الحمد
لله الذي جعل فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ، وأعلى
أعلام فتواها بين الأعلام ، وألبسها حلة الشرف حيث جاءَ إلى سيد الخلق
الملك بها في سرقة من حرير في المنام ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له شهادة تنظمنا في أبناء أمهات المؤمنين ، وتهدينا إلى سنن السنة
آمنين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي أرشد إلى الشريعة البيضاء
، وأعلن بفضل عائشة حتى قال : خذوا شطر دينكم عن الحميراء ، صلى الله عليه
وعلى آله وصحبه صباح مساء ، وعلى أزواجه اللواتي قيل في حقهن { لستن كأحد
من النساء } ، صلاة باقية في كل أوان ، دائمة ما اختلف الملوان .
[ مقدمة الزركشي لرسالته ] .
وبعد :
فقد ألَّف الإمام بدر الدين الزركشي [745ـ794هـ] رسالةً اسماها :
الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة .
صدَّرها بذكر شيء من خصائصها رضي الله تعالى عنها ، فانتقيت بعضاً من
هذه الخصائص ، سائلاً الله تبارك وتعالى أن ينفعني بها ويكتب لي أجرها .
مقدمة
هي عائشة بنت أبي بكر الصديق ، وأمها أم رُومان بنتُ عامر بن عُويمر
الكنانية ، تُكَنَّى بأم عبدالله ، كنَّاها بذلك رسول الله صلى الله عليه
وسلم بابن أختها عبدالله بن الزبير ، فقد أخرج أبو داود بسنده (4970) عن
عائشة رضي الله عنها أنها قالت : يا رسول الله كل صواحبي لهن كنى ، قال :
فاكتني بابنك عبدالله . يعني ابن أختها ، قال مسدد : عبدالله بن الزبير ،
قال : فكانت تكنى بأم عبدالله . أما ما يقال أنها ولدت من النبي صلى الله
عليه وسلم ولداً فمات طفلاً فهذا لم يثبت . الإصابة (4/360) .
خصائصها
(1) أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها ، وهذا باتفاق
أهل النقل . زاد المعاد (1/103) ، الإصابة (4/360) .
(2) أنها خُيّرت واختارت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على الفور ،
وكذا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن تبعاً لها في ذلك ، والدليل ما
رواه البخاري في صحيحه (4786) بسنده أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم
قالت : لمّا أُمِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي
فقال : (( إني ذاكر لكِ أمراً ، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك ))
. قالت : وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه ، قالت : ثم قال : (( إن
الله جل ثناؤه قال { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا
وزينتها } إلى { أجراً عظيماً } قالت : فقلتُ : ففي أيِّ هذا استأمر أبويَّ
، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ، قالت : ثم فعل أزواج النبي صلى
الله عليه وسلم مثلَ ما فعلتُ .
(3) نزول آية التيمم بسبب عقدها حين حَبَسَ رسول الله صلى الله عليه
وسلم الناس ، وقال أُسَيْد بن حضير : ماهي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ،
والقصة أخرجها البخاري في صحيحه (4607) .
(4) نزول براءتها من السماء بما نسبه إليها أهل الإفك في ست عشرة آية
متوالية ، وشهد الله لها بأنها من الطيبات ، ووعدها بالمغفرة والرزق الكريم
، وانظر تواضعها وقولها : ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ
بوحي يتلى ، والقصة أخرجها البخاري في صحيحه (4750) .
(5) نزل قرآن فيها يتلى إلى يوم القيامة ، وهي الآيات من سورة النور
(11إلى26) ، وهذا باتفاق المسلمين .
(6) شُرِعَ جلد القاذف وصار باب القذف وحده باباً عظيماً من أبواب
الشريعة وكان سببه قصتها رضي الله عنها ، وهو قول سعيد بن جبير ـ رحمه الله
ـ . تفسير القرطبي (6/115) .
(7) لم ينزل بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجاً وللمسلمين بركة ، كآية
التيمم وحد القذف ، ولذلك يقول أسيد بن حضير ـ رضي الله عنه ـ : جزاكِ الله
خيراً فوالله ما نزل بكِ أمر قط إلا جعل الله لكِ منه مخرجا ، وجعل
للمسلمين فيه بركة . أخرجه البخاري (3773) .
(8) أن جبريل أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم في المنام في سَرَقة (
أي قطعة ) من حرير فقال : هذه امرأتك ، فكشفتُ عن وجهكِ الثوبَ فإذا هي
أنتِ ، فقلتُ : إن يكُ هذا من عندِ الله يمضهِ . أخرجه البخاري (5125) .
