اخبار الساحة عيون المواقع ساحة الحوار الساحة العربية فارس نت

خـروج مشاهدة الملف تعديل الملف الشخصي عمر عبد السلام

أهلا وسهلا

 [F] الساحة العربية : الساحات  / الساحة الإسلامية  / سلسلة تصحيح الإعتقاد فيما حصل بين الأصحاب ( أقوال و مواقف الأئمة)

المتنبي 10-8-2005 02:05 ارسل دعوة لصديقك لزيارة هذا الموضوعالتوقيت العالمياطبع هذه الصفحه إحفظ الموضوع ارسل رسالة تنبيهية الى المشرف

بسم الله الرحمن الرحيم                                                 الحلقة الأولى

فهذه سلسلة تصحيح الاعتقاد فيما حصل بين الأصحاب ( موقف أئمة أهل السنة و الجماعة ),  خاصة  بموضوع الخلاف الذي دار بعد استشهاد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه  و موقف أئمة أهل السنة و الجماعة منه.

نسأل الله أن يهدينا إلى الصواب فيما نكتب .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية  رحمه الله في  منهاج السنة النبوية ( 2  : 17  وبتصرف )

قال تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ) ,

 وقال تعالى : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فئآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) ,

وقال تعالى : ( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض )   إلى قوله : ( أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ), 

 وقال تعالى لايستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ) ,

 وقال تعالى : ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) ,

وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم .

 روى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر قال : حدثنا عبدالله بن زيد عن طلحة بن مصرف عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال : الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت واحدة فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت ثم قرأ : (  للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا )   هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت ثم قرأ : ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة )  ثم قال :  هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت ثم قرأ : (  والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم )   فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا الله لهم ,

وروى أيضا بإسناده عن مالك بن أنس أنه قال : من سب السلف فليس له في الفئ نصيب لأن الله تعالى يقول : ( والذين جاءوا من بعدهم )  الآية وهذا معروف من مالك وغير مالك من أهل العلم كأبي عبيد القاسم ابن سلام وكذلك ذكره أبو حكيم النهرواني من أصحاب أحمد وغيره من الفقهاء ,

 وروى أيضا عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أمر الله بالإستعفار لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنهم يقتتلون.

 وقال عروة :  قالت لي عائشة رضي الله عنها : يا ابن أختي أمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فسبوهم.

 وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال  رسول الله صلى الله عليه وسلم :      لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه .

 وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر بن عبدالله قال : قيل لعائشة : إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أبا بكر وعمر فقالت : وما تعجبون من هذا انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر .

وروى ابن بطة بالإسناد الصحيح عن عبدالله بن أحمد قال : حدثني أبي حدثنا معاوية حدثنا رجاء عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لا تسبوا أصحاب محمد فإن الله قد أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون .

 ومن طريق أحمد عن عبدالرحمن بن مهدي وطريق غيره عن وكيع وأبي نعيم ثلاثتهم عن الثوري عن نسير بن ذعلوق سمعت عبدالله بن عمر يقول : لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة يعنى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمل أحدكم أربعين سنة .  وفي رواية وكيع :  خير من عبادة أحدكم عمره .

وقال تعالى : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون ءاية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا ) ,    والذين بايعوه تحت الشجرة بالحديبية عند جبل التنعيم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة بايعوه لما صده المشركون عن العمرة ثم صالح المشركين صلح الحديبية المعروف وذلك سنة ست من الهجرة في ذي القعدة ثم رجع بهم إلى المدينة وغزا بهم خيبر ففتحها الله عليهم في أول سنة سبع وقسمها بينهم ومنع الأعراب المتخلفين عن الحديبية من ذلك كما قال الله تعالى : ( سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ) ,

 وقد أخبر سبحانه أنه رضي عنهم وأنه علم ما في قلوبهم وأنه أثابهم فتحا قريبا وهؤلاء هم أعيان من بايع أبا بكر وعمر وعثمان بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن في المسلمين من يتقدم عليهم بل كان المسلمون كلهم يعرفون فضلهم عليهم لأن الله تعالى بين فضلهم في القرآن بقوله تعالى : (  لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى )  , ففضل المنفقين المقاتلين قبل الفتح والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية ولهذا سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أو فتح هو ؟ فقال : نعم . 

 وأهل العلم يعملون أن فيه أنزل الله تعالى : ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا )  فقال بعض المسلمين : يا رسول الله هذا لك فما لنا يا رسول الله فأنزل الله تعالى : ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم )  وهذه الآية نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين المقاتلين بعده ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى : (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة  ولأن القرآن والسنة قد دلا على تقديم أهل الحديبية فوجب أن تفسر هذه الآية بما يوافق سائر النصوص وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين الأولين أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وبايع النبي صلى الله عليه وسلم بيده عن عثمان لأنه كان غائبا قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته وبسببه بايع النبي صلى الله عليه وسلم الناس لما بلغه أنهم قتلوه ,

وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :         لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة .   وقال تعالى : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم )   فجمع بينهم وبين الرسول في التوبة وقال تعالى : ( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا )  إلى قوله ( والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم )  فأثبت الموالاة بينهم وقال للمؤمنين : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) إلى قوله : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) وقال  : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض )  فأثبت الموالاة بينهم وأمر بموالاتهم والرافضة تتبرأ منهم ولا تتولاهم وأصل الموالاة المحبة وأصل المعاداة البغض وهم يبغضونهم ولا يحبونهم.



Earliest MessagesPrevious MessagesAll MessagesOutline (2 المواضيع السابقة)
  المتنبي 10-8-2005 02:45 3. ارسل رسالة تنبيهية الى المشرف إحفظ الموضوع  

مازال لهذه السلسلة حلقات قادمة .

نسأل الله تعالى الإعانة على تكملة هذه السلسلة بفضله وكرمه.

  المتنبي 11-8-2005 03:28 4. ارسل رسالة تنبيهية الى المشرف إحفظ الموضوع  

بسم الله  الرحمن الرحيم                                          الحلقة  الرابعة

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المنهاج ( 4 : 532) :

أن الإصلاح  بين الطائفتين كان محبوبا ممدوحا يحبه الله ورسوله وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله , ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

 ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يثن النبي صلى الله عليه وسلم على أحد بترك واجب أو مستحب.  ولهذا لم يثن النبي صلى الله عليه وسلم على أحد بما جرى من القتال يوم الجمل وصفين فضلا عما جرى في المدينة يوم الحرة وما جرى بمكة في حصار ابن الزبير, وما جرى في فتنة ابن الأشعث وابن المهلب وغير ذلك من الفتن.

 ولكن تواتر عنه أنه أمر بقتال الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنهروان بعد خروجهم عليه بحروراء, فهؤلاء استفاضت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر بقتالهم,  ولما قاتلهم علي رضي الله عنه فرح بقتالهم,  وروى الحديث فيهم.

 واتفق الصحابة على قتال هؤلاء,  وكذلك أئمة أهل العلم بعدهم لم يكن هذا القتال عندهم كقتال أهل الجمل وصفين وغيرهما مما لم يأت فيه نص ولا إجماع,  ولا حمده أفاضل الداخلين فيه,  بل ندموا عليه ورجعوا عنه.

 

وقال ابن تيمية أيضا في المنهاج  (  4 :  405 ) :

وأما الحديث الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمار :  تقتلك الفئة الباغية.  فبعضهم ضعفه وبعضهم تأوله.  فقال بعضهم معناه : الطالبة لدم عثمان رضي الله عنه كما قالوا : نبغي ابن عفان بأطراف الأسل.  وبعضهم قال : ما يروى عن معاوية رضي الله عنه أنه قال لما ذكر له هذا الحديث : أو نحن قتلناه ؟ إنما قتله علي وأصحابه حيث ألقوه بين أسيافنا.

 وروى عن علي رضي الله عنه أنه ذكر له هذا التأويل,  فقال :  فرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يكونون حينئذ قد قتلوا حمزة وأصحابه يوم أحد,  لأنه قاتل معهم المشركين.

  وهذا القول لا أعلم له قائلا من أصحاب الأئمة الأربعة ونحوهم من أهل السنة,  ولكن هو قول كثير من المروانية,  ومن وافقهم ومن هؤلاء من يقول:  إن عليا شارك في دم عثمان, فمنهم من يقول : إنه أمر علانية , ومنهم من يقول : إنه أمر سرا ومنهم من يقول : بل رضى بقتله وفرح بذلك, ومنهم من يقول غير ذلك.  وهذا كله كذب على علي رضي الله عنه وافتراء عليه,  فعلى رضي الله عنه لم يشارك في دم عثمان ولا أمر ولا رضى. وقد روى عنه وهو الصادق البار أنه قال : والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله.  وروى عنه أنه قال : ما قتلت ولا رضيت.  وروى عنه أنه سمع أصحاب معاوية يلعنون قتلة عثمان,  فقال :  اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر,  والسهل والجبل. وروى أن أقواما شهدوا عليه بالزور عند أهل الشام أنه شارك في دم عثمان,  وكان هذا مما دعاهم إلى ترك مبايعته لما اعتقدوا أنه ظالم وأنه من قتلة عثمان,  وأنه آوى قتلة عثمان لموافقته لهم على قتله.

  وهذا وأمثاله مما يبين شبهة الذين قاتلوه,  ووجه اجتهادهم في قتاله لكن لا يدل على أنهم كانوا مصيبين في ترك مبايعته وقتاله, وكون قتلة عثمان من رعيته لا يوجب أنه كان موافقا لهم,  وقد اعتذر بعض الناس عن علي بأنه لم يكن يعرف القتلة بأعيانهم,  أو بأنه كان لا يرى قتل الجماعة بالواحد,  أو بأنه لم يدع عنده ولي الدم دعوى توجب الحكم له.   ولا حاجة إلى هذه الأعذار,  بل لم يكن علي مع تفرق الناس عليه متمكنا من قتل قتلة عثمان إلا بفتنة تزيد الأمر شرا وبلاء,  ودفع أفسد الفاسدين بالتزام أدناهما أولى من العكس لأنهم كانوا عسكرا,  وكان لهم قبائل تغضب لهم,  والمباشر منهم للقتل وإن كان قليلا فكان ردؤهم أهل الشوكة,  ولولا ذلك لم يتمكنوا.  ولما سار طلحة والزبير إلى البصرة ليقتلوا قتلة عثمان,  قام بسبب ذلك حرب قتل فيها خلق.

