لا
يأتي زمانٌ إلا والذي بعدهُ شرٌّ منهُ ، ولا تمضي الأيامُ وتتعاقبُ السنينُ
إلا ويتضائلُ الخيرُ وينحسرُ رواقهُ ، ويمتدُّ الباطلُ وتشتدُّ فورتهُ ،
والمؤمنُ من اتقى فتنَ كلِّ ذلكَ ودفعَ عنهُ كيدَ العدوِّ بحكمةِ الحصيفِ
وتجربةِ العاقلِ وتؤدةِ الصبورِ ، وقد قالَ معاوية ُ – رضيَ اللهُ عنهُ - :
لا حكيمَ إلا ذو تجربةٍ ، وقالَ موسى عليهِ السلامُ لقومهِ : استعينوا
باللهِ واصبروا إنَّ الأرضَ للهِ يورثُها من يشاءُ من عبادهِ ، والعاقبة ُ
للمتقينَ .
قرأتُ كلاماً لأستاذِنا العلاّمةِ سلمانَ بن فهد العودة يخصُّ
المطلوبينَ الذين صدرتْ أخيراً قوائمُ تضمُّ أسماءهم ، وقلّبتُ عيني على
العديدِ من صفحاتِ الجرائدِ وقنواتِ الإعلام ِ وموجاتِ الإذاعةِ ، لأسمعَ
ضروباً وأفانينَ من تلكَ النصائح ِ الصادقةِ والالتماساتِ الحانيةِ مشوبة ً
بعبهريِّ الرحمةِ والشفقةِ عليهم ، علّها تصادفُ نفساً مُهيأة ً وقلباً
رقيقاً ، فتُثمرُ خيراً لصاحبِها وللمجتمع ِ وللأمّةِ الإسلاميّةِ جمعاءَ .
هكذا هي الحياة ُ صفوٌ ينبعُ حيناً فتغيضُ السعادة ُ ، ويزكو عملٌ نافعٌ
تارة ً ليموتَ أثرٌ صالحٌ ، يرتفعُ هذا لينخفضَ ذاك ، وتبقى سفينة ُ
الحياةِ ماخرة ً عُبابَ العمر ِ تتصرّمُ أيّامهُ وتنقضي لياليهِ ، ويبقى
لذوي النجابةِ والرُّشدِ ما حماهم اللهُ بهِ من الكيَس ِ والفِطنةِ ،
ويهلِكُ من دعتهُ النّوازعُ إلى العجلةِ والطيش ِ ، ولو أنَّ العاقلَ منهم
استقبلَ من أمرهِ ما استدبرَ لما كانَ إلا حليماً صبوراً ، يزنُ جميعَ
فعلهِ بعقل ِ الشيخ ِ المُحكّكِ وثباتِ المُجرّبِ ، ويترفّعُ عن التهوّر ِ
والمُجازفةِ .
لقد قالوا قديماً : رأيُ الشيخ ِ خيرٌ من مشهدِ الغُلام ِ ، فما بالُنا
– يا رجالَ الإسلام ِ وأملَ المسلمينَ – نرى الغلامَ لا يأبهُ لقول ِ شيخهِ
ولا لرأي معلّمهِ ، ويرفضُ أن يُصغيَ بعقلهِ وفهمهِ إلى حادي النّجاةِ
وداعي الخلاص ِ ، ليقعَ أسيراً في قبضةِ شابٍّ مثلهِ ، في سنيِّ عمرهِ
ومستوى تفكيرهِ ، ثمَّ يتتايعونَ في الوقوع ِ سِراعاً في ملمّاتِ الحوادثِ
، ويمضونَ سادرينَ لا يلونَ على نصيحةِ عاقل ٍ ولا قول ِ مُجرّبٍ ولا صُراخ
ِ نذير ٍ ، يسيرونَ حيثُ لا تُعلمُ نهايةٌ لتصرّفاتِهم .
