{ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون } .
فيها ست مسائل :
المسألة الأولى : ذكر الله الأنعام في معرض الامتنان , فساق فيها وجوها
من المتاع , وأنواعا من الانتفاع , وساق الخيل والبغال والحمير , فكشف
قناعها , وبين أنتفاعها , وذلك الركوب والزينة , كما بين في تلك المتقدمة :
الدفء واللبن والأكل . [ ص: 122 ]
قال ابن القاسم وابن وهب : قال مالك : قال الله تعالى : { والخيل
والبغال والحمير لتركبوها وزينة } فجعلها للركوب والزينة , ولم يجعلها
للأكل ونحوه عن أشهب , ففهم مالك رحمه الله وجه إيراد النعم , وما أعد الله
له في كل نعمة من الانتفاع , فاقتصرت كل منفعة على وجه منفعتها التي عين
الله له , ورتبها فيه , فأما الخيل , وهي :
المسألة الثانية : فقال الشافعي : إنها تؤكل , وعمدته الحديث الصحيح عن
جابر : { نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فأكلناه } .
وروي أن { النبي صلى الله عليه وسلم أذن في لحوم الخيل , وحرم لحوم الحمر }
.
وقال علماؤنا : كانت هذه الرواية عن جابر حكاية حال , وقضية في عين ;
فيحتمل أن يكونوا ذبحوا لضرورة , ولا يحتج بقضايا الأحوال المحتملة , وأما
الحمر , وهي :
المسألة الثالثة : فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم حرمها
يوم خيبر , واختلف في تحريمها على أربعة أقوال :
الأول : إنما حرمت شرعا .
الثاني : أنها حرمت ; لأنها كانت جوال القرية , أي تأكل الجلة , وهي
النجاسة .
الثالث : أنها كانت حمولة القوم ; ولذلك روي في الحديث أنه قيل : يا
رسول الله ; أكلت الحمر , فنيت الحمر ; فحرمها . [ ص: 123 ] الرابع : أنها
حرمت ; لأنها أفنيت قبل القسم , فمنع النبي صلى الله عليه وسلم من أكلها ,
حتى تقسم .
وأما البغال , وهي : المسألة الرابعة : فإنها تلحق الحمير على كل قول .
فأما إن قلنا إن الخيل لا تؤكل فهي متولدة بين عينين لا يؤكلان , وإن
قلنا : تؤكل الخيل فإنها عين متولدة بين مأكول وبين ما لا يؤكل ; فغلب
التحريم على ما يلزم في الأصول .
المسألة الخامسة : في تحقيق المقصود : قد بينا فيما تقدم أن المحرمات
مقصورة على ما في سورة الأنعام , وحققنا ما يتعلق به وينضاف إليه في آيات
الأحكام منها , وقد حررنا في كتب الخلاف أن مدار التحليل والتحريم في
المطعومات يدور على ثلاث آيات , وخبر واحد .
الآية الأولى : قوله : { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } .
الآية الثانية : قوله : { حرمت عليكم الميتة } .
الآية الثالثة : آية الأنعام قوله : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما }
.
الرابع الخبر : قوله صلى الله عليه وسلم : { أكل كل ذي ناب من السباع
حرام } .
وفي لفظ آخر : { نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من
السباع وحرم لحوم الحمر [ ص: 124 ] الأهلية } .
وقوله : { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } آخر آية نزلت , كما سبق
بيانه , فإن عولنا عليها فالكل سواها مباح , وإن رأينا إلحاق غيرها بها
حسبما يترتب في الأدلة , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : { لا يحل دم
امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث } . ثم جاءت الزيادة عليها حتى انتهت أسباب إباحة
الدم عند المالكية إلى عشرة أسباب , فالحال في ذلك مترددة ولأجله اختار
المتوسطون من علمائنا الكراهية في هذه الحرمات , توسطا بين الحل والحرمة ;
لتعارض الأدلة , وإشكال مأخذ الفتوى فيها .
وقد قال الشافعي : الثعلب والضبع حلال , وهو قد عول على قوله : { أكل كل
ذي ناب من السباع حرام } , ولكنه زعم أن الضبع يخرج عنه بحديث يرويه جابر
أن { النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الضبع أحلال هي ؟ قال : نعم , وفيها
إذا أتلفها المحرم كبش } .
وفي رواية : هي صيد , وفيها كبش .
وهذا نص في الاستثناء كما زعم لو صح , ولكنه لم يثبت سنده , ولو عولنا
عليه لما خصصنا التحليل من جملة السباع بالضبع , ولكنا نقول : إنه ينبني
على قاعدة التحليل , وأن الكل قد خرج عن التحريم , وانحصرت المحرمات في آية
الأنعام , وهذه المعارضات هي التي أوجبت اختلاف العلماء , فانظروها
واسبروها , وما ظهر هو الذي يتقرر والله أعلم .
http://www.islamweb.net/ver2/library/BooksCategory.php?idfrom=1534&idto=1535&bk_no=46&ID=1529