وذلك أن الفتن إنما يعرف ما فيها من الشر إذا أدبرت.  فأما إذا أقبلت فإنها تزين,  ويظن أن فيها خيرا,  فإذا ذاق الناس ما فيها من الشر والمرارة والبلاء,  صار ذلك مبينا لهم مضرتها وواعظا لهم أن يعودوا في مثلها.  كما أنشد بعضهم

            الحرب أول ما تكون فتية                 تسعى بزينتها لكل جهول

             حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها         ولت عجوزا غير ذات حليل

             شمطاء ينكر لونها وتغيرت             مكروهة للشم والتقبيل

والذين دخلوا في الفتنة من الطائفتين لم يعرفوا ما في القتال من الشر,  ولا عرفوا مرارة الفتنة حتى وقعت,  وصارت عبرة لهم ولغيرهم.

 ومن استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين,  تبين له أنه ما دخل فيها أحد فحمد عاقبة دخوله,  لما يحصل له من الضرر في دينه ودنياه, ولهذا كانت من باب المنهى عنه, والإمساك عنها من المأمور به, الذي قال الله فيه : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)

 فقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته : تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين,  تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق)  يدل على أن عليا وأصحابه أدنى إلى الحق من معاوية وأصحابه,  فلا يكون معاوية وأصحابه في قتالهم لعلي أدنى إلى الحق.

 وكذلك حديث عمار بن ياسر : (تقتلك الفئة الباغية),  قد رواه مسلم في صحيحه من غير وجه , ورواه البخاري , لكن في كثير من النسخ لم يذكره تاما. وأما تأويل من تأوله : أن عليا وأصحابه قتلوه,  وأن الباغية الطالبة بدم عثمان ,  فهذا من التأويلات الظاهرة الفساد,  التي يظهر فسادها للعامة والخاصة . والحديث ثابت في الصحيحين,  وقد صححه أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة,  وإن كان قد روى عنه أنه ضعفه,  فاخر الأمرين منه تصحيحه.

 قال يعقوب بن شيبة في مسنده في المكيين في مسند عمار بن ياسر , لما ذكر أخبار عمار :  سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في عمار : تقتلك الفئة الباغية ) فقال أحمد :  قتلته الفئة الباغية , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.  وقال : في هذا غير حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم,  وكره أن يتكلم في هذا بأكثر من هذا.

 وقال البخاري في صحيحه : حدثنا مسدد, حدثنا عبد العزيز بن المختار,  حدثنا خالد الحذاء,  عن عكرمة,  قال :   قال لي ابن عباس ولابنه : انطلقا إلى أبي سعيد واسمعا من حديثه,  فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه,  فأخذ رداءه فاحتبى,  ثم أنشأ يحدثنا,  حتى أتى على ذكر بناء المسجد,  فقال :  كنا نحمل لبنة لبنة,  وعمار لبنتين لبنتين,  فراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ينفض التراب عنه,  ويقول : (  ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) . قال :  يقول عمار : أعوذ بالله من الفتن.

 ورواه البخاري من وجه أخر,  عن عكرمة, عن أبي سعيد الخدري,  لكن في كثير من النسخ لا يذكر الحديث بتمامه,  بل فيها : (ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)  ولكن لا يختلف أهل العلم بالحديث أن هذه الزيادة هي في الحديث.

 قال أبو بكر البيهقي وغيره :  قد رواه غير واحد عن خالد الحذاء,  عن عكرمة,  عن ابن عباس رضي الله عنهما.  وظن البيهقي وغيره أن البخاري لم يذكر الزيادة,  واعتذر عن ذلك بأن هذه الزيادة لم يسمعها أبو سعيد من النبي صلى الله عليه وسلم ولكن حدثه بها أصحابه,  مثل أبي قتادة.

 كما رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة, عن أبي نضرة,  عن أبي سعيد,  قال :  أخبرني من هو خير مني  : أبو قتادة,  أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار : ( تقتلك الفئة الباغية ).

 وفي حديث داود بن أبي هند,  عن أبي نضرة,  عن أبي سعيد,  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تمرق مارقة فتقتلهم أولى الطائفتين بالله). وكان عمار يحمل لبنتين لبنتين . قال : فلم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم,  ولكن جئت إلى أصحابي وهم يقولون:  إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ويحك ابن سمية تقتلك الفئة الباغية ).  رواه مسلم في صحيحه والنسائي وغيرها من حديث ابن عون,  عن الحسن البصري,  عن أمه, عن أم سلمه,  قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تقتل عمارا الفئة الباغية ). ورواه أيضا من حديث شعبة,  عن خالد,  عن سعيد بن أبي الحسن والحسن,  عن أمهما , عن أم سلمه رضي الله عنها وفي بعض طرقه أنه قال ذلك في حفر الخندق.

 وذكر البيهقي وغيره أن هذا غلط.  والصحيح أنه إنما قاله يوم بناء المسجد.  وقد قيل : إنه يحتمل أنه قاله مرتين . وقد روى هذا من وجوه أخرى من حديث عمرو بن العاص وابنه عبد الله,  ومن حديث عثمان بن عفان , ومن حديث عمار نفسه.  وأسانيد هذه مقاربة.  وقد روى من وجوه أخرى واهية. وفي الصحيح ما يغنى عن غيره.

 والحديث ثابت صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بالحديث,  والذين قتلوه هم الذين باشروا قتله .  والحديث أطلق فيه لفظ البغي لم يقيده بمفعول,  كما قال تعالى : ( لا يبغون عنها حولا ) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (  الذين هم فيكم تبع لا يبغون أهلا ولا مالا) .

 ولفظ البغي إذا أطلق فهو الظلم,  كما قال تعالى : ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي ) , وقال  : ( فمن اشطر غير باغ ولا عاد )  

وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا لما كانوا ينقلون اللبن لبناء المسجد,  وكانوا ينقلون لبنة لبنة وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين,  فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (  ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) . وهذا ليس فيه ذم لعمار,  بل مدح له.  ولو كان القاتلون له مصيبين في قتله لم يكن مدحا له,  وليس في كونهم يطلبون دم عثمان ما يوجب مدحه .

 وكذلك من تأول قاتله بأنهم الطائفة التي قاتل معها ,  فتأويله ظاهر الفساد,  ويلزمهم ما ألزمهم إياه على,  وهو أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد قتلوا كل من قتل معهم في الغزو,  كحمزة وغيره.  وقد يقال :  فلان قتل فلانا,  إذا أمره بأمر كان فيه حتفه , ولكن هذا مع القرينة ,لا يقال عند الإطلاق,  بل القاتل عند الإطلاق الذي قتله دون الذي أمره.

 ثم هذا يقال لمن أمر غيره,  وعمار لم يأمره أحد بقتال أصحاب معاوية,  بل هو كان من أحرص الناس على قتالهم,  وأشدهم رغبة في ذلك,  وكان حرصه على ذلك أعظم من حرص غيره,  وكان هو يحض عليا وغيره على قتالهم.

 ولهذا لم يذهب أحد من أهل العلم الذين تذكر مقالاتهم إلى هذا التأويل,  بل أهل العلم في هذا الحديث على ثلاثة أقوال :  فطائفة ضعفته لما روى عندها بأسانيد ليست ثابتة عندهم,  ولكن رواه أهل  الصحيح : رواه البخاري كما تقدم من حديث أبي سعيد,  ورواه مسلم من غير وجه من حديث الحسن عن أمه عن أم سلمه رضي الله عنها ومن حديث أبي سعيد عن أبي قتادة وغيره.

 ومنهم من قال :  هذا دليل على أن معاوية وأصحابه بغاة,  وأن قتال علي لهم قتال أهل العدل لأهل البغي,  لكنهم بغاة متأولون لا يكفرون ولا يفسقون. ولكن يقال ليس في مجرد كونهم بغاة ما يوجب الأمر بقتالهم,  فإن الله لم يأمر بقتال كل باغ,  بل ولا أمر بقتال البغاة ابتداء,  ولكن قال : (  وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بعث إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) ,  فلم يأمر بقتال البغاة ابتداء,  بل أمر إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين أن يصلح بينهما .  وهذا يتناول ما إذا كانتا باغيتين أو أحداهما باغية.

 ثم قال  : ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله ) وقوله (  فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي ) ,  قد يقال : المراد به البغي بعد الإصلاح ,  ولكن هذا خلاف ظاهر القران ,  فإن قوله : ( بغت إحداهما على الأخرى ) يتناول الطائفتين المقتتلتين,  سواء أصلح بينهما أو لم يصلح.  كما أن الأمر بالإصلاح يتناول المقتتلتين مطلقا,  فليس في القران أمر بقتال الباغي ابتداء,  لكن أمر إذا أقتلت طائفتان أن يصلح بينهما,  وأنه إن بغت إحداهما على الأخرى بعد القتال أن تقاتل حتى تفىء.  وهذا يكون إذا لم تجب إلى الإصلاح بينهما,  وإلا فإذا أجابت إلى الإصلاح بينهما لم تقاتل,  فلو قوتلت ثم فاءت إلى الإصلاح لم تقاتل,  لقوله تعالى  : ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ) ,  فأمر بعد القتال إلى أن تفىء أن يصلح بينهما بالعدل وأن يقسط .

وقتال الفتنة لا يقع فيه هذاا , وذلك قد يكون لأن الله لم يأمر بالقتال ابتداء,  ولكن أمر إذا اقتتلوا وبغت إحداهما على الأخرى بقتال الفئة الباغية , وقد تكون الآية امرا بالإصلاح وقتال الباغية جميعا لم يأمر بأحدهما,   وقد تكون الطائفة باغية ابتداء,  لكن لما بغت أمر بقتالها,  وحينئذ لم يكن المقاتل لها قادرا لعدم الأعوان أو لغير ذلك,  وقد يكون عاجزا ابتداء عن قتال الفئة الباغية,  أو عاجزا عن قتال تفىء فيه إلى أمر الله,  فليس كل من كان قادرا على القتال كان قادرا على قتال يفيء فيه إلى أمر الله,  وإذا كان عاجزا عن قتالها حتى تفىء إلى أمر الله,  لم يكن مأمورا بقتالها : لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب,  ولكن قد يظن أنه قادرا على ذلك,  فتبين له في أخر الأمر أنه لم يكن قادرا.  فهذا من الاجتهاد الذي يثاب صاحبه على حسن القصد وفعل ما أمر,  وإن أخطأ فيكون له فيه أجر,  ليس من الاجتهاد الذي يكون له في أجران فإن هذا إنما يكون إذا وافق حكم الله في الباطن.

