بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين .
أما
بعد :
فقد قرأت مقالة تركي السديري والتي عنونها بـ (
من علمونا.. وعلموا من
علمونا ) وقد رأيت أنه أساء فيها إلى جهات
متعددة في هذا الصرح العظيم " المملكة العربية السعودية
" حيث أومأ إلى هيئات الأمربالمعروف والنهي عن المنكر بقوله
:
( أليس من
الغريب أن نكون الآن "نوعية إسلامية أو ثقافية" مختلفة عن الآخرين.. كل
المسلمين الآخرين، بل أكثر اختلافاً عن الإخوة الأشقاء والأقرب في الجوار
مثل الإمارات، والبحرين، والكويت وأخيراً قطر.. بل وأيضاً عمان.. عمان التي
وجدت بها أفضل مظهر محترم للمرأة فهي كاشفة الوجه لكنها محكمة التحجب
ومحترمة التعامل أيضاً دون أن تكون خلفها عصا تتحرك يميناً ويساراً وتسمع
نداء.. تستري.. حيث في شكل المتابعة عندنا ما يوحي بأن المرأة لم تخرج من
البيت إلا لكي تبتذل.. )
ومعلوم أن هذا
القول يعني الاستخفاف بشأن الأمر بالستر , واتهام فاعله بأنه بعيد عن روح
العصر , ودليله في ذلك ما يراه من حال المرأة في مجتمعات الخليج
الأخرى , وكأنه بذلك يقول : إن المرأة في الخليج حققت كل
ماتصبو إليه من آمال وتطلعات , وحلَّت كلَّ ماتعانيه من عقد ومشكلات بكشفها
لوجهها , وهذا مع مافيه من سطحية المعالجة , وبرود الفكرة , وقصور
النظرة , حيث اختصرت كلُّ العقد والمشكلات بمسألة كشف الوجه , وهذا
يكشف للمتأمل مستوى الضعف في المعالجات عند غالب من يكتب في صحفنا , وخاصة
منهم رؤساء التحرير .
إن كلمة تستري
والتي استنكرها تركي السديري نابعة من منهج هذه الدولة وماتتبناه من
الأخذ بالقول الذي تراه راجحا , وأما مقارنتنا بدول الخليج واعتبار أن
اختلافنا مع هذه الدول يرمز لتأخرنا ولضعف ثقافتنا فهذا مرفوض لسبب
سهل جدا , حيث تلك الدول لاتمانع من نشر الخمور في فنادقها وخاصة فئة
خمس نجوم , كما ويوجد فيها قاعات لاجتماع البغايا ومراقص اللهو , فهل
امتناعنا عن مجاراتهم في هذا المنكرات العظيمة سبب من أسباب تخلفنا
واستمساكنا بثقافة هزيلة في نظر السديري ؟ .
يمكن لأحد أن
يقول ولكن كشف الوجه ليس كالإذن ببيع الخمور أو صالات الرقص وبارات الخمور
, ولكن هذا الاعتراض غير وارد هنا لأني ضربت مثلا في المسموح به في
تلك الدول ولم أقارن بين المسألتين , حيث الخلاف في مسألة كشف الوجه معلوم
, والقول بوجوب التغطية ليس إجماعا , وإنما القصد بيان اختلاف الأنظمة بين
تلك الدول , فإذا جاز لنا أن نختلف معهم في شيء , وجاز لهم أن
يختلفوا معنا في شيء آخر , فلماذا يرى السديري أن اختلافنا معهم في قضية
التستر من الاختلاف المرفوض ؟ .
ولهم أيضا أراء
اختلفوا فيها عنَّا ولايمكن لنا أن نقبل بها بحال كبناء الكنائس
ونحوها , فلماذا لايناقش السديري وغيره من القضايا إلا قضية وجه المرأة
وقيادتها ؟ .
في عمان التي
استشهد بها تركي السديري ينتشر المذهب الإباضي , وهو مذهب الخوارج ,
فهل يقبل السديري أن يقوم الشباب مثلا باعتناق هذا المذهب والذي
يقوم على مبدأ التكفير بالكبيرة ؟ .
لماذا لم يختار
من النماذج إلا غطاء وجه المرأة , وهل تلك المرأة العمانية أو
الخليجية التي كشفت وجهها حققت ماتتمناه , وأصبحت لاتعاني من مشكلات وعقد ؟
.
ولماذا استشهد
بالمرأة التي تكشف وجهها في تلك الدول الخليجية , ونسي شريحة ضخمة لايستهان
بها في نفس تلك الدول من المحجبات اللواتي يرين وجوب تغطية الوجه ؟
.
ثم هل العائق
للمرأة عندنا هنا من حلِّ مشكلتها , وتجاوز المخاطر ,
وتنمية المواهب هو غطاء الوجه !!!! ؟ .
