قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا
ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)
(الأعراف:33)
وقال تعالى
(وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا )
(الإسراء:36)
وقال النبي
: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً
أو ليصمت ) .
ويقول
: ( المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور )
.
إن من شر الأسقام ،
وأقبح صفات الأنام ، وخاصة طالب العلم : التعالم ! ، في مظهره ، ولسان حاله
ومقاله ! ، ولا يُشك أن مبدأ ( التعالم ) وإدعاء العلم لمن لا يعلم ممقوت
عند كل عاقل ، وهذا لا خلاف فيه ، كما لا يخفى .
ولكن الأمر الأدق :
صور هذا التعالم ! ، فإنه صفة نفسية تحمل
صاحبها على تجشم ما ليس كفوا له ، وتقمص شخصية من هم أجل منه ، والتكلم
بلسانهم حالاً ومقالاً .
فإن زاد على ذلك
تمجيد الذات ، ومدح القدرات ، ودعوى العلم والتحقيق كان أوضح بيانٍ لهذه
الصفة الدنية .
وروي عن علي بن أبي
المديني أنه قال : ( إذا رأيت الحدث يتعالم فاختم على قفاه : لا يفلح )
.
وما قاله عين
الصواب والعقل والواقع ! ، وذلك لأن من ادعى بلوغ منزلة العلماء ، وتمام
العلم ، فقد قال لنفسه - الخائبة - : استريحي فقد بلغتِ المنزلة ! ، لأنه
يعتقد أنه قد حوى العلم كله ! ، وكمل !! ، وليس بعد الكمال إلاّ النقصان ،
فيسري إلى ( علمه القليل ) النقص ، فماذا يبقى عنده بعد .
وقد شوهد الكثير من
أمثال هذا الصنف ما إن يلازم حلقات العلم السنة والسنتين ، ثم يتصدر
للتدريس ، إلاّ ويكف عن مجالس مشايخه ، وعن مجالس العلماء عموماً ، بل
يستشرف للناس ويدعوهم إلى حضور مجلسه في وقت مجلس شيخه ؟! ، بل ربما عرّض
برأي شيخه وانتقده علانية واستنقص علمه !! ، فما تبرح الأيام والليالي إلاّ
وتحل عليه ( معرة العقوق ) و ( آفة المتكبرين ) حيث يقصمهم الله تعالى ،
ويهون على الناس ، ويُنسى علمه ، ويصبح من الهمج الرعاع .
وإن من صور التعالم - وهي كثير - :
[ 1 ] دعوى أنه لم
يسبق إلى إيضاح هذه المسألة أحدٌ قبله ! .
[ 2 ] ومنها : التكلم بـ ( نا ) الفاعلين ، بـ ( كنا ) و (
رأينا ) و ( ذهبنا ) و ( زارنا ) ، ويزداد القبح إذا كان التعبير في مسائل
الاجتهاد - مقام العلماء - بقوله : مذهبنا ، واختيارنا ، وترجيحنا ، وعندنا
!!! .
[ 3 ] ومن صوره : لوك اللسان على غير عبارته محاكاة لبعض
أهل العلم في طرحه للفتوى ! ، فتجد من يقلد جماعة من أكابر العلماء في
أصواتهم ، بل في بعض الحركات العادية والجبلية من هز الرأس ، وخفضه ورفعه ،
وتحريك اليد ونحوها .
[ 4 ] ومن صوره : الحرص على الإخبار بسابق بحوثه وتقريراته
في محضر شيخه ، بل ومنهم من يصدم قول الشيخ إذا منحه بالفائدة فيقول : هذا
معروف ، أو قد قرأته قبل ذلك في الكتاب الفلاني !! ، وكان من الأدب أن يظهر
للشيخ فرحه بالفائدة ، وجلالتها ، والدعاء له .
