إبراهيم البليهي هو أحد أكبر المبهورين بالحضارة الغربية ، وهو الذي يرى
أن أي نقد للحضارة الغربية هو تركيز على سلة المهملات في القصر الغربي !
كما قال ذلك صراحة في لقاءه مع تركي الدخيل (إضاءات) .
وقد تعرض الأخ إبراهيم السكران لهذه الفكرة في فكر البليهي فقال :
وبعض غلاة المدنية قد أغلق الباب بينه وبين نقاد الثقافة الغربية, عن
طريق مسلمة مسبقة وهي أن "نقد الثقافة الغربية ناشئ عن الجهل بها" فكلما
رأى ناقداً للثقافة الغربية افترض أنه ينقدها بسبب أنه لايعرفها. وهذا تصور
غير صحيح بتاتاً, بل إن رموز نقد الفكر الغربي هم أكثر اطلاعاً من كثير من
المبشرين بالفكر الغربي, وسأضرب مثلاً هنا بأربعة مشروعات ضخمة: وهي مشروع
فيلسوف المغرب "د.طه عبدالرحمن" لاعادة تقويم التراث وحق الاختلاف الفكري
والفلسفي وتأصيل الفلسفة واستكشاف العلاقات الدقيقة بين الألسنية والمنطق,
ومشروع "د.ابويعرب المرزوقي" لربط جذر المشكلة الفلسفية والفكرية بالفلسفة
الاسمية في صورتها التيمية/الخلدونية, ومشروع "د.عبدالوهاب المسيري" لدراسة
ظاهرة العلمانية الشاملة -أو مايمكن تسميتها بظاهرة المادية- في التصور
الغربي, ومشروع "د.ادوارد سعيد" لتتبع تجليات "ارادة الهيمنة" في البنية
التحتية للمنتج الثقافي الغربي كظاهرة الاستشراق والسرديات الكبرى في
التاريخ الغربي.
فهؤلاء الرموز الأربعة لنقد الفكر الغربي ليسوا جهالاً به, بل هم أخبر
به من كثير من المبشرين بالغرب من غلاة المدنية, ومع ذلك فهؤلاء الرموز
الأربعة لديهم موقف صارم غير ودي تجاه الثقافة الغربية, وهذا مما يكشف أن
نقد الثقافة الغربية ليس انعكاساً للجهل بها.
وبعض غلاة المدنية يستنكر هذا النقد الاسلامي للثقافة الغربية, وينعى
على الاسلاميين غياب انبهارهم بمعجزة الحداثة الغربية, ويردد أن المجتمع
الغربي ليس فيه مما يخالف الاخلاق الا المشكلة الجنسية فقط, بينما يتمتع
المجتمع الغربي بأخلاقيات العمل كالصدق والأمانة ونحوها, وأن المجتمع
الغربي استطاع أن يمؤسس العدل والأخلاق, فالاسلاميون كمن دخل قصراً فخماً
فاشتغل بالنظر الى سلة المهملات وترك جمال القصر وابداعه, وهذه الفكرة
منتشرة كثيراً عند غلاة المدنية.
والحقيقة أن هذا المثل المضروب مثل مضلل خادع, وإنما المجتمع الغربي
كقصر فخم المظاهر لكن أساساته مهددة بالانهيار, فهل من العقلانية أن نستغرق
في جمال مظاهره ونستنفر الناس لدخوله, أم أن نحذر الناس من انهياره الوشيك؟
ومما يكشف ذلك أن الثقافة الغربية تعاني من اضطراب حاد على صعيد
الالهيات, فغالب الناس في ذلك المجتمع يعاني من تشوش عميق في هذا الأساس
الجوهري, أما أغلب النخب المثقفة فهي إما لائكية أو أن قضية الدين عندها
قضية مؤجلة غير محسومة, فالعالم الغربي نتيجة عدم تشرفه بالايمان بنبوة
محمد صلى الله عليه وسلم لايزال محروماً من التصورات الصحيحة الدقيقة عن
الله والمعاد والنبوات والعالم العلوي والمستقبل بعد الموت ونحوها من
المطالب العالية.
فهذا السؤال الجوهري وهو: ماذا خسر الغرب حين كفر بنبوة محمد؟ لايزال
غائباً عن كثير من المثقفين المسلمين وللأسف.
فالمجتمع الغربي حين كفر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم خسر تحقيق
مستقبل جيد بعد فناء البشرية وأصبح مهدداً بمخاطر كارثة جهنم, وخسر التعرف
على محتوى الوحي, وهي تلك المعلومات الثمينة التي حملها آخر رسول أرسله
خالق الكون الينا.
ولذا لم يستوعب كثير من مثقفي وفلاسفة الغرب مادلت عليه العلوم الالهية
من أن هرم الأولويات هو عمارة النفوس بالله, بتألهه والتعلق به, وتجريد
الذات لمراده ومحبوباته.
