بسم الله الرحمن
الرحيم
الحلقة الرابعة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
في المنهاج ( 4 : 532) :
أن الإصلاح بين الطائفتين كان محبوبا ممدوحا يحبه الله ورسوله وأن
ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله , ومناقبه التي أثنى بها عليه
النبي صلى الله عليه وسلم.
ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يثن النبي صلى الله عليه وسلم
على أحد بترك واجب أو مستحب. ولهذا لم يثن النبي صلى الله عليه وسلم
على أحد بما جرى من القتال يوم الجمل وصفين فضلا عما جرى في المدينة يوم
الحرة وما جرى بمكة في حصار ابن الزبير, وما جرى في فتنة ابن الأشعث وابن
المهلب وغير ذلك من الفتن.
ولكن تواتر عنه أنه أمر بقتال الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنهروان بعد خروجهم عليه بحروراء,
فهؤلاء استفاضت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بقتالهم,
ولما قاتلهم علي رضي الله عنه فرح بقتالهم, وروى الحديث فيهم.
واتفق الصحابة على قتال هؤلاء, وكذلك أئمة أهل العلم بعدهم
لم يكن هذا القتال عندهم كقتال أهل الجمل وصفين وغيرهما مما لم يأت فيه نص
ولا إجماع, ولا حمده أفاضل الداخلين فيه, بل ندموا عليه ورجعوا
عنه.
وقال ابن تيمية أيضا في المنهاج (
4 : 405 ) :
وأما الحديث الذي روى عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال لعمار : تقتلك الفئة الباغية. فبعضهم ضعفه وبعضهم
تأوله. فقال بعضهم معناه : الطالبة لدم عثمان رضي الله عنه كما قالوا
: نبغي ابن عفان بأطراف الأسل. وبعضهم قال : ما يروى عن معاوية رضي
الله عنه أنه قال لما ذكر له هذا الحديث : أو نحن قتلناه ؟ إنما قتله علي
وأصحابه حيث ألقوه بين أسيافنا.
وروى عن علي رضي الله عنه أنه ذكر له هذا
التأويل, فقال : فرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يكونون
حينئذ قد قتلوا حمزة وأصحابه يوم أحد, لأنه قاتل معهم المشركين.
وهذا القول لا أعلم له قائلا من أصحاب
الأئمة الأربعة ونحوهم من أهل السنة, ولكن هو قول كثير من
المروانية, ومن وافقهم ومن هؤلاء من يقول: إن عليا شارك في دم
عثمان, فمنهم من يقول : إنه أمر علانية , ومنهم من يقول : إنه أمر سرا
ومنهم من يقول : بل رضى بقتله وفرح بذلك, ومنهم من يقول غير ذلك.
وهذا كله كذب على علي رضي الله عنه وافتراء عليه, فعلى رضي الله عنه
لم يشارك في دم عثمان ولا أمر ولا رضى. وقد روى عنه وهو الصادق البار أنه
قال : والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله. وروى عنه أنه قال :
ما قتلت ولا رضيت. وروى عنه أنه سمع أصحاب معاوية يلعنون قتلة
عثمان, فقال : اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر,
والسهل والجبل. وروى أن أقواما شهدوا عليه بالزور عند أهل الشام أنه شارك
في دم عثمان, وكان هذا مما دعاهم إلى ترك مبايعته لما اعتقدوا أنه
ظالم وأنه من قتلة عثمان, وأنه آوى قتلة عثمان لموافقته لهم على
قتله.
وهذا وأمثاله مما يبين شبهة الذين
قاتلوه, ووجه اجتهادهم في قتاله لكن لا يدل على أنهم كانوا مصيبين في
ترك مبايعته وقتاله, وكون قتلة عثمان من رعيته لا يوجب أنه كان موافقا
لهم, وقد اعتذر بعض الناس عن علي بأنه لم يكن يعرف القتلة
بأعيانهم, أو بأنه كان لا يرى قتل الجماعة بالواحد, أو بأنه لم
يدع عنده ولي الدم دعوى توجب الحكم له. ولا حاجة إلى هذه
الأعذار, بل لم يكن علي مع تفرق الناس عليه متمكنا من قتل قتلة عثمان
إلا بفتنة تزيد الأمر شرا وبلاء, ودفع أفسد الفاسدين بالتزام أدناهما
أولى من العكس لأنهم كانوا عسكرا, وكان لهم قبائل تغضب لهم,
والمباشر منهم للقتل وإن كان قليلا فكان ردؤهم أهل الشوكة, ولولا ذلك
لم يتمكنوا. ولما سار طلحة والزبير إلى البصرة ليقتلوا قتلة
عثمان, قام بسبب ذلك حرب قتل فيها خلق.