[ 5 ] ومن صور التعالم : تنصيب الشخص نفسه للكلام في معضلات
الأمور ، ومحدثات النوازل ، وقد وقاه الله حرارة الفتيا ، والظهور للأمة
بالتحليل والتحريم ، فتجد اليوم ( أنصاف المتعلمين ) يتجادلون في ( موطن
نزهتهم ) أو بجانب ( ملعب كرتهم !!! ) عن مسألة : كفر المعين ، والعذر
بالجهل ، ومولاة الكفار ، والحكم بغير ما أنزل الله ، وحل الإسقاط ، وإباحة
التأمين ، وطلاق الثلاث ، وسباق الرهان ، بل ربما تباهلوا على ما يقولون !!
.
وهم لم يعرفوا ما
أوجب الله من أصول التوحيد ، وفروض الدين ، وآداب المسلم مع نفسه و والديه
وإخوانه ومشايخه وسائر المسلمين ! .
[ 6 ] ومن صور التعالم : لف الفتيا ، والهروب من : لا أدري
؟! ، وهذه بلية قد ذكر صوراً منها ابن الجوزي في " تلبيس إبليس " .
فعندما يأتيه
العامي الجاهل ، ويسأل عن مسألةٍ يجهل هذا المفتي جوابها ! ، تتعاظم نفسه
أن يقول بصوت المعتذر الخجول : والله لا أدري ، لعلي أراجع لك ونحو هذا
.
وإنما يجيبه عن
مسألة أخرى شبيهة أو قريبة لمسألته ، ويكل الفهم إلى هذا المستفتي - الجاهل
- فيدبر ويظن بأنه أفتاه ؟! .
[ 7 ] ومن صور التعالم : سوء الأدب مع أكابر العلماء في
الخطاب ! ، وتجريدهم عن صفة العلم والديانة والمشيخة ، و وصفهم بما يليق
بهم ، فيجرد اسمه ويقول : فلان ، أو ابن فلان - من غير أن يشتهر به -
ويزداد الطين بِلّة إذا قال : أخونا فلان ، وفلان من أصحابنا .
ومن ذلك - وهو خفي
- إرداف ذكره مع ذكرهم !! ، فيقول : هو قول الأئمة الأربعة واختيار شيخ
الإسلام ابن تيمية والشيخ ابن باز ، وهو قولي !!!!!! ، وكان الأدب أن يقول
: وهو الصواب .
[ 8 ] ومن صور التعالم : ما ينطق به بعض طلاب العلم في بعض
التصانيف الفقهية بقولهم : أفتى به الأصحاب ، ويعني المذهب الفقيه المنتَسب
إليه ، وهذه العبارة في أي مذاهب من المذاهب المتبوعة لا يطلقها إلاّ من
بلغ رتبة عليّة في الفقيه حتى ( يصحب ) بها أولئك القوم ، وإلاّ فليقل :
أفتى بها مشايخنا وأئمتنا ، أو مشايخ المذهب وأئمته ، ونحوه .
[ 9 ] ومن صور التعالم : - وقد سبق الإشارة إلى مثلها -
عقوق الشيخ ! ، فقد ينشأ طالب العلم على يد شيخ أو طالب علمٍ متوسط ،
فيعلمه مبادئ العلوم ، وأصول الدين ، ثم تذهب الأيام والليالي ، فيشب
الطالب ، ويقوى عوده ، فيتجلى له قصور ذلك الشيخ المعلم ، وربما جهله في
بعض جوانب العلم ، فيتعاظم عليه ، ويتكبر ، وربما يستهجنه ، ويستثقل
احترامه ، وهذا من صميم عقوق المشايخ ، ومقابلة الإحسان بالإساءة ، ويكفي
ذلك الشيخ فخراً أن هذا المسكين المتعالم كان في يومٍ من الأيام : منكسراً
بين يديه يعلمه ويربيه ، وكان الواجب عليه أن يتواضع له ، ويكرمه ، ويجله ،
ويظهر فضله أمام الناس ، ويقول : اعلموا أن هذا الشيخ معلمي ، وإذا دخل
المجلس قام له بالترحيب والتبجيل ، ويصدره في المجلس ، كما يصنع الابن مع
والده .
[ 10 ] من صور التعالم : حضور الممتحن ، وجلوس المترصد ،
واللامبالاة ! عندما يجلس عند من ذُكر بالفضل وهو لا يعرفه ، فإن هذا يحرم
بركة هذا الشيخ بنيل الفائدة منه .
