بسم الله الرحمن الرحيم،والصلاة والسلام على رسول الله الأمين.أقدم بين
يدي تعليقي شكرا وامتنانا لسمو الأمير خالد الفيصل والأخوة المشرفين على
هذا الملتقى الرائد لاكرامي بالمشاركة واختياري معلقا وزميلي الأستاذ قينان
الغامدي على كلمة معالي الدكتور محمد الرشيد.
من المعتاد في هكذا ندوات أن يُزوّدَ المحاضرُ زملاءَه المعلقين بورقته
التي يُزمع إلقاءها بفترة زمنية كافية، بيد أن معالي الدكتور محمد الرشيد
أكرمنا بعد إلحاح وتمنّع بعناوين ومحاور عامة لا تتجاوز الخمسة أسطر فقط .
ولم أجد بدّا من الاجتهاد في استكناه آراء معاليه حيال ورقته التي سمعتم،
وعذراً إن بَعُدت في بعض تعليقي عن ورقة معاليه ، واتجهت الى أصل القضية
مستصحبا واقعها بكل شفافية لأتحدث في مناخ فكري حرّ وخلاق أتاحه سمو
الأمير.
أولى النقاط التي بودي الوقوفَ عندها هي في عنوان الندوة ( كيف نحب
الوطن؟) . أتصور أن الحبَّ غريزةٌ بالدرجة الأساس، وهي كامنةٌ وموجودةٌ في
الأنفس البشرية، وعنوان كهذا يشي بأنه سيأتي ضمن وصفة جامدة أو روشتة جافة
يلقيها مسؤولٌ أو مفكر. بينما الحب من وجهة نظري غريزةٌ تحتاج إلى تنمية
وتفعيل وإظهار، ولو كان العنوان على سبيل المثال ( كيف ننمي حبّ الوطن؟)
لكان أكثرَ توفيقا وأولى. وأسوق في هذا المقام مقولات لبعض أحبتنا المثقفين
بأننا في المملكة العربية السعودية من أكثر المجتمعات وطنية وحبا لهذا
الكيان الذي وحده الملك المؤسس يرحمه الله، تتجلى الوطنية بنظرهم في مظاهر
عديدة، اذ لو نظرنا لحال شبابنا في الخارج أو تجمعاتهم لنتبين بكل وضوح مدى
اعتزازهم وفخرهم بوطنهم ، بل أكثرَ من ذلك، حتى المتدينين والذين يلمزهم
البعض بقلة أو ضآلة الوطنية هم أكثر شرائح المجتمع اعتزازا وحبا وانتماء
للوطن، وانظروا كدليل بسيط في مشاركاتهم الخارجية التي لا يتنازلون فيها عن
اللباس الوطني اعتزازا وحبا الى الدرجة التي يصفهم بعض اخواننا في الدول
القريبة بالغلو في وطنيتهم وهم يتعصبون للمدرسة الفقهية السعودية ولا يرون
غيرها. بل لا نعرف مهاجرين منا ولا متفوقين وناجحين يبقون في البلاد
الأجنبية دون أن يعودوا لأرض الوطن حبا بها.
* * *
أشير هنا إلى ريادة وأسبقية محاضِرِنا الكريم بفكرة مادة التربية
الوطنية في مشهدنا التعليمي المحلي. هذه المادة الدراسية التي آمن بها
الدكتور محمد الرشيد وتحمّس لها وقرّرها إبان وزارته، انبعثت من إيمانه
العميق، بما قاله لي في حوار صحافي، بحاجةِ أجيالنا الماسة إلى تنمية روحِ
الوطنية لديهم، وتعزيزِ أواصر الانتماء وبعثِ مشاعر الفخر بوطنهم. إلا أن
نفرا من المثقفين و الشرعيين توجّسوا من مثل هذه الدعوة وربما توهموا - من
وهلتهم الأولى - أنها مخالفةٌ لما سار عليه وكرّسه وامتثله الخطابُ السياسي
والشرعي لهذه البلاد عبرَ عقود طويلة.. ربما بلغت ذروتها في عهد الملك فيصل
بن عبدالعزيز يرحمه الله. فولاة أمر هذا الوطن عرفوا أن قَدَرَ الدولة هو
أن تكون رائدةُ وقائدةُ العالم العربي والإسلامي، فالجغرافيا أملت عليهم
ذلك عبر احتضاننا لمهد الرسالة وأرض الحرمين الشريفين، والتاريخُ حاضرٌ في
المسألة منذ التحالف الشهير بين الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب
والذي أُقيم منه وطنٌ على الإسلام وجُعل ركنا أصيلا لا يحمل غير لوائه.
وبعض الكتابات الإعلامية الانعزالية التي نشهدها في راهن الآن وتدعونا
للقطرية وإعادة النظر بما سمعنا اليوم هي تضرب في عمق هذا الحلف علموا أم
لم يعلموا.