 كما قال النبي صلى الله عليه و سلم : ( إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد فأصاب فله أجران ) ومن الاجتهاد أن يكون ولى الأمر أو نائبه مخيرا بين أمرين فأكثر,  تخيير تحر للأصلح,  لا تخيير شهوة,  كما يخير الإمام في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء عند أكثر العلماء.

 فإن قوله تعالى  : ( فإما منا بعد وإما فداء ), ليس بمنسوخ,  وكذلك تخيير من نزل العدو على حكمه,  كما نزل بنو قريظة على حكم النبي صلى الله عليه وسلم,  فسأله حلفاؤهم من الأوس أن يمن عليهم كما من على بني النضير حلفاء الخزرج,  فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا ترضون أن أحكم فيهم سعد بن معاذ سيد الأوس )  فرضيت الأوس بذلك,  فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم خلف سعد بن معاذ,  فجاء وهو راكب,  وكان متمرضا من أثر جرح به في المسجد ,  وبنو قريظة شرقي المدينة بينهم نصف نهار أو نحو ذلك,  فلما أقبل سعد رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم قوموا إلى سيدكم) فقاموا وأقاربه في الطريق يسألونه أن يمن عليهم,  ويذكرونه بمعاونتهم ونصرهم له في الجاهلية,  فلما دنا قال :  لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم,  فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم فيهم,  فحكم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم.  فقال النبي صلى الله عليه وسلم  : ( لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات ),والحديث ثابت في الصحيحين .

وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك )

فدل هذان الحديثان الصحيحان على أن الله حكما معينا فيما يكون ولي الأمر مخيرا فيه تخيير مصلحة,  وإن كان لو حكم بغير ذلك نفذ حكمه في الظاهر, فما كان من باب القتال فهو أولى أن يكون أحد الأمرين أحب إلى الله ورسوله:  إما فعله وإما تركه , ويتبين ذلك بالمصلحة والمفسدة,  فما كان وجوده خيرا من عدمه لما حصل فيه من المصلحة الراجحة في الدين,  فهذا مما يأمر الله به أمر إيجاب أو استحباب,  وما كان عدمه خيرا من وجوده,  فليس بواجب ولا مستحب , وإن كان فاعله مجتهدا مأجورا على اجتهاده.

 والقتال إنما يكون لطائفة ممتنعة,  فلو بغت ثم أجابت إلى الصلح  بالعدل لم تكن ممتنعة فلم يجز قتالها.  ولو كانت باغية,  وقد أمر بقتال الباغية إلى أن تفىء إلى أمر الله,  أي ترجع,  ثم قال  : ( فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ) ,  فأمر بالإصلاح بعد قتال الفئة الباغية كما أمر بالإصلاح إذا اقتتلتا ابتداء,  وقد قالت عائشة رضي الله عنها لما وقعت الفتنة : ترك الناس العمل بهذه الآية.  وهو كما قالت,  فإنهما لما اقتتلتا لم يصلح بينهما,  ولو قدر أنه قوتلت الباغية,  فلم تقاتل حتى تفىء إلى أمر الله,  ثم أصلح بينهما بالعدل والله تعالى أمر بالقتال إلى الفيء,  ثم الإصلاح,  لم يأمر بقتال مجرد,  بل قال : (  فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله ), وما حصل قتال حتى تفىء إلى أمر الله,  فإن كان ذلك مقدورا فما وقع,  وإن كان معجوزا عنه لم يكن مأمورا به.

 وعجز المسلمين يوم أحد عن القتال الذي يقتضي انتصارهم كان بترك طاعة الرسول وذنوبهم,  وكذلك التولى يوم حنين كان من الذنوب.  يبين ذلك أنه لو قدر أن طائفة بغت على طائفة,  وأمكن دفع البغي بلا قتال,  لم يجز القتال,  فلو اندفع البغي بوعظ أو فتيا أو أمر بمعروف لم يجز القتال,  ولو اندفع البغي بقتل واحد مقدور عليه,  أو إقامة حد أو تعزيز,  مثل قطع سارق وقتل محارب وحد قاذف لم يحز القتال.  وكثيرا ما تثور الفتنة إذا ظلم بعض طائفة لطائفة أخرى,  فإذا أمكن استيفاء حق المظلوم بلا قتال لم يجز القتال.

 وليس في الآية أن كل من امتنع من مبايعة إمام عادل يجب قتاله بمجرد ذلك,  وإن سمى باغيا لترك طاعة الإمام,  فليس كل من ترك طاعة الإمام يقاتل.

 والصديق قاتل ما نعى الزكاة لكونهم امتنعوا عن أدائها بالكلية,  فقوتلوا بالكتاب والسنة وإلا فلو أقروا بأدائها وقالوا : لا نؤديها إليك.  لم يجز قتالهم عند أكثر العلماء. وأولئك لم يكونوا كذلك.

  ولهذا كان القول الثالث في هذا الحديث  - حديث عمار -  إن قاتل عمار طائفة باغية  ( فقط ),  ليس لهم أن يقاتلوا عليا,  ولا يمتنعوا عن مبايعته وطاعته,  وإن لم يكن على مأمورا بقتالهم,  ولا كان فرضا عليه قتالهم لمجرد امتناعهم عن طاعته,  مع كونهم ملتزمين شرائع الإسلام,  وإن كان كل من المقتتلتين متأولين مسلمين مؤمنين,  وكلهم يستغفر لهم ويترحم عليهم,  عملا بقوله تعالى  : ( والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين امنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ).

 

يتبع

 


  كرة 11-8-2005 17:42 5. ارسل رسالة تنبيهية الى المشرف إحفظ الموضوع  

أحسن الله إليك وبارك الله فيك ، وقد وقع الكثير في الزلل تجاه الصحابة ، بسبب عدم الانضباط واتباع مذهب السلف في هذا الأمر.


َقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: "مَا اِبْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا اِسْتَحَلُّوا فِيهَا اَلسَّيْفَ" ، لمراسلتي http://korah.arabform.com
  الرحالة 12-8-2005 04:52 6. ارسل رسالة تنبيهية الى المشرف إحفظ الموضوع  

جزاك الله خيراً أخي المتنبي على هذا الجهد .. وعلى هذا المقال الطيب ..


قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى : (تقربوا إلى الله ببغض أهل الإرجاء فإنه من أوثق الأعمال عندنا)
  المتنبي 13-8-2005 01:07 7. ارسل رسالة تنبيهية الى المشرف إحفظ الموضوع  

بسم الله الرحمن الرحيم                                     الحلقة الخامسة

قال شيخ الإسلام في المنهاج (4 : 447  :

  أقتتل المعسكران :  عسكر علي ومعاوية بصفين,  ولم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء,  بل كان من أشد الناس حرصا على أن لا يكون قتال,  وكان غيره أحرص على القتال منه.  وقتال صفين للناس فيه  أقوال :  فمنهم من يقول : كلاهما كان مجتهدا مصيبا,  كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام والفقه والحديث ممن يقول :  كل مجتهد مصيب ويقول: كانا مجتهدين وهذا قول كثير من الأشعري والكرامية والفقهاء وغيرهم وهو قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم وتقول الكرامية كلاهما إمام مصيب ويجوز نصب إمامين للحاجة.

 ومنهم من يقول : بل المصيب أحدهما لا بعينه وهذا قول طائفة منهم.

 ومنهم من يقول : على هو المصيب وحده ومعاوية مجتهد مخطئ كما يقول ذلك طوائف من أهل الكلام والفقهاء أهل المذاهب الأربعة.

  وقد حكى هذه الأقوال الثلاثة أبو عبد الله بن حامد عن أصحاب أحمد وغيرهم .

ومنهم من يقول :  كان الصواب أن لا يكون قتال, وكان ترك القتال خيرا للطائفتين, فليس في الاقتتال صواب, ولكن على كان أقرب إلى الحق من معاوية,  والقتال قتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب,  وكان ترك القتال خيرا للطائفتين, مع أن عليا كان أولى بالحق.    وهذا هو قول أحمد وأكثر أهل الحديث وأكثر أئمة الفقهاء, وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان,  وهو قول عمران بن حصين رضي الله عنه وكان ينهى عن بيع السلاح في ذلك القتال, ويقول: هو بيع السلاح في الفتنة,  وهو قول أسامة بن زيد,  ومحمد بن مسلمة, وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وأكثر من بقى من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم,

 ولهذا كان من مذاهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة, فإنه قد ثبتت فضائلهم ووجبت موالاتهم ومحبتهم, وما وقع منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان,  ومنه ما تاب صاحبه منه,  ومنه ما يكن مغفورا,  فالخوض فيما شجر يوقع في نفوس كثير من الناس بغضا وذما,  ويكون هو في ذلك مخطئا,  بل عاصيا,  فيضر نفسه ومن خاض معه في ذلك,  كما جرى لأكثر من تكلم في ذلك,  فإنهم تكلموا بكلام لا يحبه الله ولا رسوله :  إما من ذم من لا يستحق الذم,  وإما من مدح أمور لا تستحق المدح. 

ولهذا كان الإمساك طريقة أفاضل السلف.  وأما غير هؤلاء فمنهم من يقول : كان معاوية فاسقا دون علي,  كما يقوله بعض المعتزلة.  ومنهم من يقول : بل كان كافرا,  كما يقوله بعض الرافضة.  ومنهم من يقول : كلاهما كافر :  على ومعاوية,  كما يقوله الخوارج.  ومنهم من يقول :  فسق أحدهما لا بعينه :  كما يقوله بعض المعتزلة.  ومنهم من يقول: بل معاوية على الحق وعلى كان ظالما, كما تقوله المروانية.