لدينا من الكوادر
العلمية , والنماذج الثقافية , والمهارات المتقدمة النسوية
مايؤكد سقوط نظرية أن غطاء الوجه سبب لتخلفنا عن غيرنا ,
فمالكم كيف تحكمون .
ثمَّ يقول
:
( وفيما
يخص الكتاب.. لدينا من ينظر إليه بريبة ويتصوره قدرة خارقة تحقق تلقائياً
ما بها من مفاهيم، والإنسان مجرد ممتطى ينقاد.. عند الإخوة الأشقاء..
الأقرب جواراً وصلت المرأة إلى احتلال أربع مناصب وزارية في الإمارات وحصلت
على مواقع مماثلة عند الأشقاء المجاورين.. الكتاب نسافر إليه هناك لأنه
يغري بمزيج الثقافات والمفاهيم المعروضة، ونحن لنا عقولنا التي تتمرد على
الباطل.. )
وهذا خلط عجيب
إذْ ماهي علاقة الكتاب بتوزير المرأة , وعلى فرض أن للكتاب علاقة
بتعيينها وزيرة , فماهي الوزارات التي يختارها السديري لتكون للمرأة , وهل
إذا تعينت وزيرة ستكون أكثر قدرة على النجاح وتجاوز المشكلات
من الوزراء الذكور ؟ .
وهل سيقبل أن
تُعين المرأة وزيرة في بعض الوزارت السيادية أو أن تترقى إلى أعلى الهرم في
مجلس الوزراء ؟ .
فإن امتنع عن
تعيينها في تلك الوزارات فقد أثبت احتقاره لها وعدم ثقته بأهليتها , وإن
قبل تعيينها في تلك الوزارات فقد كشف عمَّا تنطوي عليه تلك الدعوات التي
تطالب بتعيين المرأة وزيرة أو عضوة في مجلس الشورى أو غيرها من رغبة
جامحة في تغيير شكل الحكم في هذه البلاد .
مع أن الفصل في
هذا الأمر ليس من قدرات السديري ولاغيره , فهذا مختص بنظره أولوا الأمر من
العلماء والأمراء .
ومن جانب آخر
فإذا كان تركي السديري يرى أن لناعقولا تتمرد على الباطل , وهو بهذا يؤيد
فتح المجال للكتاب وعدم حجبه , فهل سيقبل أن تباع كتب الدعوة إلى التفجير
والخروج على الحكام بهذه الحجة ؟ .
وهل سيقبل أن
تباع الكتب التي تسيء إلى هذه الدولة ورموزها وتنتقصهم وتعتدي على
ذواتهم تحت ذريعة العقول المتمردة على الباطل ؟ .
هل سيقبل السديري
أن تباع كتب الظواهري ورسائل ابن لادن والمقدسي وغيرهم ممن ناصبوا هذه
الدولة العداء بحجة الحصانة الذاتية ؟ .
لماذا لايوجد
مصطلح التمرد على الباطل , والحصانة الذاتية إلا عند كتب الإلحاد وروايات
الشذوذ وإفرازات الحداثة , أما كتب الولاء والبراء , ومناهج التعليم ,
والدرر السنية لأئمة الدعوة النجدية فهي تحتاج إلى مراجعة وتنقيح لأنها
عامل من عوامل نشر ثقافة الكراهية والعداء !!! .
عجيب هذا
الازدواج في المعايير , فكتب الرذيلة يجب الإذن لها بحجة وجودها في
الإنترنت , وبمبدأ الحصانة الذاتية , وبمنطلق التنوع الثقافي , أما غيرها
من الكتب المضادة فيجب منعها ومحاربتها وحجب مواقع
انتشارها لأنها تنمي ثقافة العداء .
أنا أؤيد أن تمنع
كتب الظواهري وغيره من أعداء هذه الدولة , وأطالب بحجب المواقع التي
تنشر إفرازاتهم , كما أطالب بمنع كتب الإلحاد والرذيلة التي بيع كثير
منها في معارض الكتاب .
ثم إذا كنت
ياتركي السديري لا ترى بأسا في اقتناء الكتب المخالفة بحجة الانفتاح على
الثقافات , وتنمية المعرفة , فلماذا تضيق بالرأي المخالف في جريدتك ,
وتمارس الإقصاء مع بعض من يختلفون معك ؟ .