هبوا أنَّ هذه من الفتن ِ العمياءِ التي لا يتضحُ فيها سبيلٌ ولا
يستبينُ فيها طريقٌ ، أفلا كانَ حقّاً علينا أن ننصحَ الصالحينَ بالتجافي
عن سلوكِ دربِها ، والتضلّع ِ من أبوابِها ، فكيفَ وقد قالَ أهلُ العلم ِ
قولتهم وقطعوا بما بيّنوهُ قولَ كلِّ قائل ٍ ! .
إنَّ للفتن ِ بريقاً أخّاذاً ، ورنيناً آسراً ، ووقعاً ساحراً ، يسترقُ
العقولَ والقلوبَ ويستولي على الوعْي والإدراكِ ، ولو كانَ صاحبُها ألمعيَّ
الذهن ِ ، موفورَ العزيمةِ ، وقّادَ الهمّةِ ، ولا ينجو من هذه الملمّاتِ
إلا من حماهُ اللهُ بالعلم ِ الأصيل ِ والعقل ِ الرّجيح ِ ، وهذا ما يراهُ
النّاظرُ بعين ِ البصيرةِ من استيلاءِ الفتن ِ على ضعافِ التأصيل ِ
الشرعيِّ ، وتحكّمهِ في ناشئةِ الشبابِ ، ومن آياتِ هذا الافتتانِ المُريبِ
إعراضُهم عن أهل ِ العلم ِ وتهوينُ شأنِهم ومقامِهم ، وهو ما يوكلُ معهُ
الإنسانُ إلى نفسهِ .
لقد كتبتُ وكتبَ غيري ، كتبنا مقالاتٍ نسجناها من المُهج ِ والقلوبِ
المُتقرّحةِ ألماً وحسرة ً ، وأنشأنا فصولها من الدموع ِ الحرّى ، كتبناها
ونحنُ نمدُّ أيدينا إلى إخوةٍ لنا كادتْ تغرقُ سفينتُهم في مجرى أحداثٍ لا
يعلمُ منتهى فصولِها إلا اللهُ ، رجوناهم ولا زلنا نرجو ونستحثُّ الخطى
نحوَ إرشادِهم وتذكيرِهم : ألا كفّوا أيديكم ، واكسروا رماحكم ، وأغمدوا
سيوفكم ، وكونوا خيرَ آخذينَ ، واستعينوا باللهِ واصبروا على السجن ِ
والنجاةِ من الفتنةِ ، واعلموا أنَّ اللهَ ناصرٌ دينهُ ومُعل ٍ كلمتهُ ،
ومن أتى من فعلهِ ما حرّمهُ اللهُ فلن يضرَّ إلا نفسهُ .
لقد أصابَ خيراً عظيماً من كفَّ يدهُ ، ونجا بنفسهِ ودينهِ ورفعَ راية َ
التسليم ِ لأمر ِ اللهِ وأمر ِ رسولهِ – صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ –
في النهْي عن السعي في الفتنةِ والخوض ِ فيها ، ويأتي على رأس ِ هؤلاءِ من
كانَ من قائمةِ المطلوبينَ ، فإنَّ أجرهُ يتضاعفُ لتأكّدِ الأمر ِ في حقّهِ
وتعيّن ِ قيامهِ بهِ ، خاصّة ً مع ما يصيبهُ من اضطرابِ الحيرةِ ، وتردّدِ
الأوهام ِ ، وكثرةِ الخوفِ ، ولا ينكسرُ ذلك إلا بمراجعةِ النفس ِ والعودةِ
إلى حظيرةِ الجماعةِ ، وإلا دلّتهُ النفسُ على دروبِ المخاطر ِ وسُبُل ِ
الهلاكِ .
