روى مسلم من حديث
أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله
أعلم.
قال: ذكرك أخاك
بما يكره.
قيل: أفرأيت إن
كان في أخي ما أقول.
قال: إن كان فيه
ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته.
ومن حقوق المسلم
على أخيه أن يستر عيبه ولا يكشف ستره، ويحاول جاهدا أن يناصحه سرا إن بدا منه ما
يستوجب النصيحة.
وفي صحيح مسلم من
حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
لا يستر عبدٌ عبدًا في الدنيا إلا
ستره الله يوم القيامة.
فالعاصي المستتر بذنبه ينبغي لنا أن نستر عليه ونناصحه سرا ما دام ذنبه لم يتجاوز
ضرره إلى غيره، لأن سترنا عليه ربما كان سببا في توبته، ولأن فضحه ربما جرأه على
المجاهرة بمعصيته والإصرار عليها.
أما العاصي المجاهر بالمعصية والذي أظهر المنكر وسعى في نشره بين الناس فإنه قد فضح
نفسه فليس من المصلحة الستر عليه وترك الحديث عما أظهره من المنكر.
بل المصلحة تكون في التحذير منه والإنكار عليه في حضوره وفي غيابه، ولا يعد ذلك من
الغيبة المحرمة.
ولا حرمة له فيما جاهر به من المنكر، والكلام عنه في ذلك ليس من
الغيبة المحرمة.
كما أن إعلانه للمنكر ثم مطالبتنا بالإنكار عليه سرا من المكر
والحيلة في حماية باطله، فبعض الناس إذا رأوا المنكرَ لم يُنكر حسِبوه معروفاً
وظنوه حقاً.
وقد أذن الشرع
بغيبة أهل الفسق والفجور والانحراف حتى يكشف أمرهم ويحذر الناس منهم ولا يغتر بهم.
قال البخاري رحمه
الله باب: ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب
وسئل شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله عن قوله صلى الله عليه وسلم : { لا غيبة لفاسق }
وما حد الفسق ؟
ورجل شاجر رجلين : أحدهما شارب خمر أو جليس في الشرب أو آكل حرام أو حاضر الرقص أو
السماع للدف أو الشبابة : فهل على من لم يسلم عليه إثم ؟ .
فأجاب : أما
الحديث فليس هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ; ولكنه مأثور عن الحسن البصري
أنه قال : أترغبون عن ذكر الفاجر ؟ اذكروا بما فيه يحذره الناس .
وفي حديث آخر : {
من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له } .
وهذان النوعان
يجوز فيهما الغيبة بلا نزاع بين العلماء.
أحدهما :
أن يكون الرجل مظهرا للفجور مثل
الظلم والفواحش والبدع المخالفة للسنة فإذا أظهر المنكر وجب الإنكار عليه بحسب
القدرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم
يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان } رواه مسلم .
وفي المسند والسنن
عن { أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : أيها الناس إنكم تقرءون القرآن وتقرءون
هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم
من ضل إذا اهتديتم } وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس إذا
رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه }
فمن أظهر المنكر
وجب الإنكار عليه وأن يهجر ويذم على ذلك .
فهذا معنى قولهم :
من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له .
بخلاف من كان
مستترا بذنبه مستخفيا فإن هذا يستر عليه ; لكن ينصح سرا ويهجره من عرف حاله حتى
يتوب ويذكر أمره على وجه النصيحة .
النوع الثاني :
أن يستشار الرجل في مناكحته
ومعاملته أو استشهاده ويعلم أنه لا يصلح لذلك ; فينصحه مستشاره ببيان حاله كما ثبت
في الصحيح { أن النبي صلى الله عليه وسلم قالت له فاطمة بنت قيس : قد خطبني أبو جهم
ومعاوية فقال لها : أما أبو جهم فرجل ضراب للنساء وأما معاوية فصعلوك لا مال له }
فبين النبي صلى الله عليه وسلم حال الخاطبين للمرأة .
فهذا حجة لقول
الحسن : أترغبون عن ذكر
الفاجر اذكروه بما فيه يحذره الناس فإن النصح في الدين أعظم من النصح في الدنيا
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نصح المرأة في دنياها فالنصيحة في الدين أعظم.
مجموع الفتاوى (28/219-220)
قال النووي رحمه
الله في "رياض الصالحين " : "باب ما يباح من الغيبة:
اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي، لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو ستة أسباب :
وذكر منها : الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته
كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلما، وتولي
الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب..
وقد نظمها بعض
العلماء في قوله:
القدح ليس بغيبة في ستة ... . متظلم ومعرف ومحذر
ومجاهر فسقا ومستفت ومن .... طلب إلاعانة في إزالة منكر
وقال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: "اعلم أن ذكر الإنسان بما يكره محرم إذا كان
المقصود منه مجرد الذم والعيب والنقص.
فأما إن كان فيه مصلحة لعامة المسلمين أو خاصة لبعضهم، وكان المقصود منه تحصيل تلك
المصلحة، فليس بمحرم، بل مندوب إليه.اهـ. "الفرق بين النصيحة والتعيير" (ص 25)
والعجب ممن ينكر على من يحذر ممن يجاهر بالفسق ويسعى جاهدا لإفساد أخلاق المسلمين
ويزعم أن هذا مخالف لهدي السلف .
وهذا من التلبيس
على الناس ومن المخاصمة عن أهل الباطل والفجور التي نهى الله عنها في كتابة فقال:
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين
خصيما } { واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما } ولا تجادل عن الذين يختانون
أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } { يستخفون من الناس ولا يستخفون من
الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا } { ها
أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من
يكون عليهم وكيلا } .