 والكتاب والسنة قد دل على أن الطائفتين مسلمون, وأن ترك القتال كان خيرا من وجوده.  قال تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ) , فسماهم مؤمنين إخوة مع وجود الاقتتال والبغي.

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق ) ,  وهؤلاء المارقة مرقوا على علي,  فدل على أن طائفته أقرب إلى الحق من طائفة معاوية.

 وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (  إن ابني هذا سيد وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين ), فأصلح الله به بين أصحاب علي وأصحاب معاوية,  فمدح النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بالإصلاح بينهما وسماهما مؤمنين,  وهذا يدل على أن الإصلاح بينهما هو المحمود ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يكن تركه محمودا.

 وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي من يستشرف لها تستشرفه ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به ) , أخرجاه في الصحيحين.

 وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يوشك أن يكون خير مال المسلم غم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن ).

 وفي الصحيح عن أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنه قال إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كمواقع القطر.

 والذين رووا أحاديث القعود في الفتنة والتحذير منها كسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وأسامة بن زيد لم يقاتلوا لا مع على ولا مع معاوية.

 وقال حذيفة رضي الله عنه :  ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ي: ( قول له لا تضرك الفتنة ) .

وعن ثعلبه بن ضبيعة قال : دخلنا على حذيفة فقال :  إني لأعرف رجلا لا تضره الفتنة شيئا فخرجنا فإذا فسطاط مضروب فدخلنا فإذا فيه محمد بن مسلمة فسألناه عن ذلك فقال : ما أريد أن يشتمل علي شيء من أمصارهم حتى تنجلي عما انجلت , رواهما أبو داود.

 

وقال رحمه الله في المنهاج ( 4 : 466 ) :

والله تعالى لم يأمر بقتال الباغي ابتداء,  وليس مجرد البغي مبيحا للقتال بل قال تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما )  فأمر بالإصلاح عند الاقتتال ثم قال : ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفىء إلى أمر الله ),  وهذا بغي بعد الاقتتال,  فإنه بغي إحدى الطائفتين المقتتلتين لا بغي بدون الاقتتال,  فالبغي المجرد لا يبيح القتال,  مع أن الذي في الحديث أن عمارا تقتله الفئة الباغية,  قد تكون الفئة التي باشرت قتله هم البغاة لكونهم قاتلوا لغير حاجة إلى القتال أو لغير ذلك,  وقد تكون غير بغاة قبل القتال,  لكن لما اقتتلتا بغينا, وحينئذ قتل عمارا الفئة الباغية,  فليس في الحديث ما يدل علي أن البغي كان منا قبل القتال,  ولما بغينا كان عسكر علي متخاذلا لم يقاتلنا.  ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها ترك الناس العمل بهذا الآية.

والذين قتلوا من الطائفتين قتل هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء وأكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا عليا ولا معاوية,  وكان علي ومعاوية رضي الله عنهما أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين,  لكن غلبا فيما وقع,  والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء نارها ,وكان في العسكرين مثل الأشتر النخعي وهاشم بن عتبة المرقال وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد وأبي الأعور السلمي ونحوهم من المحرضين على القتال . وقتال الفتنة مثل قتال الجاهلية لا تنضبط مقاصد أهله واعتقاداتهم.

 

وقال رحمه الله في المنهاج ( 4 : 498 ) :

  وقال أبو داوود في سننه :  حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الهذلي< حدثنا ابن علية عن يونس عن الحسن عن قيس بن عباد قال :  قلت لعلي رضي الله عنه : أخبرنا عن مسيرك هذا : أعهد عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أم رأى رأيته ؟  قال ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ولكنه رأى رأيته .

وفي سنن ابن ماجه قال : حدثنا محمد بن بشار , قال : حدثنا صفوان بن عيسى , حدثنا عبدالله بن عبيد مؤذن مسجد جردان , قال : حدثتني عديسة بنت أهبان , قالت : لما جاء علي بن أبي طالب ههنا, البصرة , دخل على أبي فقال : يا أبا مسلم ألا تعينني على هؤلاء القوم؟ قال : بلى , قال : فدعا جارية له فقال : يا جارية أخرجي سيفي , قال : فأخرجته فسل منه قدر شبر, فإذا هو خشب, فقال : إن خليلي وابن عمك صلى الله عليه وسلم عهد إلي : ( إذا كانت الفتنة بين المسلمين, فاتخذ سيفا من خشب ) , فإن شئت خرجت معك , قال : لا حاجة لي فيك ولا في سيفك.

 

وقال رحمه الله في المنهاج ( 4 : 501 ) :

  وأعلم أن طائفة من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد جعلوا قتال مانعي الزكاة وقتال الخوارج جميعا من قتال البغاة, وجعلوا قتال الجمل وصفين من هذا الباب.  وهذا القول خطأ مخالف لقول الأئمة الكبار وهو خلاف نص مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من أئمة السلف, ومخالف للسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم, فإن الخوارج أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم, واتفق على ذلك الصحابة,  وأما القتال بالجمل وصفين فهو قتال فتنة, وليس فيه أمر من الله ورسوله ولا إجماع من الصحابة.  وأما قتال مانعي الزكاة إذا كانوا ممتنعين عن أدائها بالكلية, أو عن الإقرار بها, فهو أعظم من قتال الخوارج.

 وأهل صفين لم يبدؤوا عليا بالقتال,  وأبو حنيفة وغيره ولا يجوزون قال البغاة إلا أن يبدؤوا الإمام بالقتال, وكذلك أحمد وأبو حنيفة ومالك لا يجوزون قتال من قام بالواجب إذا كانت طائفة ممتنعة قالت : لا نؤدي زكاتنا إلى فلان,  فيجب الفرق بين قتال المرتدين وقتال الخوارج المارقين.

 وأما قتال البغاة المذكورين في القران فنوع ثالث غير هذا وهذا ,فإن الله تعالى لم يأمر بقتال البغاة ابتداء, بل أمر إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين بالإصلاح بينهما,  وليس هذا حكم المرتدين ولا حكم الخوارج,  والقتال يوم الجمل وصفين فيه نزاع :  هل هو من باب قتال البغاة المأمور به في القران؟  أو هو قتال فتنة القاعد فيه خير من القائم,  فالقاعدون من الصحابة وجمهور أهل الحديث والسنة وأئمة الفقهاء بعدهم يقولون : هو قتال فتنة,  ليس هو قتال البغاة المأمور به في القران,  فإن الله لم يأمر بقتال المؤمنين البغاة ابتداء لمجرد بغيهم,  بل إنما أمر إذا اقتتل المؤمنون بالإصلاح بينهم.

 وقوله : ( فإن بغت إحداهما على الأخرى ),  ويعود الضمير فيه إلى الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين, لا يعود إلى طائفة مؤمنة لم تقاتل.  فالتقدير : فإن بغت أحدى الطائفتين المؤمنتين المقتتلتين على الأخرى فقاتلوا الباغية حتى تفىء إلى أمر الله,  فمتى كانت طائفة باغية ولم تقاتل لم يكن في الآية أمر بقتالها.

 ثم إن كان قوله : ( فإن بغت إحداهما على الأخرى ), بعد الإصلاح فهو أوكد, وإن كان بعد الاقتتال حصل المقصود. وحينئذ فأصحاب معاوية إن كانوا قد بغوا قبل القتال لكونهم لم يبايعوا عليا, فليس في الآية الأمر بقتال من بغى ولم يقاتل.  وإن كان بغيهم بعد الاقتتال والإصلاح وجب قتالهم,  لكن هذا لم يوجد,  فإن أحدا لم يصلح بينهما.

 ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها هذه الآية : ترك الناس العمل بها,   يعني إن ذاك .

وإن كان بغيهم بعد الاقتتال وقبل الإصلاح, فهنا إذا قيل بجواز القتال, فهذا القدر إنما حصل في أثناء القتال.  وحينئذ فشل أصحاب علي ونكلوا عن القتال لما رفعوا المصاحف. ففي الحال التي أمر بقتالهم فيها لم يقاتلوهم,  وفي الحال التي قاتلوهم لم يكن قتالهم مأمورا به.

 وفي الجملة فالبحث في هذه الدقائق من وظيفة خواص أهل العلم,  بخلاف الكلام في تكفيرهم فإن هذا أمر يعلم فساده الخاصة والعامة بالدلائل الكثيرة

 

وقال رحمه الله في المنهاج ( 4 : 535 ) :

 وهذان اللذان جمع بينهما في محبته, ( أي الحسن و أسامة , ودعا الله لهما بالمحبة, وكان يعرف حبه لكل واحد منهما منفردا , لم يكن رأيهما القتال في تلك الحروب, بل أسامة قعد عن القتال يوم صفين : لم يقاتل مع هؤلاء ولا مع هؤلاء.  وكذلك الحسن كان دائما يشير على أبيه وأخيه بترك القتال,  ولما صار الأمر إليه ترك القتال,  وأصلح الله به بين الطائفتين المقتتلتين.

 وعلي رضي الله عنه في آخر الأمر تبين له أن المصلحة في ترك القتال أعظم منها في فعله.

 وكذلك الحسين رضي الله عنه لم يقتل إلا مظلوما شهيدا,  تاركا لطلب الإمارة,  طالبا للرجوع : إما إلى بلده أو إلى الثغر,  أو إلى المتولي على الناس يزيد.

 

وقال رحمه الله في المنهاج ( 6 : 205 ) :

 والذي قتل عمار بن ياسر هو أبو الغادية ( قال ابن معين و البخاري وأبو حاتم ومسلم : له صحبة. وهو قاتل عمار بن ياسر ) ,  وقد قيل : إنه من أهل بيعة الرضوان,  ذكر ذلك ابن حزم.

 فنحن نشهد لعمار بالجنة,  ولقاتله إن كان من أهل بيعة الرضوان بالجنة, وأما عثمان وعلي وطلحة والزبير فهم أجل قدرا من غيرهم,  ولو كان منهم ما كان , فنحن لا نشهد أن الواحد من هؤلاء لا يذنب , بل الذي نشهد به أن الواحد من هؤلاء إذا أذنب,  فإن الله لا يعذبه في الآخرة,  ولا يدخله النار,  بل يدخله الجنة بلا ريب,  وعقوبة الآخر تزول عنه :  إما بتوبة منه, وأما بحسناته الكثيرة,  وإما بمصائبه المكفرة وأما بغير ذلك .