ولو جلس عنده جلوس
المستجدي ، وحضور طالب الفائدة مع نظرة الإكبار والإجلال : لفُتح عليه من
ذلك الباب العظيم ، وهذا مجرّب أكيد : فقد ذكر لي مسنٌّ في بعض أحياء
الرياض ممن أدرك سماحة الشيخ الإمام محمد بن إبراهيم رحمه الله وقرأ عليه ،
فزرته واستأذنته في قراءة مسموعاته على الشيخ محمد بن إبراهيم ، فأذن لي ،
فلما بدأت في القراءة لم يظهر لي منه كبير فائدة ، فراجعت نفسي ، وقلت :
شيخ مسنٌ سابق بالهجرة والإسلام ، لازم مجالس الأئمة ، لماذا لا أكثر من
إجلاله واحترامه ، فاستحضرت ذلك في قلبي ، وألقيت بين يديه جسدي ولبّي ،
ونظرت إليه نظرة التلميذ المستجدي من شيخه ، وأكثرت من قولي : ( سم أحسن
الله عملكم ) ( نعم بارك الله فيكم ) ( كيف حالكم شيخنا ) ( كيف أصبحت الله
يرعاكم ) ، وقدمت له من خدمة الطالب لشيخه ما قدمت ، فوالله لقد سجلت منه
بعد ذلك من الدرر والفوائد ما لم أجدها عند غيره ، وهو حي يرزق - بارك الله
في عمره - .
[ 11 ] ومن صور التعالم : التبرئة المبطَّنة !! ، فعندما
يحضر ( الطالب الناشئ ) فيُثنى عليه بما ليس فيه ، فيتكلم في تبرئة نفسه
بأسلوب ( أهل الورع ) وكأن لسان حاله أقول هذا حتى يقول الناس : ما أجلّه
يتواضع !! ، بينما ربما تكون حقيقة حاله خلاف ذلك تماماً !! ، إذ التواضع
يكون عن أصل موجود من الخلق الحسن ، فيكره إظهاره ، وهذا لا وجود لهذا
الخلق فيه أصلاً .
فوجب عليه أن لا يكتفي بمثل هذه التبرئة المبطنة !! ،
وإنما يغلظ النكير على صاحب الإطراء ، ويقول للناس : والله لستُ كذلك ،
وأنا أعرف بنفسي من غيري ، ولو ذكر بعض ما ينقصه من العلم لكان أتم ، كما
حصل في قصة حصين بن عبدالرحمن مع سعيد بن جبير عندما قال له : إنني لدغت
البارحة ، ثم قال : أما إني لم أكن في صلاة .
[ 12 ] ومن صور التعالم : التساهل في تقديم الرؤوس للتقبيل ،
بغض النظر عن أصل مشروعيته ، بل ربما من البعض من يطأطئ رأسه لذلك
.
[ 13 ] ومن صور التعالم : محبة الإلتفاف من حوله في المساجد
، وخاصة في ساحات الحرم !!! ، وكان من السلف من كان إذا جلس إليه أكثر من
اثنين قام وتركهم .
[ 14 ] ومن صور التعالم : السير بين مجموعة من ( طلابه !! )
يكتنفونه يميناً وشمالاً ومن خلفه !! ، وقد كره جماعة من السلف أن توطأ
أعقابهم ، وقالوا بأنها : ذلة للتابع فتنة للمتبوع .
[ 15 ] ومن صوره التعالم : قول طالب العلم المتصدر للتدريس :
فلان من طلابي !!! ، ويزيد الأمر قبحاً إذا قال : من طلابنا ، أو من
تلاميذنا !! ، والأولى أن يقول : من إخواني ، أو من جملة أصحابي ، أو من
المواظبين على حضور دروسي ونحو هذا ؟! .
إخــــواني
هذه خواطر وردت على
البال ، فرقمتها لكم ها هنا ، فأسأل الله تعالى أن يكتب بها النفع للجميع ،
وأن يلهمنا رشدنا ، وأن يقينا شرور أنفسنا ، وأن يعيذنا من الكبر ، ومساوئ
الأخلاق .