ليسَ من الجبن ِ ولا من الخور ِ أو الانهزاميّةِ أن يقومَ المسلمُ
الممتثلُ لأمر ِ ربّهِ بتسليم ِ نفسهِ ، وهو يعلمُ أنَّ عاقبة َ فرارهِ
شؤمٌ عليهِ ، وربّما أريقتْ دماءٌ كثيرة ٌ في ذلكَ ، بل واللهِ إنَّ ذلك
شرفٌ عظيمٌ لهُ وأحظى في العُقبى ، كيف وهو يرى ويسمعُ أنّاتِ ذويهِ
الممضّةِ واستغاثتِهم لهُ ويلكَ انجُ بنفسكِ وسلّمْ أمركَ وأرحْ أهلكَ ممّا
يُكابدونهُ ، والمُجتمعُ بأسرِه يدعوهُ للركوبِ في سفينةِ الجماعةِ
والنجاةِ بها ، وأن لا يختارَ التفرّدَ ويؤثرَ الفِرارَ ليقعَ صيداً
للتمرّدِ والتمادي في الأمر ِ ، ممّا يورثُ شرّاً ويُذكي سوءاً .
هذه مصارعُ من سبقَ ، هي – واللهِ – عبرة ٌ وعِظة ٌ ، ومن لم تُحرّكهُ
الحوادثُ السالفاتُ ويعتبرْ بها ، أو تزدهُ صروفُ الزمان ِ تجربة ً وخبرة ً
، فقد حُرمَ حظّاً عظيماً من التوفيق ِ والعافيةِ .
إنَّ عدوّنا يؤثرُ هذه الأعمالَ ويرتضيها ، فهي – واللهِ – بابٌ عظيمٌ
من أبوابِ تدخلاتهِ وتوغّلهِ في العالم ِ الإسلاميِّ ، فيضربُ بجندهِ من
الكُتّابِ وطلائع ِ المُبشّرينَ ومرتزقةِ الاستعمار ِ ، ليعيثوا في الأرض
فساداً بحربِهم على الفِكر ِ واستعمار ِ مواردهِ وأصولهِ وتصوّراتهِ
وموازينهِ ، ويُعيدوا الأملَ في صفوفِ كُهّانهم وأذنابِهم ، أولئكَ الذين
اصطلوا دهراً بثباتِ المسلمينَ وعصيانِهم على غزواتِ التغريبِ وإفسادِ
الأخلاق ِ واستعمار ِ العقول ِ ، ليبدأ الأملُ يدِبُ من جديدٍ ، حينَ يرونَ
بلادَ الإسلام ِ غارقة ً في فتن ٍ داخليةٍ وتطاحن ٍ بين شبابهِ .
لقد دفعتْ أمريكا 20 مليار دولار في مدّةٍ تصلُ إلى 25 سنة ، من أجل ِ
تغيير ِ التعليم ِ في مصرَ – حرسها اللهُ - ، ووظّفتْ عملاءَ وزرعتْ
جواسيسَ واشترتْ ذمماً كثيرة ً ، ولكنّها وبعدَ الأحداثِ الأخيرةِ لم تحتجْ
إلى شيءٍ من ذلكَ ، فقد أطلقتْ عنانَ التهديدِ والتوبيخ ِ لتنالَ ما تُريدُ
من التنازلاتِ المصريّةِ بالقوّةِ علانية ً في وضح ِ النهار ِ ، بعدَ أن
وجدتْ من الأحداثِ الخارجيّةِ ما يؤيدُها في ظلمِها ومواصلةِ تجنّيها .
أوَلا ترمضُ الصدورُ العليلة ُ بالهمِّ بمثل ِ هذه الحوادثِ ومرّها ؟! ،
كم نحتاجُ الآن إلى مؤاس ٍ وحان ٍ يرفعُ عن ضعفةِ المسلمينَ سطوة َ الغربِ
الخانقة َ ، وكم نبحثُ عن رجل ٍ يجمعُ اللهُ بهِ شتيتَ الرأي ومُبدّدَ
العمل ِ ، ليُصلحَ بهِ اللهُ هذه الأحوالَ المُحزنة .
