متابعة لمقالي قبل الأسبوع الماضي عن
"أزمتنا مع فكر وأيديولوجيا القاعدة"، ذكرت التالي: أن ما سهل
لأيديولوجيا وفكر القاعدة في الانتشار بين فئات من مواطنينا، هو
أنها قد أسست على بقع داكنة من ثقافتنا والتي أصبحت جزءا من
خطابنا الديني الشعبوي. ومن هذه البقع الداكنة خرجت المفاهيم
السائدة لدى عدد كبير من الناس بأن علماء الدين لا يجادلون. وأن
رجال الحسبة لا يحاسبون. كما تم استسهال إصدار الفتاوى
التكفيرية. وأن إزالة المنكر واجب على كل مسلم ومسلمة، بغض النظر
عن تحديد المنكر أو شرط العلم به والمسؤولية تجاهه، أو الطريقة
التي تتم بها. وعزز هذا انتشار الفكر الغيبي الخرافي وجعل
الإيمان به جزءا من قوة الإيمان. وتم إفراغ الأخلاق الدينية من
صفة التدين وإحلال الهيئة والطقوس الدينية الدالة على التدين
مكانها. وقد عززت شراسة العقيدة الشعبوية حدة، لدى البعض كره
الآخر المغاير والشك فيه والحط من إنسانيته ومضايقته وحصاره.
وأول من وقع ضحية سهلة لهذا المفهوم، هي المرأة. حيث تمت
مضايقتها في البيت وخارجه في العمل وأماكن الترفيه وحتى في أماكن
العبادة. ومطالبتها بعدم الحركة من دون ذكر ولو كان أصغر
أحفادها. وخروجها من البيت يعتبر إخراجا لأم المجاهدين من قعر
دارها، والذي يجب أن يكون مكان تفريخ وخط إنتاج للمجاهدين
الأشاوس الذين ينتظرون دورهم للنسف والتفجير. كما تم التضييق
من البعض على المواطن المخالف مذهبياً أو حتى اختلافه عنا في بعض
الممارسات الطقوسية. ورميه بالكفر والحث في التضييق عليه واتهامه
بالخطورة على البلاد والعباد. وليس بمستغرب أن نسمع وحتى من بعض
منابر المساجد والجوامع، ناهيك عن المجالس، عبارات الفرح والتشفي
عند سماع خبر كارثة طبيعية حلت بشعب ما، ليس بمسلم أو حتى ليس
بسني. وترديد دعاء "اللهم زد وبارك" وقد تسمعها تصدر حتى من
طبيب!!!. أما الآخر المغاير المقيم غير المواطن فحدث ولا
حرج. أما مفهوم الخصوصية فقد كان حجة المتشددين والمتطرفين في
تعبئة ثقافة التشدد في أذهان الناس وحمايتها من أي فكر أو نظام
فيه تخفيف لغلوائها. واتهام أي ناقد لها بالخروج على الثوابت
الدينية والوطنية وحتى على عادات وتقاليد الآباء والأجداد. وهكذا
تقبلها العامة كإرادة إلهية وهوية وطنية وحتمية تاريخية لا مناص
من الأخذ بها وبذل الغالي والنفيس من أجل التمسك بها وحمايتها
والدفاع عنها حتى آخر نفس. قام البعض بتكريس ثقافة التشدد من
منطلق حق الوصاية والأخذ بيد العامة (كل الشعب) وحمايتهم من
مزالق الزيغ والضلال والافتتان بالدنيا. حتى تم كتم وتعطيل
المباح الديني عن الناس، بحجة عدم توسعهم فيه. وذلك من مبدأ جواز
كتم العلم عن العامة. وكان أكبر داعم لهذه الثقافة نظرياً هو
التوسع في المبدأ الفقهي "سد باب الذرائع" والذي قعد لها شرعياً.