 

وقال رحمه الله أيضا في المنهاج ( 6 : 208 ) : 

وكذلك عائشة رضي الله عنها ندمت على مسيرها إلى البصرة,  وكانت إذا ذكرته تبكي حتى تبل خمارها.

 وكذلك طلحة ندم على ما ظن من تفريطه في نصر عثمان وعلي غير ذلك.  والزبير ندم على مسيره يوم الجمل.

  وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ندم على أمور فعلها من القتال وغيره,  وكان يقول  :

            لقد عجزت عجزة لا أعتذر                 سوف أكيس بعدها وأستمر

                                وأجمع الرأي الشتيت المنتشر

 وكان يقول ليالي صفين :  لله در مقام قامه عبد الله بن عمر وسعد ابن مالك,  إن كان برا إن أجره لعظيم,  وإن كان إثما إن خطره ليسير,   وكان يقول : يا حسن يا حسن ما ظن أبوك أن الأمر يبلغ إلى هذا,  ود أبوك لو مات قبل هذا بعشرين سنة.

 ولما رجع من صفين تغير كلامه وكان يقول :  لا تكرهوا إمارة معاوية,  فلو قد فقدتموه لرأيتم الرؤوس تتطاير عن كواهلها.   وقد روى هذا عن علي رضي الله عنه من وجهين أو ثلاثة . وتواترت الآثار بكراهته الأحوال في آخر الأمر, ورؤيته اختلاف الناس وتفرقهم, وكثرة الشر الذي أوجب أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما فعل ما فعل.

 وبالجملة ليس علينا أن نعرف كل واحد تاب,  ولكن نحن نعلم أن التوبة مشروعة لكل عبد : للأنبياء ولمن دونهم, وأن الله سبحانه يرفع عبده بالتوبة,  وإذا ابتلاه بما يتوب منه,  فالمقصود كمال النهاية لا نقص البداية,  فإنه تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين,  وهو يبدل بالتوبة السيئات حسنات.

 

يتبع ....

 

 

 


  المتنبي 13-8-2005 23:34 8. ارسل رسالة تنبيهية الى المشرف إحفظ الموضوع  

 

بسم الله الرحمن الرحيم                                              الحلقة السادسة

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في المنهاج ( 6 : 223 )

ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (  لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو انفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ),  وذلك أن الإيمان الذي كان في قلوبهم حين الإنفاق في أول الإسلام وقله أهله, وكثرة الصوارف عنه وضعف الدواعي إليه لا يمكن أحدا أن يحصل له مثله ممن بعدهم.  وهذا يعرف بعضه من ذاق الأمور , وعرف المحن والابتلاء الذي يحصل للناس, وما يحصل للقلوب من الأحوال المختلفة.

 وهذا مما يعرف به أنا أبا بكر رضي الله عنه لن يكون أحد مثله,  فإن اليقين والإيمان الذي كان في قلبه لا يساويه فيه أحد. قال أبو بكر بن عياش :  ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه.  وهكذا سائر الصحابة حصل لهم بصحبتهم للرسول,  مؤمنين به مجاهدين معه, إيمان ويقين لم يشركهم فيه من بعدهم.

 وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع رأسه إلى السماء,  وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء فقال : النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد,  وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون,  وأصحابي أمنه لأمتي,  فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون),

 وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليأتين على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس,  فيقال :  هل فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟  فيقال : نعم فيفتح لهم وفي لفظ : هل فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟  فيقولون : نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس,  فيقال :  هل فيكم من صحب من صحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟  فيقولون : نعم فيفتح لهم ), هذا لفظ بعض الطرق,  والثلاث الطبقات متفق عليها في جميع الطرق , وأما الطبقة الرابعة فهي مذكورة في بعضها.

 وقد ثبت ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على القرون الثلاثة في عدة أحاديث صحيحة,  من حديث ابن مسعود وعمران بن حصين يقول فيها : (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ), ويشك بعض الرواة هل ذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة.

 والمقصود أن فضل الأعمال وثوابها ليس لمجرد صورها الظاهرة,  بل لحقائقها التي في القلوب.  والناس يتفاضلون ذلك تفاضلا عظيما.  وهذا مما يحتج به من رجح كل واحد من الصحابة على كل واحد ممن بعدهم,  فإن العلماء متفقون على أن جملة الصحابة أفضل من جملة التابعين,  لكن هل يفضل كل واحد من الصحابة على كل واحد ممن بعدهم,  ويفضل معاوية على عمر بن عبد العزيز؟

 ذكر القاضي عياض وغيره في ذلك قولين,  وأن الأكثرين يفضلون كل واحد من الصحابة,  وهذا مأثور عن ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما .

 ومن حجة هؤلاء أن أعمال التابعين وإن كانت أكثر,  وعدل عمر بن عبد العزيز أظهر من عدل معاوية,  وهو أزهد من معاوية ,  لكن الفضائل عند الله بحقائق الإيمان الذي في القلوب . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ), قالوا :  فنحن قد نعلم أن أعمال بعض من بعدهم أكثر من أعمال بعضهم , لكن من أين نعلم أن ما في قلبه من الإيمان أعظم مما في قلب ذلك,  والنبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن جبل ذهب من الذين أسلموا بعد الحديبية لا يساوي نصف مد من السابقين . ومعلوم فضل النفع المتعدى بعمر بن عبد العزيز :  أعطى الناس حقوقهم وعدل فيهم , فلو قدر أن الذي أعطاهم ملكه , وقد تصدق به عليهم , لم يعدل ذلك الإنسان مما أنفقه السابقون إلا شيئا يسيرا . وأين مثل جبل أحد ذهبا حتى ينفقه الإنسان,  وهو لا يصير مثل نصف مد؟.

 ولهذا يقول من يقول من السلف :  غبار دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمل عمر بن عبد العزيز .

 

وقال  رحمه الله تعالى في المنهاج ( 6 : 228 )

و المصائب الدنيوية من الأسباب التي يكفر الله بها الخطايا.  كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه   قال : (  ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا غم ولا هم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) ,

 وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (  مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تقومها تارة وتميلها أخرى . ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزة , لا تزال ثابتة على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة  ). وهذا المعنى متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة.  والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يبتلون بالمصائب الخاصة,  وابتلوا بمصائب مشتركة,  كالمصائب التي حصلت في الفتن, ولو لم يكن إلا أن كثيرا منهم قتلوا, والأحياء أصيبوا بأهليهم وأقاربهم,  وهذا أصيب في ماله,  وهذا أصيب بجراحته,  وهذا أصيب بذهاب ولايته وعزه, 

 وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (  سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة, سألته أن لا يهلك أمتي بسنة عامة,  فأعطانيها وسألته أن لايسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها,  وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها ).

 وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه لما نزل قوله تعالى : ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم ), قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أعوذ بوجهك ) , ( أو من تحت أرجلكم ), قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أعوذ بوجهك ), ( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ), قال : (  هذا أهون وأيسر ),

فهذا أمر لا بد منه للأمة عموما. والصحابة رضي الله عنهم كانوا أقل فتنا من سائر من بعدهم,  فإنه كلما تأخر العصر عن النبوة كثر التفرق والخلاف. 

 

وقال  رحمه الله تعالى في المنهاج ( 6 : 232 )

روى أبو بكر الأثرم,  ورواه ابن بطة من طريقه,  حدثنا محمد بن عمرو بن جبلة حدثنا محمد بن مروان عن يونس عن قتادة قال : لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم :  هذا المهدي.

 وكذلك رواه ابن بطة بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش عن مجاهد قال : لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي.

 ورواه الأثرم: حدثنا محمد بن حواش حدثنا أبو هريرة المكتب قال :  كنا عند الأعمش فذكروا عمر بن عبد العزيز وعدله, فقال الأعمش : فكيف لو أدركتم معاوية ؟ قالوا :  في حلمه؟ قال : لا والله بل في عدله.

 وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : حدثني أبي حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق قال : لما قدم معاوية فرض للناس على أعطيه آبائهم حتى انتهى إلى , فأعطاني ثمانمائة درهم.

 وقال عبد الله أخبرنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة ثنا الثقفي عن أبي إسحاق يعني السبيعي أنه ذكر معاوية فقال :  لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم : كان المهدي .

وروى الأثرم حدثنا محمد بن العلاء عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق قال :  ما رأيت بعده مثله يعني معاوية.

 وقال البغوي : حدثنا سويد بن سعيد حدثنا ضمام بن إسماعيل عن أبي قيس قال : كان معاوية قد جعل في كل قبيل رجلا,  وكان رجل منا يكنى أبا يحيى,  يصبح كل يوم فيدور على المجالس :  هل ولد فيكم الليلة ولد؟  هل حدث الليلة حدث ؟  هل نزل اليوم بكم نازل؟  قال :  فيقولون :  نعم نزل رجل من أهل اليمن بعياله,  يسمونه وعياله, فإذا فرغ من القبيل كله أتى الديوان, فأوقع أسماءهم في الديوان .

وروى محمد بن عوف الطائي حدثنا أبو المغيرة حدثنا أبن أبي مريم عن عطية بن قيس قال :  سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطبنا يقول :  إن في بيت مالكم فضلا بعد أعطياتكم,  وإني قاسمه بينكم,  فإن كان يأتينا فضل عاما قابلا قسمناه عليكم,  وإلا فلا عتبة علي,  فإنه ليس بمالي,  وإنما هو مال الله الذي أفاء عليكم.

 وفضائل معاوية في حسن السيرة والعدل والإحسان كثيرة,  وفي الصحيح أن رجلا قال لابن عباس :  هل لك في أمير المؤمنين معاوية؟  إنه أوتر بركعة؟  قال أصاب إنه فقيه.

 وروى البغوي في معجمه بإسناده ورواه ابن بطة من وجه آخر,  كلاهما عن سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر عن قيس بن الحارث عن الصنابحي عن أبي الدرداء قال :  ما رأيت أحدا أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا . يعني معاوية.

 فهذه شهادة الصحابة بفقهه ودينه,  والشاهد بالفقه ابن عباس,  وبحسن الصلاة أبو الدرداء, وهما هما والآثار الموافقة لهذا كثيرة.

