر " (4/112) ، والقاسمي في " محاسن التأويل " (3/701) ، والشيخ
عبد الله بن حميد في " الرسائل الحسان في نصائحِ الإخوان " ( ص 42 ) .
وقال الحافظُ ابنُ حجرٍ في " بذلِ الماعونِ " ( ص 151 ) : " وهو وإن كان
في سياقهِ مخصوصٌ بالوسوسةِ ، لكنهُ يدلُّ على إمكانِ ما أشرتُ إليهِ .
والدلالةُ الوجوديةُ فيمن يصرعهُ الجنُّ من الإنسِ كثيرةٌ جداً " .ا.هـ.
فلا أدري يا دكتور طارق هل نبطلُ كلامَ العلماءِ وفهمهم للحديثِ ونأخذ
بتقريرك ؟
وختاماً نسألُ اللهَ أن يفقهنا والدكتور طارق في الدينِ ، وأن يقيهِ شر
نفسهِ وشر الشيطانِ ، وأن يرجعَ إلى كلامِ العلماءِ الثقاتِ في فهمِ
الكتابِ والسنةِ لا إلى عقلهِ .