(9) أنها كانت أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه : قال له عمرو
بن العاص : يا رسول الله أي الناس أحب إليك ؟ قال : عائشة ، فقلت : مِن
الرجال ؟ قال : أبوها ، قلت ثم من ؟ قال : عمر بن الخطاب ، فعدَّ رجالاً .
أخرجه البخاري (3662) .
(10) وجوب محبتها على كل أحد ففي صحيح مسلم (2442) لما جاءت فاطمة رضي
الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : ألست تحبين ما أحب ؟
قالت : بلى ، قال : فأحبي هذه . يعني عائشة ، وهذا الأمر ظاهر الوجوب ،
ولعل من جملة أسباب المحبة كثرة ما بلّغته عن النبي صلى الله عليه وسلم دون
غيرها من النساء الصحابيات .
(11) أن من قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها ، قال ابن كثير
ـ رحمه الله ـ في البداية والنهاية (11/337) : وقد أجمع العلماء على تكفير
من قذفها بعد براءتها . واختلفوا في بقية أمهات المؤمنين ، هل يكفر من
قذفهن أم لا ؟ . على قولين : أصحهما أنه يكفر . واختاره شيخ الإسلام في
الصارم المسلول (3/1054) ، وابن كثير كما في البداية والنهاية (11/337) .
(12) من أنكر كون أبيها أبي بكر الصديق رضي الله عنه صحابياً كان كافراً
، نص عليه الشافعي فإن الله تعالى يقول : { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله
معنا } ، ومنكر صحبة غير الصديق يكفر لتكذيبه التواتر .
(13) أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يومها من رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيتحفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه ، يبتغون بذلك مرضاة رسول
الله صلى الله عليه وسلم . أخرجه البخاري (3775) ومسلم (2441) .
(14) أن سودة وهبت يوماً لها بخصوصها . أخرجه البخاري (5212) .
(15) اختياره صلى الله عليه وسلم أن يمرّض في بيتها . أخرجه البخاري
(3774) . قال أبو الوفا بن عقيل ـ رحمه الله ـ : أنظر كيف اختار لمرضه بيت
البنت واختار لموضعه من الصلاة الأب ، فما هذه الغفلة المستحوذة على قلوب
الرافضة ، عن هذا الفضل والمنزلة التي لاتكاد تخفى عن البهيم فضلاً عن
الناطق .
(16) وفاته صلى الله عليه وسلم بين سحْرِها ونحرها . أخرجه البخاري
(4449) ومسلم (2443) .
(17) وفاته صلى الله عليه وسلم في يومها . أخرجه البخاري (4449) .
(18) دفنه صلى الله عليه وسلم في بيتها . أخرجه البخاري (4449) .
(19) اجتماع ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وريقها في آخر أنفاسه ،
وذلك حين طيبت له سواكه . أخرجه البخاري (4449) .
(20) كانت أكثرهن علماً ، قال الزهري : لو جمع علم عائشة إلى علم جميع
النساء لكان علم عائشة أفضل . الإصابة (4/360) .
(21) أن الأكابر من الصحابة كان إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها
فيجدون علمه عندها ، قال أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه : ما أشكل علينا
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها
منه علماً . أخرجه الترمذي وصححه الألباني (3883) .
(22) لم ينكح النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أبواها مهاجران بلا خلاف ،
سواها .
(23) أن أباها وجدّها وأخاها صحابة رضي الله عنهم أجمعين .
(24) كان أبوها أحب الرجال إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأعزهم عليه .
أخرجه البخاري (3662) .
(25) أن أباها أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا
باتفاق أهل السنة والجماعة .
(26) كان لها يومان وليلتان في القَسْم دونهن لما وهبتها سودة يومها
وليلتها . أخرجه البخاري (5212) ومسلم (1463) .
(27) أنها كانت تغضب فيترضاها عليه الصلاة والسلام ولم يثبت ذلك لغيرها
. أخرجه البخاري (5228) ومسلم (2339) .
(28) لم يَرْوِ عن النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أكثر منها .
(29) أن عمر فضلها في العطاء عليهن ، كما أخرجه الحاكم في مستدركه من
جهة مصعب بن سعد قال : فرض عمر لأمهات المؤمنين عشرة آلاف وزاد عائشة ألفين
، وقال : إنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(30) تسابق النبي صلى الله عليه وسلم معها . أخرجه أبوداود (2578) .
(31) أنها من أكثر الصحابة فتوى ، قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ في الإصابة
(1/12) : أكثر الصحابة فتوى مطلقاً سبعة : عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر
وابن عباس وزيد بن ثابت وعائشة رضوان الله تعالى عليهم .
قال عزوجل : { والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا
الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف
رحيم } .
والله تعالى أعلم .