وذلك أن الفتن إنما يعرف ما فيها من الشر إذا
أدبرت. فأما إذا أقبلت فإنها تزين, ويظن أن فيها خيرا,
فإذا ذاق الناس ما فيها من الشر والمرارة والبلاء, صار ذلك مبينا لهم
مضرتها وواعظا لهم أن يعودوا في مثلها. كما أنشد بعضهم
الحرب أول ما تكون
فتية
تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا اشتعلت وشب
ضرامها ولت عجوزا غير ذات
حليل
شمطاء ينكر لونها
وتغيرت
مكروهة للشم والتقبيل
والذين دخلوا في الفتنة من الطائفتين لم يعرفوا
ما في القتال من الشر, ولا عرفوا مرارة الفتنة حتى وقعت, وصارت
عبرة لهم ولغيرهم.
ومن استقرأ أحوال
الفتن التي تجري بين المسلمين, تبين له أنه ما دخل فيها أحد فحمد
عاقبة دخوله, لما يحصل له من الضرر في دينه ودنياه, ولهذا كانت من
باب المنهى عنه, والإمساك عنها من المأمور به, الذي قال الله فيه
: ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم
فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)
فقول النبي صلى الله
عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته : تمرق مارقة على حين فرقة من
المسلمين, تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) يدل على أن
عليا وأصحابه أدنى إلى الحق من معاوية وأصحابه, فلا يكون معاوية
وأصحابه في قتالهم لعلي أدنى إلى الحق.
وكذلك حديث عمار بن ياسر : (تقتلك الفئة الباغية), قد رواه مسلم في صحيحه
من غير وجه , ورواه البخاري , لكن في كثير من النسخ لم يذكره تاما. وأما
تأويل من تأوله : أن عليا وأصحابه قتلوه, وأن الباغية الطالبة بدم
عثمان , فهذا من التأويلات الظاهرة الفساد, التي يظهر فسادها
للعامة والخاصة . والحديث ثابت في الصحيحين, وقد صححه أحمد بن حنبل
وغيره من الأئمة, وإن كان قد روى عنه أنه ضعفه, فاخر الأمرين
منه تصحيحه.
قال يعقوب بن شيبة في مسنده في المكيين
في مسند عمار بن ياسر , لما ذكر أخبار عمار : سمعت أحمد بن حنبل سئل
عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في عمار : تقتلك
الفئة الباغية ) فقال أحمد : قتلته الفئة الباغية , كما قال
النبي صلى الله عليه وسلم. وقال : في هذا غير حديث صحيح عن النبي صلى
الله عليه وسلم, وكره أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا.
وقال البخاري في صحيحه : حدثنا مسدد,
حدثنا عبد العزيز بن المختار, حدثنا خالد الحذاء, عن
عكرمة, قال : قال لي ابن عباس ولابنه : انطلقا إلى أبي
سعيد واسمعا من حديثه, فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه, فأخذ
رداءه فاحتبى, ثم أنشأ يحدثنا, حتى أتى على ذكر بناء
المسجد, فقال : كنا نحمل لبنة لبنة, وعمار لبنتين
لبنتين, فراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل
ينفض التراب عنه, ويقول : ( ويح عمار تقتله الفئة الباغية
يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) . قال : يقول عمار :
أعوذ بالله من الفتن.
ورواه البخاري من وجه أخر, عن
عكرمة, عن أبي سعيد الخدري, لكن في كثير من النسخ لا يذكر الحديث
بتمامه, بل فيها : (ويح عمار يدعوهم إلى الجنة
ويدعونه إلى النار) ولكن لا يختلف أهل العلم بالحديث أن هذه
الزيادة هي في الحديث.
قال أبو بكر البيهقي وغيره : قد
رواه غير واحد عن خالد الحذاء, عن عكرمة, عن ابن عباس رضي الله
عنهما. وظن البيهقي وغيره أن البخاري لم يذكر الزيادة, واعتذر
عن ذلك بأن هذه الزيادة لم يسمعها أبو سعيد من النبي صلى الله عليه وسلم
ولكن حدثه بها أصحابه, مثل أبي قتادة.