حيث تم سد جميع الأبواب والنوافذ على أي عمل أو فكر فيه تحديث
وتمدين للمجتمع والرقي به حضارياً واقتصادياً. وعلى النقيض فقد
فتح الأبواب والنوافذ وحتى الحيطان، للتشدد والتزمت والتخلف
الحضاري والاقتصادي. وكذلك تمت حمايتها بأجندات تجفيف منابع
السعادة. حتى أصر البعض على تحويل الأعياد الشعبية لمناحات
والأفراح لأتراح. وتم تغييب البسمة ومصادرة الأمل بحياة سعيدة
ورفاهية بريئة. وتم التركيز على مغانم الحياة الباقية ومغارم
الحياة الفانية. ولجلجت مكبرات صوت مساجدنا وجوامعنا وحتى
مدارسنا، بالنياحة والدعاء بالويل والثبور وقواصم الأمور على كل
مخالف ومتآمر علينا وعلى ديننا ونسائنا. وكأن العالم توقف عن
الحياة والتقدم ومشغول بالتخطيط للانقضاض علينا وعلى عقيدتنا.
ولم يسلم من هذا الدعاء حتى بعض مسؤولينا ومثقفينا. وهكذا تم زرع
ثقافة متجهمة سوداوية منغلقة خائفة شرسة وبنفس الوقت مرعوبة
مشككة بكل ما حولها عدا نفسها ومن يروج لها. وعلى هذا الأساس
جذرت ثقافة الموت وكره الحياة. ودعمت أحياناً بأحدث الوسائل
التعليمية والبصرية. فليس من المستغرب أن تدخل صالون، حلاق، أو
حتى مطعم لتشاهد صورا كبيرة وملونة لقبور وأناس مكفنين. وقد
سندت هذه الثقافة المتشددة بالمناهج التعليمية والتربوية، كما تم
تأجيجها بالمناهج اللاصفية والخفية. ودعمت هذه الثقافة عملياً
على الأرض، بصياغة أنظمة وتعليمات تكرسها وتثبتها كأمر واقع.
فأصبح التشدد هو القاعدة وما عداه شذوذ. وعلى هذه الأرضية
المتشددة نشأ جيل كامل لا يعرف أو يفقه حقا سواها. إننا
فعلاً أمام كارثة وطنية كادت تتسبب بتدمير وغزو جائر لبلادنا،
لولا لطف الله وسمعة قيادتنا الرشيدة وحكمتها التي اكتسبتها عبر
تاريخها السياسي الطويل المشهود له بالاتزان والعقلانية في تسيير
الأمور وتخطي الصعاب والأزمات الداخلية والخارجية. وما زال هذا
الخطر قائماً، ويتطلب من الجميع التصدي له كما يحث ويؤكد على ذلك
مسؤولونا، الذين صدمتهم المصيبة والمتهمون أكثر من غيرهم. فأول
خطوة تضعنا على الطريق الصحيح للقضاء على فتنة التشدد والتطرف
التي أبتلي بها مجتمعنا، هي الاعتراف بوجودها وأنها منا وفينا.
والخطوة الثانية هي صدق النية والعزم على مكافحتها والتخلص منها
ورميها خلف ظهورنا كتاريخ أسود مر بنا ولن يعود. والبحث عن حلول
صائبة وملائمة بمشاركة الجميع من جميع أطياف المجتمع وتوجهاته.
فالإقصاء كان من أخطر آفات مصيبتنا التي حلت بنا وتكرارها، تكرار
لها بصيغة أخرى. خاصة كون البقع المضيئة في ثقافتنا وديننا ولله
الحمد أكثر من أن تعد وتحصى. والتي يجب أن نبني عليها وننطلق
منها لغرس ثقافة الإنسانية والتسامح في مملكة الإنسانية والعطاء.
فليس بيننا متهم فعلي، متلبس بالجرم المشهود، غير الإرهابيين
وقياداتهم ومنظريهم. أما غالبية من ساهم بنشر ثقافة التشدد
والتطرف فقد وجدوا أنفسهم ضمن سياق ثقافي وحركي لم يتصوروا مدى
وحجم خطورته عليهم وعلى البلد. في النهاية إننا كلنا شاركنا في
نشر ثقافة التشدد والتطرف، إما عن طريق إشاعتها أو السكوت عنها.
وسمحنا لجيل كامل من فلذات أكبادنا بأن يكتووا بلظاها. إذاً
من بيده المفاتيح لإغلاق منابع التشدد والتطرف وحماية عقول
شبابنا منه؟ والذي جعل من بعضهم أدوات قتل وتفجير داخل المملكة
وخارجها. هل هو المثقف أم عالم الدين الوسطي أم من وتحت أي
شروط؟؟؟