* * *
شخصيّاً أوافق بلا أمداء الدعوةَ التي أطلقها معالي الدكتور الرشيد
وغيره من المحبين لهذا الكيان الذي يسكن في أحداقنا، وأنه من الضروري
تنميةُ روحِ المواطنة لدى المجتمعِ وترشيده وتوجيهه الى الوجهة الصحيحة
وبالخصوص لدى أجيالنا الجديدةِ ، وحاجتِنا الماسة في حاضر الآن لذلك، بيد
أنني كنت أتمنى على معاليه وغيره ممن أطلقوا هذه الدعواتِ الموفقة، البدءَ
بتمهيدٍ فكري، بالتوازي مع التفعيل العملي، لمجتمع عاش طويلاً على فكرة
التضامن الإسلامي والأمة الإسلامية والاهتمام بالشأن الإسلامي العام، يتم
ذلك عبر المرور بمرحلة تنظيرية وسط في مناقشة فكرية مستفيضة مع تلك النخب
التي تتوجس من هذه الدعوات، وطرحُ إشكاليات من مثل : مدى توافق وانسجام
الوطنية مع الإسلام أم أن العلاقة تضادٌ بينهما بما صوره بعض معارضي
الفكرة. وهل الدعوة للوطنية الآن هي رِدةٌ للقطرية التي ستعزلنا عن محيطنا
العربي والإسلامي، وإعلانٌ منا للتنحي عن قيادة العالم الإسلامي أم هي
محاولةٌ لتفعيل الشعور الوطني ضمن نسيج الأمة؟. أما الذي أعتقده في هذا
الشأن فهو أنّ حبّ الوطن وتقديمه شعورٌ فطري، وهو شعيرة إسلامية أصيلة
بالنص القرآني والنبوي ، فالأقربون أولى بالمعروف، والرسول صلى الله عليه
وسلم خاطبه ربه بأنذر عشيرتك الأقربين، وقد خرج (ص) من مكة وهو حزين قائلا
" والله إنك أحبُّ بلاد الله إليّ ".. ونتذكر حنينَ بلال رضي الله عنه
لمرابع مكة وهو بالمدينة.
* * *
ونحن إزاء هذه الدعوات التي انبثقت من بعد أحداث الخليج الثانية، وبعد
11سبتمبر بشكل لافت.. والتي تدعو في صميمها إلى إيقاظ وتفعيل الشعور
الوطني، وككل تجربة أو دعوة لا بد أن يركبَ موجتَها بعضُ الغلاة . فعلى
الرغم من إخلاص كثير ممن دعا وكتب في موضوع الوطنية، إلا أن نفراً من
المثقفين والكتاب امتطى هذه الموجة لأغراضه الأيدلوجية، وجعل من الوطنية
سلاحاً لتصفيةِ حسابات فكرية مع خصومه، فقد طالعنا من شَهَر الوطنية للغمز
والنيل من أدبيات بعض التيارات وخصوصا التيار الديني. إن أخشى ما أخشاه على
الدعوة الرائدة التي يتحمس ويتفاعل معها كل محب لوطن المجد والعطاء
والحرمين والرسالة هو من هذا النفر الغالي الذي بدلاً من أن يكون عامل بناء
وإثراء ودعم نراه يقوّض ما يقوم به المخلصون عبر استفزازات وكتابات
انعزالية لا تخدم المصلحة الوطنية في شيء. فالدعوة إلى القطرية الأيدلوجية
و التي تقدم نفسها بديلاً عن الوحدة العربية والإسلامية هي دعوة مرفوضة من
وجهة نظري، ووطنيتنا بالأساس ترفضها دينا ومصلحة.. وهآ نحن نشهد ما أدى
إليه التشرذم القطري من ضياعِ مصالحَ اقتصادية وسياسية وعسكرية.. وانظروا
ما نخسره هذه الأيام في هذا المنحى الانعزالي في توجّه بعض إخواننا في
الخليج إلى الحدّ الذي تذهب فيه دولة خليجية إلى الكونغرس الأمريكي وتمارس
ضغطا للتأليب علينا لغلبة القطرية التي يدعو لمثلها بعض كتّابنا..
* *
وطننا وطن الوسطية والاعتدال، وبمثل ما كان الغلاةُ والخوارجُ
والمتطرفون من الفئة الضالة أذىً على الوطن فإنني أشير بكثير من الحدب
والإشفاق على دعوة تعزيز الوطنية من هذه الفئة المتطرفة الأخرى التي أخشى
أن تدعو لتصنيم الوطنية على حساب منهجِ ورسالةِ هذه الدولة، والغلاةُ هم
آفة كلِ فكرٍ وسطي ودعوة عاقلة. وتتذكرون ما فعله غلاة القوميين العرب
عندما اختطفوا الفكر القومي وقال شاعرهم الشهير وقتها:
هبوا لي دينا يجعل العرب ملة * * * * وسيروا بجثماني على دين بُرهم
سلامٌ على كفر يوحد بيننا * * * * وأهلا وسهلا بعده بجهنم
لتنقلب بعدها القومية إلى فكرة تضاد الإسلام، ومعظم من يسمع لي الليلة -
ولا شك - أدرك أو عاش مرحلة الصدام تلك، والتي تشابك فيها السياسي بالفكري
والديني، وضاعت بسبب هؤلاء الغلاة حقيقةُ تكامل الوطنية والقومية والإسلام
وألا تصادم بينهم إلا في فكر دعاة الانعزال.
أخيراً يجب أن أختم، وأنا أتحدث تحت لافتة (حب الوطن) بأنه لا تعارض
بين حب الوطن والدعوة للإصلاح، وينبغي أن نتطور حضارياً ومدنياً كي نردع
ونقول لكل من يضرب على هذا الوتر بأنه مخطئ، لأن أعظم الوطنيين هو الذي
ينقد للإصلاح من أجل حبه لوطنه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.