 هذا ومعاوية ليس من السابقين الأولين,  بل قد قيل :  إنه من مسلمة الفتح . وقيل أسلم قبل ذلك.  وكان يعترف بأنه ليس من فضلاء الصحابة.  وهذه سيرته مع عموم ولايته فإنه كان في ولايته من خراسان إلى بلاد إفريقية بالمغرب ومن قبرص إلى اليمن.

 ومعلوم بإجماع المسلمين أنه ليس قريبا من عثمان وعلي , فضلا عن أبي بكر وعمر.  فكيف يشبه غير الصحابة بهم؟ وهل توجد سيرة أحد من الملوك مثل سيرة معاوية رضي الله عنه.

 والمقصود أن الفتن التي بين الأمة,  والذنوب التي لها بعد الصحابة , أكثر وأعظم , ومع هذا فمكفرات الذنوب موجودة لهم,  وأما الصحابة فجمهورهم وجمهور أفاضلهم ما دخلوا في فتنة.

 قال عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا أبي حدثنا إسماعيل يعني ابن علية حدثنا أيوب يعني السختياني عن محمد بن سيرين قال :  هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف فما حضرها منهم مائة بل لم يبلغوا ثلاثين , وهذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض . ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقه ومراسيله من أصح المراسيل.

 وقال عبد الله حدثنا أبي حدثنا إسماعيل حدثنا منصور بن عبد الرحمن قال الشعبي : لم يشهد الجمل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير علي وعمار وطلحة والزبير فإن جاءوا بخامس فأنا كذاب .

وقال عبد الله بن أحمد حدثنا أبي حدثنا أمية بن خالد قال : قيل لشعبة:  إن أبا شيبة روى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال :  شهد صفين من أهل بدر سبعون رجلا , فقال : كذب والله لقد ذاكرت الحكم بذلك , وذاكرناه في بيته فما وجدناه شهد صفين من أهل بدر غير خزيمة بن ثابت ,

قلت : هذا النفي يدل على قلة من حضرها وقد قيل إنه حضرها سهل بن حنيف وأبو أيوب وكلام ابن سيرين مقارب فما يكاد يذكر مائة واحد.

 وقد روى ابن بطة عن بكير بن الأشج قال : إما إن رجالا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم .

 

]

وقال  رحمه الله تعالى في المنهاج ( 6 : 285 )

 ومن حين مات عثمان تفرق الناس, وعبد الله بن عمر الرجل الصالح لحق بمكة,  ولم يبايع أحدا,  ولم يزل معتزل الفتنة حتى اجتمع الناس على معاوية,  مع محبته لعلي , ورؤيته له أنه هو المستحق للخلافة,  وتعظيمه له وموالاته له وذمه لمن يطعن عليه,  ولكن كان لا يرى الدخول في القتال بين المسلمين,  ولم يمتنع عن موافقة على إلا في القتال,

 وعبيد الله بن عمر لحق معاوية بعد مقتل عثمان,  كما لحقه غيره ممن كانوا يميلون إلى عثمان وينفرون عن علي, ومع هذا فلم يعرف لعبيد الله من القيام في الفتنة ما عرف لمحمد بن أبي بكر والأشتر النخعي وأمثالهما,  فإنه بعد القتال وقع الجميع في الفتنة,  وأما قبل مقتل عثمان فكان أولئك ممن أثار الفتنة بين المسلمين .

 

وقال  رحمه الله تعالى في المنهاج ( 6 : 297 )

 وأما الساعون في قتله ( أي عثمان )  فكلهم مخطئون بل ظالمون باغون معتدون . وهم قوم خوارج مفسدون في الأرض.

 

   يتبع ...

 


  المتنبي 15-8-2005 01:18 9. ارسل رسالة تنبيهية الى المشرف إحفظ الموضوع  

بسم الله الرحمن الرحيم                         الحلقة السابعة

 

قال  شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية ( 6 : 332  ) :

لم يكن الذين مع معاوية يقولون : إنه الإمام والخليفة, وإن على علي وأصحابه مبايعته وطاعته,  وإن كان علي أفضل لأن توليته أصلح.

 فهذا لم يكونوا يقولونه ولا يقاتلون عليه,  وهذا مما هو معلوم لعموم أهل العلم,  ولا بدأوا عليا وأصحابه بقتال أصلا.

 ولأن الخوارج بدأوه بذلك,  فإنهم قتلوا عبد الله بن خباب لما اجتاز بهم,  فسألوه أن يحدثهم عن أبيه خباب بن الأرت, فحدثهم حديثا في ترك الفتن ,  وكان قصده رحمه الله رجوعهم عن الفتنة,  فقتلوه,  وبقي دمه مثل الشراك في الدماء,  فأرسل إليهم علي يقول :  سلموا إلينا قاتل عبد الله بن خباب . فقالوا : كلنا قتله.  ثم أغاروا على سرح الناس , وهي الماشية التي أرسلوها تسرح مع الرعاء,  فلما رأى علي أنهم استحلوا دماء المسلمين وأموالهم,       ( مثل ما يفعله خوارج العصر الآن من استحلال أموال الناس كالسرقة السيارات باسم الجهاد)  ذكر النصوص التي سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم في صفتهم وفي الأمر بقتالهم,  ورأى تلك الصفة منطبقة عليهم,  فقاتلهم ونصره الله عليهم,  وفرح بذلك وسجد لله شكرا لما جاءه خبر المخدج أنه معهم,  فإنه هو كان العلامة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم واتفق الصحابة على قتالهم, ( بل ندم ابن عمر على عدم مقاتلته هؤلاء الخوارج مع علي كما ذكره ابن كثير في البداية)  .

فقتاله للخوارج كان بنص من الرسول وبإجماع الصحابة.

  وأما قتال الجمل وصفين,  فقد ذكر علي رضي الله عنه أنه لم يكن معه نص من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كان رأيا.  وأكثر الصحابة لم يوافقوه على هذا القتال,  بل أكثر أكابر الصحابة لم يقاتلوا :  لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء, كسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وأمثالهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان,  مع أنهم معظمون لعلي,  يحبونه ويوالونه, ويقدمونه على من سواه, ولا يرون أن أحدا أحق بالإمامة منه في زمنه, لكن لم يوافقوه في رأيه في القتال. وكان معهم نصوص سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم تدلهم على أن ترك القتال والدخول في الفتنة خير من القتال, وفيها ما يقتضى النهي عن ذلك, والآثار بذلك كثيرة معروفة.

 وأما معاوية فلم يقاتل معه من السابقين الأولين المشهورين أحد, بل كان مع علي بعض السابقين ولم يكن مع معاوية أحد وأكثرهم اعتزلوا الفتنة.

 وقيل : كان مع معاوية بعض السابقين الأولين,  وإن قاتل عمار بن ياسر هو أبو الغادية,  وكان ممن بايع تحت الشجرة, وهم السابقون الأولون ذكر ذلك ابن حزم وغيره .

والمقصود أن عليا لم يقاتله أحد على إمامة غيره, ولا دعاه إلى أن يكون تحت ولاية غيره.

 ثم إنه لما رفعت المصاحف ودعوا إلى التحكيم واتفقوا على ذلك, وأجمعوا في العام القابل,  واتفق الحكمان على عزل علي ومعاوية,  وأن يكون الأمر شورى بين المسلمين,  وقال أحد الحكمين : هذا عزل صاحبه,  وأنا لم أعزل صاحبي ,ومال أبو موسى إلى تولية عبد الله بن عمر,  فغضب عبد الله لذلك,  ولم يكن اتفاقهما على عزل معاوية عن كونه أمير المؤمنين,  فإنه لم يكن قبل هذا أمير المؤمنين,  بل عزله عن ولايته على الشام,  فإنه كان يقول :  أنا ولاني الخليفتان عمر وعثمان , فأنا باق على ولايتي حتى يجتمع الناس على الإمام.

 فاتفق الحكمان على أن يعزل علي عن إمرة المؤمنين,  ومعاوية عن إمرة الشام.  وكان مقصود أحدهما إبقاء صاحبه ولم يظهر ما في نفسه.  فلما أظهر ما في نفسه تفرق الناس عن غير اتفاق, ولم يقع بعد هذا قتال.

 فلو قدر أن معاوية في هذا الحال صار يدعى أصحابه أنه أمير المؤمنين دون علي,  فلم يمكنهم أن يقولوا :  إن عليا بعد ذلك قوتل على إمامة معاوية.

 فتبين أن عليا لم يقاتله أحد على أن يكون غيره إماما وهو مطيع له,  فإن الذين كانوا يستحقون الإمامة أبو بكر وعمر وعثمان,  وكان هو أتقى لله من أن يخرج عليهم بقول أو فعل,  بل عثمان كان علي هو أول من بايعه قبل جمهور الناس.

 وأما معاوية فكان المسلمون أعلم وأعدل من أن يقولوا لعلي : بايع معاوية,  بل يقولوا له:  بايع طلحة والزبير وهما من أهل الشورى.

 فعبد الرحمن بن عوف مات في خلافة عثمان,  وبقي بعد موت عثمان أربعة.

 فأما سعد فاعتزل الفتنة ولم يدخل في قتال أحد من المسلمين وعاش بعدهم كلهم وهو آخر العشرة موتا واعتزل بالعقيق ولما مات حمل على الأعناق فدفن بالبقيع.

 وفي صحيح مسلم عن عامر بن سعد بن أبي وقاص كان سعد ابن أبي وقاص في إبله فجاء ابنه عمر فلما رآه سعد قال : أعوذ بالله من شر هذا الراكب,  فنزل فقال له :  أنزلت في إبلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون في الملك بينهم؟ فضرب سعد في صدره وقال :  اسكت, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي).

 وابنه عمر هذا كان يحب الرياسة,  ولو حصلت على الوجه المذموم,  ولهذا لما ولى ولاية وقيل له : لا نوليك حتى تتولى قتال الحسين وأصحابه كان هو أمير تلك السرية.

 وأما سعد رضي الله عنه فكان مجاب الدعوة وكان مسددا في زمنه وهو الذي فتح العراق وكسر جنود كسرى وكان يعلم أنه لا بد من وقوع فتن بين المسلمين.

 وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستبيح بيضتهم فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها), والمقصود : أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يقتتلوا قط لاختلافهم في قاعدة من قواعد الإسلام أصلا , ولم يختلفوا في شيء من قواعد الإسلام : لا في الصفات ولا في القدر ولا مسائل الأسماء والأحكام ولا مسائل الإمامة.

  وبكل حال فمن المعلوم للخاصة والعامة, أهل السنة وأهل البدعة,  أن القتال في زمن علي لم يكن لمعاوية ومن معه إلا لكونهم لم يبايعوا عليا.

 وأما الحرب التي كانت بين طلحة والزبير وبين علي فكان كل منهما يقاتل عن نفسه ظانا أنه يدفع صول غيره عليه, لم يكن لعلي غرض في قتالهم,  ولا لهم غرض في قتاله,  بل كانوا قبل قدوم على يطلبون قتله عثمان,  وكان للقتلة من قبائلهم من يدفع عنهم فلم يتمكنوا منهم ,فلما قدم علي وعرفوه مقصودهم عرفهم أن هذا أيضا رأيه,  لكن لا يتمكن حتى ينتظم الأمر,  فلما علم بعض القتلة ذلك, حمل على أحد العسكرين فظن الآخرون أنهم بدأوا بالقتال فوقع القتال بقصد أهل الفتنة لا بقصد السابقين الأولين.

 

وقال أيضا في المنهاج ( 6 : 362 ) :

 ومن المعلوم أن كثيرا من المسلمين لم يكونوا بايعوه( أي علي رضي الله عنه),  حتى كثير من أهل المدينة ومكة الذين رأوه لم يكونوا بايعوه,  من دع الذين كانوا بعيدين كأهل الشام ومصر والمغرب العراق وخراسان.

وأهل العلم يعلمون أن طلحة والزبير لم يكونا قاصدين قتال علي ابتداء,  وكذلك أهل الشام لم يكن قصدهم قتاله,  وكذلك علي لم يكن قصده قتال هؤلاء ولا هؤلاء.

 ولكن حرب الجمل جرت بغير اختياره ولا اختيارهم,  فإنهم كانوا قد اتفقوا على المصالحة وإقامة الحدود على قتله عثمان,  فتواطأت القتلة على إقامة الفتنة آخرا كما أقاموها أولا ( أي قتل عثمان رضي الله عنه) , فحملوا على طلحة والزبير وأصحابهما,  فحملوا دفعا عنهم,  وأشعروا عليا أنهما حملا عليه,  فحمل على دفعا عن نفسه,  وكان كل منهما قصده دفع الصيال لا ابتداء القتال.

 هكذا ذكر غير واحد من أهل العلم بالسير. فإن كان الأمر قد جرى على وجه لا ملام فيه فلا كلام,  وإن كان قد وقع خطأ أو ذنب من أحدهما أو كليهما فقد عرف أن هذا لا يمنع ما دل عليه الكتاب والسنة من أنهم من خيار أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وعباهة الصالحين وأنهم من أهل الجنة.

 

وقال أيضا في المنهاج ( 7 : 55 ) :

 فإنه من المعلوم انه لما تولى ( أي علي رضي الله عنه الخلافة) كان الصحابة و سائر المسلمين ثلاثة أصناف : صنف قاتلوا معه,  و صنف قاتلوه,  و صنف قعدوا عن هذا و هذا و أكثر السابقين الأولين كانوا من القعود.  و قد قيل : أن بعض السابقين الأولين قاتلوه.  و ذكر ابن حزم أن عمار بن ياسر قتله أبو الغادية,  و أن أبا الغادية  هذا من السابقين ممن بايع تحت الشجرة,  و أولئك جميعهم قد ثبت في الصحيحين انه لا يدخل النار منهم أحد.

 ففي صحيح مسلم و غيره عن جابر عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) و في الصحيح أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال : يا رسول الله,  ليدخلن حاطب النار فقال : (  كذبت انه شهد بدرا و الحديبية ), و حاطب هذا هو الذي كاتب المشركين بخبر النبي صلى الله عليه و سلم و بسبب ذلك نزل  (  يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ),  و كان مسيئا إلى مماليكه,  و لهذا قال مملوكه هذا القول و كذبه النبي صلى الله عليه و سلم و قال : ( انه شهد بدرا و الحديبية ), و في الصحيح : ( لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة).

 و هؤلاء فيهم ممن قاتل عليا كطلحة و الزبير,  و أن كان قاتل عمار فيهم فهو ابلغ من غيره.

 وكان الذين بايعوه تحت الشجرة نحو ألف و أربعمائة,  و هم الذين فتح الله عليهم خيبر,  كما وعدهم الله بذلك في سورة الفتح , و قسمها بينهم  النبي صلى الله عليه و سلم على ثمانية عشر سهما,  لأنه كان فيهم مائتا فارس فقسم للفارس ثلاثة أسهم سهما له و سهمين لفرسه , فصار لأهل الخيل ستمائة سهم , و لغيرهم ألف و مائتا سهم.  هذا هو الذي ثبت في الأحاديث الصحيحة,  و عليه أكثر أهل العلم كمالك و الشافعي و أحمد و غيرهم,  و قد ذهب طائفة إلى أنه أسهم للفارس سهمين وأن الخيل كانت ثلاثمائة كما يقول ذلك من يقول من أصحاب أبي حنيفة.

 وأما على فلا ريب أنه قاتل معه طائفة من السابقين الأولين,  كسهل بن حنيف و عمار بن ياسر.

 لكن الذين لم يقاتلوا معه كانوا أفضل,  فان سعد بن أبي وقاص لم يقاتل معه و لم يكن قد بقي من الصحابة بعد علي أفضل منه,  و كذلك محمد بن مسلمة من الأنصار,  و قد جاء في الحديث : ( أن الفتنة لا تضره ), فاعتزل و هذا مما استدل به على أن القتال كان قتال فتنة بتأويل,  لم يكن من الجهاد الواجب و لا المستحب.

 وعلي و من معه أولى بالحق من معاوية و أصحابه,  كما ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال :  ( تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق ), فدل هذا الحديث على أن عليا أولى بالحق ممن قاتله,  فانه هو الذي قتل الخوارج لما افترق المسلمون,  فكان قوم معه و قوم عليه.

 

          يتبع ....

 


  المتنبي 16-8-2005 02:56 10. ارسل رسالة تنبيهية الى المشرف إحفظ الموضوع  

  بسم الله الرحمن الرحيم                              الحلقة الثامنة

 

قال شيخ الإسلام رحمه الله في المنهاج (  8 : 145 ) :

ومما يبين أن عليا لم يكن يعلم المستقبل أنه ندم على أشياء مما فعلها,  وكان يقول : 

                    لقد عجزت عجزة لا أعتذر             سوف أكيس بعدها وأستمر

                                        وأجمع الرأي الشتيت المنتشر

 وكان يقول ليالي صفين : يا حسن يا حسن ما ظن أبوك أن الأمر يبلغ هذا لله, در مقام قامه سعد بن مالك وعبد الله بن عمر,  إن كان برا إن أجره لعظيم,  وإن كان إثما إن خطره ليسير.  وهذا رواه المصنفون.

 وتواتر عنه أنه كان يتضجر وبتململ من اختلاف رعيته عليه, وأنه ما كان بعض يظن أن الأمر يبلغ ما بلغ.

 وكان الحس رأيه ترك القتال.  وقد جاء النص الصحيح بتصويب الحسن.

 وفي البخاري عن أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (  إن ابني هذا سيد وإن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ), فمدح الحسن على الإصلاح بين الطائفتين.

 وسائر الأحاديث الصحيحة تدل على أن القعود عن القتال والإمساك عن الفتنة كان أحب إلى الله ورسوله.  وهذا قول أئمة السنة.  وأكثر أئمة الإسلام.  وهذا ظاهر في الاعتبار,  فإن محبة الله ورسوله للعمل بظهور ثمرته, فما كان أنفع للمسلمين في دينهم ودنياهم كان أحب إلى الله  ورسوله.  وقد دل الواقع على أن رأى الحسن كان أنفع للمسلمين لما ظهر من العاقبة في هذا.

 وفي هذا وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للحسن وأسامة : (اللهم أني أحبها فأحبهما وأحب من يحبهما.

 وكلاهما كان يكره الدخول في القتال.  أما أسامة فإنه اعتزل القتال,  فطلبه علي ومعاوية, فلم يقاتل مع واحد من هؤلاء . كما اعتزل أكثر فضلاء الصحابة رضي الله عنهم مثل سعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت وأبي هريرة وعمران بن حصين وأبي بكرة وغيرهم.

 وكان ما فعله الحسن أفضل عند الله مما فعله الحسين, فإنه وأخاه سيدا شباب أهل الجنة فقتل الحسين شهيدا مظلوما.

 وصار الناس في قتله ثلاثة أحزاب :

 حزب يرون أنه قتل بحق,  ويحتجون بما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق بين جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان ).   قالوا : وهو جاء والناس على رجل واحد فأراد أن يفرق جماعتهم.

  وحزب يرون أن الذين قاتلوه كفارا,  بل يرون أن من لم يعتقد إمامته كافر.

 والحزب الثالث وهم أهل السنة والجماعة يرون أنه قتل مظلوما شهيدا , والحديث المذكور لا يتناوله بوجه,  فإنه رضي الله عنه لما بعث ابن عمه عقيلا إلى الكوفة فبلغه أنه قتل بعد أن بايعه طائفة,  فطلب الرجوع إلى بلده,  فخرج إليه السرية التي قتلته,  فطلب منهم أن يذهبوا به إلى يزيد,  أو يتركوه يرجع إلى مدينته,  أو يتركوه يذهب إلى الثغر للجهاد,  فامتنعوا من هذا وهذا,  وطلبوا أن يستأسر لهم ليأخذوه أسيرا.

 ومعلوم باتفاق المسلمين أن هذا لم يكن واجبا عليه,  وأنه كان يجب تمكينه مما طلب, فقاتلوه ظالمين له,  ولم يكن حينئذ مريدا لتفريق الجماعة,  ولا طالبا للخلافة, ولا قاتل على طلب خلافة, بل قائل دفعا عن نفسه لمن صال عليه وطلب أسره.

 وظهر بطلان قول الحزب الأول.