ثم يقول
:
( الذين
علموا من علمونا لم يمر الكتاب بتنوعه ومتضاداته وعروض مفاهيمه في حياتهم
إطلاقاً، بل حتى أيضاً على مستوى الثقافة الدينية هناك استيعاب محدود داخل
نطاق ضيق.. أذكر أن مدرساً لنا في مادة الفقه من مواطنينا كان يدرسنا كتاب
زاد المستقنع في المرحلة المتوسطة، وفشلنا جميعاً في تفهم مضامين العناوين
وكذا النصوص، فتكررت أسئلتنا له، ولأنه لا يملك جواباً واضحاً قال احفظوه
مثلما فعلت أنا وستنجحون.. هذه محدودية معلومات من علمنا، أما من علمه هو
فلك أن تتصور قبل أن يعرف الناس الكهرباء أو ماسورة الماء أو غاز الطبخ
وكانت العنز هي المراعي أو الصافي آنذاك وكلمة "اسفلت" أو "اسمنت" مجهولة
المعنى تماماً.. لك أن تتصور في تلك العزلة الصحراوية كيف كانت الصخور
والرمال والطين وحدها موجودات الواقع الصعب آنذاك.. )
وهذا يكشف ضعف
الحصيلة المعرفية لدى السديري حيث أظهر محدودية ثقافته , لاسيما وقد
ذكر آنفا أنه يسافر لاقتناء الكتاب , ولاشك أن من كانت هذه حاله فلن
يغيب عنه الموروث الضخم الذي خلفه لنا علماء هذه الأمة ورجالها ,
من مناقشات فكرية , وسجالات علمية , ومماحكات ثقافية , وهي معلومة
للأعمى والبصير , والأصم والسميع , فهل من يسافر المسافات
الطويلة لاقتناء الكتاب يخفى عليه هذا الموروث الذي زخرت به المكتبات , حتى
يقول إن من علموا من علمونا لم يمرَّ عليهم الكتاب بتنوعه ومتضاداته
وعروض مفاهيمه في حياتهم إطلاقا ؟ .
بل هذا القول
لايليق إلا بمن زعم أنه يسافر لاقتناء الكتاب وهو يجهل أقرب الأشياء إليه
.
أما ما استشهد به
من قصة ذاك المعلم فتحتاج إلى إثبات لأنني حين اعملت فكري في حساب
المسألة وجدت أن هذه الحادثة مقارنة بعمر الكاتب لها مايزيد على أربعين سنة
, وهذا يعني أن المدرس لتلك المادة قد استفاد من جهابذة الفقه في ذلك
العصر فليس من المعقول أن تخفى عليه تلك المصطلحات , أما أن تخفى على
الطالب فهذا غير مستغرب .
أما الكهرباء
والإسفلت والإسمنت والماسورة فلم تمنع من تشييد الحضارات , ولا من
نقل هذا الرصيد الضخم لعلماء الأمة , لكنه التسطيح في الفكرة إلى أبعد
الحدود .
ثمَّ يقول
:
( لقد قطع
الخليجيون شوطاً بعيداً في التقدم، لأن من علمهم أو علم من علمهم لم يكن
معزولاً عما يحدث في الكون سواء تعلق الأمر بمستحدث علمي أو بمستجد ثقافي..
)
وأنا أسأل تركي
السديري هل الشوط الذي قطعه الخليجيون في التقدم كان في العلم أم في
السياسة , فإن قال بل في العلم دون السياسة , لزمه أن يتهم القيادة
السياسية بإقرار هذا الجهل , وإن قال بهما جميعا أي في العلم والسياسة لزمه
تجهيل من علموا من علمونا كمايقول .
من علموا من
علمونا عايشوا فترة التأسيس على يد الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه , وهذه
الفترة من أخطر المراحل السياسية وأحرجها , وقد أثبتت نجاح السياسة فيها
إلى أبعد الحدود , ونهضة العلم والمعرفة , ولازال أبناء المؤسس يسيرون على
خطى من سبقهم ويرتسمون منهجه , فإن كان الخليجيون قد سبقونا بحسن السياسة
فهذا يعني أن من كان قبلنا لم يرسم لنا طريقا صحيحا , وإن كانوا أقلَّ
إتقانا للسياسة منا فهذا يناقض ماذهب إليه تركي السديري من مذهب
.
هذه وقفات عابرة
مع مقال السديري في جريدته في عددها ذي الرقم 14504 بتاريخ الأثنين 2 ربيع
الأول 1429هـ -10 مارس 2008م , أحببت أن أدلي بها إبراء للذمة وأداء
لواجب الإنكار .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا , واحفظ عليها دينها ,
وحماة دينها , وورثة نبيها , واجعل قادتها قدوة للخير مفاتيح للفضيلة ,
وارزقهم البطانة الناصحة الصالحة التي تذكرهم إن نسوا , وتعينهم إن تذكروا
, واجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له , ناهين عن المنكر مجتنبين له , ياسميع
الدعاء .
والله أعلى وأعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
وكتبه
سليمان بن أحمد بن عبدالعزيز الدويش
أبو
مالك