كما أن المجتمع الغربي لم يهتد لكثير من أصول وتفاصيل العدل التي كشفها
الوحي, فلم يهتد الى كارثية الربا والميسر والمسكرات والفواحش, ولم تتطور
عقليته التشريعية الى معرفة كثير من تفاصيل نظام الاثبات والقضاء الشرعي
والحدود الجنائية وقواعد العلاقات الأسرية التي دل عليها الوحي, بل لم يهتد
الى كثير من سنن الفطرة في الطهارة وازالة الأدران والتي نبهنا اليها الوحي
.
بل إن المجتمع الغربي يعاني من "ظاهرة الوثنية" التي هي أحط مستويات
التخلف, وكثير من غلاة المدنية لايتنبه لظاهرة الوثنية في المجتمع الغربي
نتيجة كونه يعتقد أن الوثنية هي السجود لصنم فقط, بينما مفهوم الوثنية في
القرآن أوسع من ذلك نتيجة سعة مفهوم العبودية, فإن الانصياع التام للهوى
الشخصي واللذة الخاصة عبادة للهوى, ولذلك قال تعالى:
{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (23) سورة الجاثية
وقال سبحانه:
(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ
عَلَيْهِ وَكِيلا}
وتبعاً لتأليه الهوى فان الانسان الخاضع لمتطلبات المادة خضوعاً تاماً
جعله النبي صلى الله عليه وسلم عبداً للمال, فقال كما في الصحيح (تعس
عبدالدينار, تعس عبدالدرهم).
فهذه النصوص تبين وجهاً من وجوه الوثنية وهو تأليه الهوى وعبودية
المادة.
فكم هو مؤلم أن يغيب عن مفكر مسلم حجم انتهاكات الشريعة في الحضارة
الغربية, ويرى أنه ليس في المجتمع الغربي الا مشكلة "الجنس" فقط, والواقع
أن التدقيق في مثل هذه المقالات يكشف أن كثيراً من ذلك ناتج عن المغالاة في
قيمة الحضارة المادية, والزهد في قيمة العلوم الالهية الموروثة عن الرسل,
وهذا مما يؤكد أن الغلو المدني ينبوع الانحراف الثقافي.
ومع ذلك فلو سلمنا لغلاة المدنية بأنه ليس في المجتمع الغربي من تقصير
الا الفوضى الجنسية, كاتخاذ الأخدان والسفاح وسن تشريعات زواج المثليين,
فان ذلك كافٍ في كشف انحطاط وظلامية وتخلف هذا المجتمع, وحاجته الماسة
والسريعة للتنوير بالعلوم الالهية, فظاهرة المثلية والشذوذ ليست مجرد سلة
مهملات صغيرة بل هي أحد موجبات الغضب الالهي العام, ولذلك فإن الله سبحانه
وتعالى عاقب قرية سدوم باهلاكها هلاكاً عاماً لما انتشرت فيها ظاهرة
المثليين, كما قال تعالى:
{ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ, مُسَوَّمَةً
عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}
وقال سبحانه عنهم أيضاً:
{ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ, فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا
سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ, إِنَّ فِي
ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ, وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ, إِنَّ
فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ}
فاذا كانت ظاهرة المثلية تستوجب هذا الغضب الالهي العارم فكيف يجوز
تهوين الأمر وعرضه باعتباره مشكلة محدودة مع أن المجتمع الغربي بلغ
بالمثلية تنظيمها تشريعياً وحفظ حقوق منحرفيها, ولم يناهض ظاهرة المثلية في
المجتمع الغربي الا المؤسسة الكنسية نتيجة ماتبقى لديها من نور النبوات,
ومع ذلك فان بعض الكنائس أطفأت ماتبقى من هذا النور الطفيف واعلنت احترامها
لهذه الظاهرة المنحرفة. أما القول بأن المجتمع الغربي استطاع أن يمؤسس
العدل والأخلاق, فانه كما استطاع أن يمؤسس بعض هذه, فإنه أيضاً استطاع
وبكفاءة أن يمؤسس كثيراً من تطبيقات الرذيلة والجريمة والظلم, ويوفر لها
أرقى الامكانيات التكنولوجية.
أما مايشيعه غلاة المدنية من تشبع المجتمع الغربي بأخلاقيات الصدق
والأمانة في العمل التجاري, فان بعض ذلك موجود حقيقة كما هو موجود في غيرهم
من الأمم, ولكن كثيراً منه ليس صدقاً وأمانة يبتغى بها وجه الله وليس
نابعاً من الاخلاص لخالق الكون سبحانه, بقدر ماإنها "مصداقية تسويقية"
مدفوعة بحسابات الربح والخسارة المادية ومهارات "الماركيتنج".
ويكشف ذلك احصائيات حجم الاختلاسات والسطو المنظم وفنون الجريمة في
المجتمع الغربي, والذي تعرضه دوماً الدراسات الاجتماعية باسهاب, وتقتبس منه
الصحافة أحياناً بعض النماذج, وهذا مما يؤكد أيضاً حاجة الغرب الى العلوم
الالهية لتصحيح الدوافع.