 وأما الحزب الثاني فبطلان قوله يعرف من وجوه كثيرة : من أظهرها أن عليا لم يكفر أحدا ممن قاتله,  حتى ولا الخوارج , ولا سبى ذرية أحد منهم,  ولا غنم ماله,  ولا حكم في أحد ممن قاتله بحكم المرتدين,  كما حكم أبو بكر وسائر الصحابة في بني حنيفة وأمثالهم من المرتدين, بل على كان يترضى عن طلحة والزبير وغيرهما ممن قاتله, ويحكم فيهم وفي أصحاب معاوية ممن قاتله بحكم المسلمين.

 وقد ثبت بالنقل الصحيح أن مناديه نادى يوم الجمل : لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا يغنم مال,  وهذا مما أنكرته الخوارج عليه حتى ناظرهم ابن عباس رضي الله عنه في ذلك .

 واستفاضت الآثار عنه أنه كان يقول عن قتلى عسكر معاوية:  إنهم جميعا مسلمون ليسوا كفارا ولا منافقين, وكذلك عمار وغيره من الصحابة.

 وكانت هذه الأحزاب الثلاثة بالعراق,  وكان بالعراق أيضا طائفة ناصبة من شيعة عثمان تبغض عليا والحسين,  وطائفة من شيعة علي تبغض عثمان وأقاربه.

 وقد ثبت في صحيح مسلم عن أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سيكون في ثقيف كذاب ومبير ). فكان الكذاب الذي فيها هو المختار بن عبيد,  وكان الحجاج هو المبير, وكان هذا يتشيع لعثمان ويبغض شيعة علي وكان الكذاب يتشيع لعلي,  حتى قاتل عبيد الله بن زياد وقتله,  ثم أدعى أن جبريل يأتيه فظهر كذبه.

 

وقال شيخ الإسلام رحمه الله في المنهاج (  8 : 231 ) :

 ومذهب أكثر العلماء أن قتال البغاة لا يجوز إلا أن يبتدءوا الإمام بالقتال,  كما فعلت الخوارج مع علي,  فإن قتاله الخوارج متفق عليه بين العلماء,  ثابت بالأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم,  بخلاف قتال صفين , فإن أولئك لم يبتدءوا بقتال بل امتنعوا عن مبايعته.

 ولهذا كان أئمة السنة , كمالك وأحمد وغيرهما , يقولون :  إن قتاله للخوارج مأمور به,  وأما قتال الجمل وصفين فهو قتال فتنة.

 فلو قام قوم : نحن نقيم الصلاة ونؤتي الزكاة,  ولا ندفع زكاتنا إلى الإمام,  ونقوم بواجبات الإسلام,  لم يجز للإمام قتلهم عند أكثر العلماء,  كأبي حنيفة وأحمد.

 وأبو بكر الصديق رضي الله عنه إنما قاتل مانعي الزكاة لأنهم امتنعوا عن أدائها مطلقا,  وإلا فلو قالوا :  نحن نؤديها بأيدينا ولا ندفعها إلى أبي بكر,  لم يجز قتالهم عند الأكثرين, كأبي حنيفة وأحمد وغيرهما.

 ولهذا كان علماء الأمصار على أن القتال كان قتال فتنة,  وكان من قعد عنه أفضل ممن قاتل فيه.  وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة والأوزاعي , بل والثوري ومن لا يحصى عدده,  مع أن أبا حنيفة ونحوه من فقهاء الكوفيين فيما نقله القدوري وغيره عندهم لا يجوز قتال البغاة,  إلا إذا ابتدءوا الإمام بالقتال,  وأما إذا أدوا الواجب من الزكاة وامتنعوا عن دفعها إليه لم يجز قتالهم.

 

 

وقال شيخ الإسلام رحمه الله في المنهاج (  8 : 522 ) :

الذي عليه أكابر الصحابة والتابعين أن قتال الجمل وصفين لم يكن من القتال المأمور به,  وأن تركه أفضل من الدخول في,ه بل عدوه قتال فتنة.

  وعلى هذا جمهور أهل الحديث,  وجمهور أئمة الفقهاء,  فمذهب أبي حنيفة فيما ذكره القدوري أنه لا يجوز قتال البغاة إلا أن يبدءوا بالقتال,  وأهل صفين لم يبدءوا عليا بقتال.

 وكذلك مذهب أعيان فقهاء المدينة والشام والبصرة,  وأعيان فقهاء الحديث,  كمالك وأيوب والأوزاعي وأحمد وغيرهم: أنه لم يكن مأمورا به,  وأن تركه كان خيرا من فعله,  وهو قول جمهور أئمة السنة,  كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا الباب,  بخلاف قتال الحرورية والخوارج أهل النهروان,  فإن قتال هؤلاء واجب بالسنة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم وباتفاق الصحابة وعلماء السنة.

 ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال :  أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم من آطام المدينة وقال هل ترون ما أرى قالوا لا قال فإني أرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر ).

 وفي السنن عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال :  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنها ستكون فتنة تستنظف العرب قتلاها في النار اللسان فيها أشد من وقع السيف ).

وفي السنن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (  ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له واستشراف اللسان فيها كوقوع السيف ).

 وعن أم سلمه قالت : استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال :  سبحان الله ماذا أنزل من الخزائن وماذا أنزل من الفتن ).

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال :  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (  ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي ومن يستشرف لها تستشرف له ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به ).

 ورواه أبو بكرة في الصحيحين وقال فيه : ( فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه , قال : فقال رجل : يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض ؟  قال :  يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر,  ثم لينج إن استطاع النجاء.  اللهم هل بلغت ؟اللهم هل بلغت فقال رجل يا:  رسول الله أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى الحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه أو يجيء سهم فيقتلني؟  فقال : يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار ).

 ومثل هذا الحديث معروف عن سعد بن أبي وقاص وغيره من الصحابة.  والذين رووا هذه الأحاديث من الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وأبي هريرة وغيرهم,  جعلوا قتال الجمل وصفين من ذلك , بل جعلوا ذلك أول قتال فتنة كان في الإسلام,  وقعدوا عن القتال,  وأمرهم غيرهم بالقعود عن القتال,  كما استفاضت بذلك الآثار عنهم .

والذين قاتلوا من الصحابة لم يأت أحد منهم بحجة توجب القتال :  لا من كتاب ولا من سنة, بل أقروا بأن قتالهم كان رأيا رأوه , كما أخبر بذلك علي رضي الله عنه عن نفسه,  ولم يكن في العسكرين أفضل من علي,  فيكون ممن هو دونه أولى,  وكان علي أحيانا يظهر فيه الندم والكراهة للقتال,  مما يبين أنه لو لم يكن عنده فيه شيء من الأدلة الشرعية,  مما يوجب رضاه وفرحه بخلاف قتاله للخوارج,  فإنه كان يظهر فيه من الفرح والرضا والسرور ما يبين أنه كان يعلم أن قتالهم كان طاعة لله ورسوله يتقرب به إلى الله,  لأن في قتال الخوارج من النصوص النبوية والأدلة الشرعية ما يوجب ذلك.

 ففي الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق.

 وفي لفظ مسلم : (  ذكر قوما يخرجون في أمته يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق,  سيماهم التحليق,  هم شر الخلق أو من شر الخلق ), قال أبو سعيد : فأنتم قتلتموهم يا أهل العراق .

 ولفظ البخاري : ( يخرج ناس من قبل المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يعودون فيه حتى يعود السهم.

 وفي الصحيحين عن علي قال :  سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (  يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس في قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل آيتهم أن فيهم رجلا له عضد ليس فيها ذراع على رأسه عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض ).

 

     يتبع ....


  المتنبي 13-10-2005 02:55 11. ارسل رسالة تنبيهية الى المشرف إحفظ الموضوع  

بسم الله الرحمن الرحيم وبعد

فهذه الحلقة الثامنة من هذه السلسلة نسأل الله أن يبارك فيها.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الوصية الكبرى ص  102 "

و كذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب . وهم كانوا مجتهدين , إما مصيبين لهم أجران , أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم ,  وما كان لهم من السيئات - وقد سبق لهم من الله الحسنى - فإن الله يغفرها لهم : إما بتوبة أو بحسنات ماحية أو مصائب مكفرة ؛ أو غير ذلك . فإنهم خير قرون هذه الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم { خير القرون قرني الذي بعثت فيهم ؛ ثم الذين يلونهم } وهذه خير أمة أخرجت للناس .

ونعلم مع ذلك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله معه لما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق } .

 وفي هذا الحديث دليل على أنه مع كل طائفة حق ؛ وأن عليا رضي الله عنه أقرب إلى الحق . وأما الذين قعدوا عن القتال في الفتنة ؛ كسعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما رضي الله عنهم فاتبعوا النصوص التي سمعوها في ذلك عن القتال في الفتنة وعلى ذلك أكثر أهل الحديث .

وسوف ننشر  بإذن الله تعالى  الجزء الثاني من  هذه السلسلة  بعنوان " تصحيح الاعتقاد فيما حصل بين الأصحاب  " أقوال المخالفين لأقوال أئمة أهل السنة و الجماعة المتقدمين من أصحاب القرون المفضلة و التابعين لهم من المتأخرين.        "

نسأل الله الإخلاص في القول و العمل.


تصفح الاشتراكات إلغاء الاشتراكات سـاحـتي أضف رد للاستفسار ملفك الشخصي

من هنا يمكنك التعقيب على هذا الموضوع الرجاء اكمال الخانات التالية
لوحة المفاتيح العربيه مؤثرات الساحه صور وابتسامات

ملاحظة: يمكنك تحرير هذا الرد خلال 30 دقيقة من إضافته للساحات.


الساحة العربية الساحة المفتوحة - الساحة الاسلامية - الساحة السياسية - الساحة الادبية - ساحة الأصدقاء والهوايات - بيت الطين - ساحة الكمبيوتر والتكنلوجيا - الساحة الطبية - ساحة الإدارة والإقتصاد - الساحة الرياضية - ساحة السيارات - ساحة الوراقين - أريد الحـل - ساحة الشكاوي -   قائمة السـاحـات  

قوانين الساحة - آراء واقتراحات - اعلن معنا - عيون - ارشيف - خـروج

 جميع الحقوق محفوظة للساحة العربية