هل انجابتْ عن المسلمينَ بما جرى ويجري سُدُفُ الظلام ِ ؟ ، وهل انزاح
عن ديارهم قتامُ التبعيّةِ ؟ ، هل وقفتْ جحافلُ الباطل ِ عن غيّها ومكرِها
وبثِّ حقدِها ! ، وهل استكنَّ دُعاةُ التغريبِ عن نشر ِ إفكِهم وتمرّدهم
على الشريعةِ ! ، لقد حصلَ ما حصلَ من الأفعال ِ الباغيةِ ، فما زادتْ
أولئكَ إلا جسارة ً على دين ِ اللهِ وصدّاً عن سبيلهِ، وبقيَ أهلُ الخير ِ
وقد أسقطَ في أيدهم ، لا يدرونَ ماذا يفعلونَ ، بين قوم ٍ منهم غووا
وانحرفوا ، وآخرين يضربونَ في الأرض ِ يبتغونَ فساداً وانحلالاً .
وا أسفاه علينا ! فبعدَ سنواتِ النهضةِ العلميّةِ ، وامتدادِ الخير ِ ،
واتساع ِ رواقهِ ، وتراجع ِ العلمانيينَ وأذنابِهم وانحسار ِ بأسهم ، وبعد
تمكّن ِ أهل ِ العلم ِ من زمام ِ الأمر ِ في صناعةِ الحياةِ والشبابِ
وصياغةِ سطور ِ مجدِ الأمّةِ ، ووثوق ِ الأمّةِ من المسئولينَ وعامّةِ
النّاس ِ بهم ، جاءَ من يهدمُ ما بناهُ الرجالُ الأوفياءُ ، في لحظةٍ من
لحظاتِ النزق ِ وساعةٍ من ساعاتِ التهوّر ِ ! وبعدَ أن كانتِ الدعوة ُ
تهبُّ نحوَ العلياءِ وتثِبُ للمجدِ ، أصبحتْ تخطو خطواً وئيداً وتتعثرُ في
دربِها .
فمن الذي يطمسُ ذلك الوجهَ المشرقَ الوضيءَ لتعاليم ِ الإسلام ِ ؟ ، ومن
الذي يُجلبُ بخيلهِ ورجلهِ سعياً في الفتنةِ الداخليّةِ باسم ِ الشرع ِ
وتعاليمهِ ! ، ومن ذلك الذي يرضى أن يبقى مُكبّاً على أمرهِ ، سادراً في
غفلتهِ ، مُعرضاً عن النصيحةِ والإرشادِ ، من إخوان ٍ لهُ يحرصونَ على
نجاتهِ ويُريدونَ لهُ العافية َ ! .
وبعدُ أيّها القرّاءُ : لا زلنا نرجو ونؤمّلُ ، وما دامَ فينا من
تتحرّكُ عزيمتهُ وتومضُ نفسهُ الشريفة ُ نحوَ دفع ِ الفتنةِ ودحر ِ الشرِّ
وأسبابهِ ، من أمثال ِ الأخ ِ فايز أيوب ، الذي تطاوعَ وسلّمَ نفسهُ وحقنَ
دمهُ ودمَ غيرهِ ، ما دامَ فينا من لازالتْ نفسهُ أبيّة ً على التمرّدِ ،
فإنّنا بخير ٍ إن شاءَ اللهُ ، وعلاماتُ الخير ِ لا زالتْ متقدة ً وضاءة ً
في طريق ِ الخيريّةِ لهذه الأمّةِ ، والأملُ في البقيّةِ الباقيةِ من
الشبيبةِ أن يحذوا حذوَ أخيهم فايز ، ويقتدوا بهم ، بدلاً من التشتّتِ
والضياع ِ والهروبِ ، ونهاية ُ ذلك – لا قدرَ اللهُ – الموتُ أو القتلُ .
والسعيدُ من وُعظَ بغيرهِ .