كما رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة, عن
أبي نضرة, عن أبي سعيد, قال : أخبرني من هو خير
مني : أبو قتادة, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار :
( تقتلك الفئة الباغية ).
وفي حديث داود بن أبي هند, عن أبي
نضرة, عن أبي سعيد, أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : ( تمرق مارقة فتقتلهم أولى الطائفتين بالله). وكان
عمار يحمل لبنتين لبنتين . قال : فلم أسمعه من النبي صلى الله عليه
وسلم, ولكن جئت إلى أصحابي وهم يقولون: إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ويحك ابن سمية تقتلك الفئة الباغية
). رواه مسلم في صحيحه والنسائي وغيرها من حديث ابن
عون, عن الحسن البصري, عن أمه, عن أم سلمه, قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تقتل عمارا الفئة
الباغية ). ورواه أيضا من حديث شعبة, عن خالد, عن سعيد
بن أبي الحسن والحسن, عن أمهما , عن أم سلمه رضي الله عنها وفي بعض
طرقه أنه قال ذلك في حفر الخندق.
وذكر البيهقي وغيره أن هذا غلط.
والصحيح أنه إنما قاله يوم بناء المسجد. وقد قيل : إنه يحتمل أنه
قاله مرتين . وقد روى هذا من وجوه أخرى من حديث عمرو بن العاص وابنه عبد
الله, ومن حديث عثمان بن عفان , ومن حديث عمار نفسه. وأسانيد
هذه مقاربة. وقد روى من وجوه أخرى واهية. وفي الصحيح ما يغنى عن
غيره.
والحديث ثابت صحيح
عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بالحديث, والذين قتلوه هم
الذين باشروا قتله . والحديث أطلق فيه لفظ البغي لم يقيده
بمفعول, كما قال تعالى : ( لا يبغون عنها حولا
) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (
الذين هم فيكم تبع لا يبغون أهلا ولا مالا) .
ولفظ البغي إذا أطلق فهو الظلم,
كما قال تعالى : ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا
التي تبغي ) , وقال : ( فمن اشطر غير باغ
ولا عاد )
وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا
لما كانوا ينقلون اللبن لبناء المسجد, وكانوا ينقلون لبنة لبنة وكان
عمار ينقل لبنتين لبنتين, فقال النبي صلى الله
عليه وسلم : ( ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة
ويدعونه إلى النار ) . وهذا ليس فيه ذم لعمار, بل مدح
له. ولو كان القاتلون له مصيبين في قتله لم يكن مدحا له, وليس
في كونهم يطلبون دم عثمان ما يوجب مدحه .
وكذلك من تأول قاتله بأنهم الطائفة التي
قاتل معها , فتأويله ظاهر الفساد, ويلزمهم ما ألزمهم إياه
على, وهو أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد قتلوا كل من
قتل معهم في الغزو, كحمزة وغيره. وقد يقال : فلان قتل
فلانا, إذا أمره بأمر كان فيه حتفه , ولكن هذا مع القرينة ,لا يقال
عند الإطلاق, بل القاتل عند الإطلاق الذي قتله دون الذي أمره.
ثم هذا يقال لمن أمر غيره, وعمار
لم يأمره أحد بقتال أصحاب معاوية, بل هو كان من أحرص الناس على
قتالهم, وأشدهم رغبة في ذلك, وكان حرصه على ذلك أعظم من حرص
غيره, وكان هو يحض عليا وغيره على قتالهم.
ولهذا لم يذهب أحد من أهل العلم الذين
تذكر مقالاتهم إلى هذا التأويل, بل أهل العلم في هذا الحديث على
ثلاثة أقوال : فطائفة ضعفته لما روى عندها بأسانيد ليست ثابتة
عندهم, ولكن رواه أهل الصحيح : رواه البخاري كما تقدم من حديث
أبي سعيد, ورواه مسلم من غير وجه من حديث الحسن عن أمه عن أم سلمه
رضي الله عنها ومن حديث أبي سعيد عن أبي قتادة وغيره.