ولو أن إنسانا في
قرية نائية افتتح مرقصا وجلب الفاسقات والبغايا ليفتن الناس عن دينهم ويشغلهم عن
ذكر الله تعالى لكان واجبا على المسلمين كف شره والتحذير من فتنته وفضحه.
فكيف بمن يحاول
جاهدا إدخال المراقص عبر قنواته لكل بيت من بيوت المسلمين ، ولا يقتصر شر قنواته
على بلد دون آخر ، بل عم شره الجميع.
فهل لهذا حرمة ؟
وهل غيبته محرمة ؟ وهل المصلحة في نصحه سرا ؟
أم أن الأولى أن
يعامل بما يستحق وأن ينكر عليه علانية كما أنه لم يتورع عن إعلان المنكر والدعوة
إليه بكل وسيلة ممكنة.
أيها المدافعون
والمخاصمون عن الخائنين ألم تسألوا أنفسكم كم سببت تلك القنوات الماجنة من مفاسد
وكم من الحرمات
قد انتهكت بسبب ما تبثه من مواد هدفها وأد العفاف ونشر الرذيلة ومحاربة الفضيلة.
وكم من الفواحش قد
ارتكبت بسبب إغواء تلك القنوات وتزيينها للفاحشة وتهوين أمرها
لو لم يكن من بين
هذه القنوات إلا قناة روتانا لكفاها خزيا وعارا ودعوة للرذيلة.
ومن السذاجة أن
يقال : إن صاحب هذه القنوات ومن يبذل ما يستطيع من مال وجهد لإفساد المسلمين صاحب
إنفاق وبذل في بعض وجوه الخير وأنه يحافظ على الصلوات الخمس.
فنقول : إن الله
غني عن هذا الإنفاق لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وقد نهى عن الإنفاق من مال
حرام فقال تعالى : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه.
ومجرد الإنفاق أو
الصلاة لا تمنع من إساءة الظن بمن ظهر فسقه وانتشر شره لأن المنافقين لم تنفعهم
صلاتهم ولا إنفاقهم ولا خروجهم مع النبي صلى الله عليه وسلم للغزو .
قال شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله : وقد أخبر الله عن المنافقين أنهم يصلون ويزكون وأنه لا يقبل
ذلك منهم، وقال تعالى : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى
الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } .
وقال تعالى : { قل
أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين } { وما منعهم أن تقبل
منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا
ينفقون إلا وهم كارهون }
وقد كانوا يشهدون
مع النبي صلى الله عليه وسلم مغازيه كما شهد عبد الله بن أبي ابن سلول وغيره من
المنافقين " الغزوة " التي قال فيها عبد الله بن أبي : { لئن رجعنا إلى المدينة
ليخرجن الأعز منها الأذل } . مجموع الفتاوى (7/ 470)
والإنكار على من
اشتهر فسقه وإساءة الظن به وتحذير الناس منه علانية والدعوة إلى عدم الاغترار بما
له من إنفاق أو صلاة أو غير ذلك، لا يعني الحكم عليه بالكفر والخروج من الملة فذك
أمر لا يكون إلا ببينة وبرهان ولا يبنى على مجرد الظنون.
و كذلك لا نيأس من
رجوع من ضل إلى الحق فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء .
ثم إن تشبيه
المسلم بكافر لأمر دون الكفر يشتركان فيه لا يعني تكفير المسلم والحكم عليه بالردة،
ولذلك شُبه القدرية بالمجوس الذين يعبدون النار ويقولون بإلهين اثنين.
يقول شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله: ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين دون القضاء والقدر وكان من
القدرية كالمعتزلة ونحوهم الذين هم مجوس هذه الأمة فهؤلاء يشبهون المجوس وأولئك
يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو من
أتباع إبليس الذي اعترض على الرب سبحانه. مجموع الفتاوى (11/29)
وقال في موضع آخر
: ولهذا كان المعتزلة ونحوهم من القدرية مجوس هذه الأمة . الفتاوى (16/215)
فلوجود وجه شبه
بينهم وبين المجوس سموا بمجوس هذه الأمة.
ومعلوم أن أهل
السنة لا يكفرون المعتزلة رغم كثرة ضلالاتهم والتي منها قولهم في القدر الذي
شابهوا فيه المجوس.
إنه عار على بلاد
التوحيد ومأرز الوحي ومهوى أفئدة المسلمين أن يكون من بين أبنائها من يملك قنوات
الخنا والفجور والرذيلة .
وعار عليهم أيضا
ألا ينكروا على أصحاب هذه القنوات وألا يبذلوا ما يستطيعون من جهد لإيقاف أصحابها
عند حدهم وإلزامهم بكف شرهم عن المسلمين.
وأشد عارا أن يأت
من بيننا من يدافع عن أصحاب هذه القنوات ودعاة الإفساد ويدعي أن منهج أهل السنة
والجماعة هو مناصحة هؤلاء سرا.
إن منهج السلف
بريء من هذا الفهم السقيم، وأحوال السلف ومواقفهم التي لا تعد كثرة، شاهدة بمواقفهم
من أهل الفساد والبدع والإنحرافات، وتصريحهم بأسمائهم وهجرهم ودعوة الناس لاجتنابهم
معروفة مشهورة.
وأخيرا نسأل الله
تعالى بمنه وفضله وكرمه وجوده أن يهدي ضال المسلمين وأن يعيدهم إلى الحق وأن يجعلهم
من المدافعين عنه والداعين إليه على هدى وبصيرة.
ومن علم الله منه
أن لا يرجع إلى الحق فنسأل الله تعالى أن يكف شره عن المسلمين وأن يحول بينه وبين
ما يريد من إفسادهم.