(
..............................................
وأقبح من ذلك في الأخلاق : ما حصل من الفساد في أمر اختلاط النساء،
بدعوى تهذيبهن وترقيتهن، وفتح المجال لهن في أعمال لم يخلقن لها ، حتى
نبذوا وظائفهن الأساسية، من تدبير المنْزل، وتربية الطفل، وتوجيه الناشئة -
التي هي فلذة أكبادهن، وأمل المستقبل - إلى ما فيه حب الدين والوطن، ومكارم
الأخلاق.
ونسوا واجباتهن الخلقية، من حب العائلة التي عليها قوام الأمم،
وإبدال ذلك بالتبرج والخلاعة، ودخولهن
في
بؤرات الفساد والرذائل، وادعاء أن ذلك من عمل التقدم والتمدن؛ فلا
والله ليس هذا التمدن في شرعنا وعرفنا وعادتنا.
ولا
يرضى أحد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان أو إسلام، أو مروءة، أن يرى
زوجته، أو أحدا من عائلته، أو المنتسبين للخير، في هذا الموقف المخزي؛ هذه
طريق شائكة تدفع بالأمة إلى هوة الدمار.
ولا
يقبل السير عليها إلا رجل خارج من دينه، خارج
من عقله، خارج من عربيته ; فالعائلة هي الركن الركين في بناء الأمم،
وهي الحصن الحصين الذي يجب على كل ذي شمم أن يدافع عنها.
إننا لا نريد من كلامنا هذا التعسف والتجبر من أمر النساء فالدين
الإسلامي قد شرع لهن حقوقا يتمتعن بها، لا توجد حتى الآن في قوانين أرقى
الأمم المتمدنة.
وإذا اتبعنا تعاليمه كما يجب، فلا تجد في تقاليدنا الإسلامية وشرعنا
السامي ما يؤخذ علينا، ولا يمنع من تقدمنا في مضمار الحياة والرقي، إذا
وجهنا المرأة في وظائفها الأساسية؛ وهذا ما يعترف به كثير من الأوربيين من
أرباب الحصافة والإنصاف.
ولقد اجتمعنا بكثير من هؤلاء الأجانب، واجتمع بهم كثير ممن نثق بهم
من المسلمين، وسمعناهم يشكون مرّ
الشكوى، من تفكك الأخلاق، وتصدع ركن العائلة في بلادهم من جراء
المفاسد.
وهم يقدّرون لنا تمسّكنا بديننا
وتقاليدنا، وما جاء به نبينا من التعاليم العالية، التي تقود
البشرية إلى طريق الهدى، وساحل السلامة ويودّون من صميم أفئدتهم لو يمكنهم
إصلاح حالتهم هذه، التي يتشاءمون منها، وتنذر ملكهم بالخراب والدمار،
والحروب الجائرة.
وهؤلاء نوابغ كتّابهم ومفكّريهم، قد علموا حق العلم هذه الهوة
الساحقة التي أمامهم، المنقادون لها بحكم الحالة الراهنة، وهم لا يفتؤون في
تنبيه شعوبهم، بالكتب والنشرات والجرائد، على عدم الاندفاع في هذه الطريق،
التي يعتقدونها سبب الدمار، وسبب الخراب.
إني
لأعجب أكبر العجب، ممن يدعي النور والعلم، وحب الرقي، من هذه الشبيبة التي
ترى بأعينها وتلمس بأيديها ما نوهنا به من الخطر الخلقي، الحائق بغيرنا من
الأمم، ثم لا ترعوي عن ذلك، وتتبارى في طغيانها، وتستمر في عمل كل أمر
يخالف تقاليدنا، وعاداتنا الإسلامية العربية، ولا ترجع إلى تعاليم الدين
الحنيفي الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم رحمة وهدى لنا، ولسائر
البشر.
فالواجب على كل مسلم وعربي فخور بدينه، معتز بعربيته، أن لا يخالف
مبادئه الدينية، وما أمره الله تعالى
بالقيام به لتدبير المعاد والمعاش، والعمل على كل ما فيه الخير
لبلاده ووطنه.
فالرقي الحقيقي، هو بصدق العزيمة، والعمل الصحيح، والسير على
الأخلاق الكريمة، والانصراف عن الرذيلة، وكل ما من شأنه أن يمس الدين،
والسمت العربي، والمروءة؛ وليس بالتقليد الأعمى؛ وأن يتبع طرائق آبائه
وأجداده، الذين أتوا بأعاظم الأمور، باتباعهم أوامر الشريعة التي تحت عبادة
الله، وحده، وإخلاص النية، في العمل.
وأن
يعرف حق المعرفة، معنى ربه، ومعنى الإسلام وعظمته، ومعنى ما جاء به نبينا،
ذلك البطل الكريم العظيم صلى الله عليه وسلم من التعاليم القيمة التي تسعد
الإنسان في الدارين; وتعلمه أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين; وأن يقوم أود
عائلته، ويصلح من شأنها، ويتذوق ثمرة عمله الشريف. فإذا عمل هذا، فقد قام
بواجبه، وخدم وطنه وبلاده.
إني
أرى من واجبي بصفتي مسلما، وبحسب عربيتي وإخلاصي لأبناء قومي، أن أقوم بهذه
النصائح لمن ولاني المولى أمرهم، مقتديا في عملي هذا بالنبي صلى الله عليه
وسلم الذي أرجو أن أكون تبعا له في أقوالي وأعمالي، وفي محياي ومماتي،
صابرا على ما تقوله الناس من الانتقادات غير مبال لها ولا وجل منها، كما
قيل:
إذا
كان الذي بيني وبين الله عامر فعسى الذي بيني وبين الناس
خراب