ومنهم من قال : هذا دليل على أن
معاوية وأصحابه بغاة, وأن قتال علي لهم قتال أهل العدل لأهل
البغي, لكنهم بغاة متأولون لا يكفرون ولا يفسقون. ولكن يقال ليس في
مجرد كونهم بغاة ما يوجب الأمر بقتالهم, فإن الله لم يأمر بقتال كل
باغ, بل ولا أمر بقتال البغاة ابتداء, ولكن قال : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما
فإن بعث إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن
فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون
إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) , فلم
يأمر بقتال البغاة ابتداء, بل أمر إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن
يصلح بينهما . وهذا يتناول ما إذا كانتا باغيتين أو أحداهما
باغية.
ثم قال : ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء
إلى أمر الله ) وقوله ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي
) , قد يقال : المراد به البغي بعد الإصلاح , ولكن هذا
خلاف ظاهر القران , فإن قوله : ( بغت إحداهما
على الأخرى ) يتناول الطائفتين المقتتلتين, سواء أصلح بينهما
أو لم يصلح. كما أن الأمر بالإصلاح يتناول المقتتلتين مطلقا,
فليس في القران أمر بقتال الباغي ابتداء, لكن أمر إذا أقتلت طائفتان
أن يصلح بينهما, وأنه إن بغت إحداهما على الأخرى بعد القتال أن تقاتل
حتى تفىء. وهذا يكون إذا لم تجب إلى الإصلاح بينهما, وإلا فإذا
أجابت إلى الإصلاح بينهما لم تقاتل, فلو قوتلت ثم فاءت إلى الإصلاح
لم تقاتل, لقوله تعالى : ( فقاتلوا التي
تبغي حتى تفىء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن
الله يحب المقسطين ) , فأمر بعد القتال إلى أن تفىء أن يصلح
بينهما بالعدل وأن يقسط .
وقتال الفتنة لا يقع فيه
هذاا , وذلك قد يكون لأن الله لم يأمر بالقتال ابتداء, ولكن
أمر إذا اقتتلوا وبغت إحداهما على الأخرى بقتال الفئة الباغية , وقد تكون
الآية امرا بالإصلاح وقتال الباغية جميعا لم يأمر بأحدهما, وقد
تكون الطائفة باغية ابتداء, لكن لما بغت أمر بقتالها, وحينئذ
لم يكن المقاتل لها قادرا لعدم الأعوان أو لغير ذلك, وقد يكون عاجزا
ابتداء عن قتال الفئة الباغية, أو عاجزا عن قتال تفىء فيه إلى أمر
الله, فليس كل من كان قادرا على القتال كان قادرا على قتال يفيء فيه
إلى أمر الله, وإذا كان عاجزا عن قتالها حتى تفىء إلى أمر
الله, لم يكن مأمورا بقتالها : لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب,
ولكن قد يظن أنه قادرا على ذلك, فتبين له في أخر الأمر أنه لم يكن
قادرا. فهذا من الاجتهاد الذي يثاب صاحبه على
حسن القصد وفعل ما أمر, وإن أخطأ فيكون له فيه أجر, ليس من
الاجتهاد الذي يكون له في أجران فإن هذا إنما يكون إذا وافق حكم الله في
الباطن.
كما قال النبي صلى
الله عليه و سلم : ( إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد فأصاب فله
أجران ) ومن الاجتهاد أن يكون ولى الأمر أو نائبه مخيرا بين أمرين
فأكثر, تخيير تحر للأصلح, لا تخيير شهوة, كما يخير
الإمام في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء عند أكثر
العلماء.
فإن قوله تعالى : ( فإما منا بعد وإما فداء ), ليس بمنسوخ, وكذلك
تخيير من نزل العدو على حكمه, كما نزل بنو قريظة على حكم النبي صلى
الله عليه وسلم, فسأله حلفاؤهم من الأوس أن يمن عليهم كما من على بني
النضير حلفاء الخزرج, فقال النبي صلى الله عليه
وسلم : ( ألا ترضون أن أحكم فيهم سعد بن معاذ سيد الأوس )
فرضيت الأوس بذلك, فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم خلف سعد بن
معاذ, فجاء وهو راكب, وكان متمرضا من أثر جرح به في المسجد
, وبنو قريظة شرقي المدينة بينهم نصف نهار أو نحو ذلك, فلما
أقبل سعد رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه
وسلم
قوموا إلى سيدكم) فقاموا وأقاربه في الطريق
يسألونه أن يمن عليهم, ويذكرونه بمعاونتهم ونصرهم له في
الجاهلية, فلما دنا قال : لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله
لومة لائم, فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم فيهم, فحكم
بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لقد حكمت
فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات ),والحديث ثابت في الصحيحين .
وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن
بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا حاصرت
أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا
تدري ما حكم الله فيهم ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك ),
فدل هذان الحديثان الصحيحان على أن الله حكما
معينا فيما يكون ولي الأمر مخيرا فيه تخيير مصلحة, وإن كان لو حكم
بغير ذلك نفذ حكمه في الظاهر, فما كان من باب القتال فهو أولى أن يكون أحد
الأمرين أحب إلى الله ورسوله: إما فعله وإما تركه , ويتبين ذلك
بالمصلحة والمفسدة, فما كان وجوده خيرا من عدمه لما حصل فيه من
المصلحة الراجحة في الدين, فهذا مما يأمر الله به أمر إيجاب أو
استحباب, وما كان عدمه خيرا من وجوده, فليس بواجب ولا مستحب ,
وإن كان فاعله مجتهدا مأجورا على اجتهاده.
والقتال إنما يكون لطائفة ممتنعة,
فلو بغت ثم أجابت إلى الصلح بالعدل لم تكن ممتنعة فلم يجز
قتالها. ولو كانت باغية, وقد أمر بقتال الباغية إلى أن تفىء
إلى أمر الله, أي ترجع, ثم قال : (
فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ) , فأمر بالإصلاح بعد قتال
الفئة الباغية كما أمر بالإصلاح إذا اقتتلتا ابتداء, وقد قالت عائشة
رضي الله عنها لما وقعت الفتنة : ترك الناس العمل بهذه الآية. وهو
كما قالت, فإنهما لما اقتتلتا لم يصلح بينهما, ولو قدر أنه
قوتلت الباغية, فلم تقاتل حتى تفىء إلى أمر الله, ثم أصلح
بينهما بالعدل والله تعالى أمر بالقتال إلى الفيء, ثم الإصلاح,
لم يأمر بقتال مجرد, بل قال : ( فقاتلوا
التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله ), وما حصل قتال حتى تفىء إلى أمر
الله, فإن كان ذلك مقدورا فما وقع, وإن كان معجوزا عنه لم يكن
مأمورا به.
وعجز المسلمين يوم أحد عن القتال الذي
يقتضي انتصارهم كان بترك طاعة الرسول وذنوبهم, وكذلك التولى يوم حنين
كان من الذنوب. يبين ذلك أنه لو قدر أن طائفة بغت على طائفة,
وأمكن دفع البغي بلا قتال, لم يجز القتال, فلو اندفع البغي
بوعظ أو فتيا أو أمر بمعروف لم يجز القتال, ولو اندفع البغي بقتل
واحد مقدور عليه, أو إقامة حد أو تعزيز, مثل قطع سارق وقتل
محارب وحد قاذف لم يحز القتال. وكثيرا ما تثور الفتنة إذا ظلم بعض
طائفة لطائفة أخرى, فإذا أمكن استيفاء حق المظلوم بلا قتال لم يجز
القتال.
وليس في الآية أن كل من امتنع من مبايعة
إمام عادل يجب قتاله بمجرد ذلك, وإن سمى باغيا لترك طاعة
الإمام, فليس كل من ترك طاعة الإمام يقاتل.
والصديق قاتل ما نعى الزكاة لكونهم
امتنعوا عن أدائها بالكلية, فقوتلوا بالكتاب والسنة وإلا فلو أقروا
بأدائها وقالوا : لا نؤديها إليك. لم يجز قتالهم عند أكثر العلماء.
وأولئك لم يكونوا كذلك.
ولهذا كان القول الثالث في هذا
الحديث - حديث عمار - إن قاتل عمار طائفة
باغية ( فقط ), ليس لهم أن يقاتلوا عليا, ولا
يمتنعوا عن مبايعته وطاعته, وإن لم يكن على مأمورا بقتالهم,
ولا كان فرضا عليه قتالهم لمجرد امتناعهم عن طاعته, مع كونهم ملتزمين
شرائع الإسلام, وإن كان كل من المقتتلتين متأولين مسلمين
مؤمنين, وكلهم يستغفر لهم ويترحم عليهم, عملا بقوله
تعالى : ( والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا
اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين
امنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ).
يتبع