سأريحكم من البحث عن معنى كلمة (هيعة).
ذلكم أنَّ آباءنا لم يستطيعوا نطق كلمة (هيئة) في هيئة الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر لدى وصولها وفرض هذا المسمى على العرب
الخلَّص الذين لم يأخذوا لغتهم مثلنا من كتب مَنَحَتْنا قاموسا
مفروضا - الكلمة ومعناها فقط -، لأنَّ لسانهم عربي لا يخضع
لتعليم اللغة لغير ناطقيها كما خضعنا، فاضطرُّوا إلى نطق الهمزة
عينا نظرا إلى التقارب الصوتيمي بين الهاء والعين حَلْقِياًّ دون
أن ينصاعوا للمصطلح الذي أوجده من كتب على الطرقات لوحةً مضحكةً
تقول: (سوق بزوق) وتجدونها على كل الطرقات، وقد قرأتها: (سُوقٌ
بَزُوقٌ) وبعد تأكدي من مضمونها علمت أنَّ صاحبها يقصد: (سُقْ
بذوقْ) لكنه عممها على العرب فعُمِّمَتْ من قبل إدارات المرور!!
كانتْ بداية حكايتي مع (الهيعة) عندما كنتُ في الخامسة من
عمري. ونظرا إلى سيرورة الزمن المتسارعة بوفاة آخرهما في البلد
الشيخ: محمد يحيى قاسم، وقد سبقه والدنا الشيخ: علي بن عبدالله
سوادي، وكانا رحمهما الله وجيهين من أسرتين وجيهتين توظَّفا في
الهيئة لدى افتتاحها. ذات يوم كان في البلد حالة استنفار في حمل
(مَعْدَل) وهو: عمود البيت من الشجر الضخم الذي يحمل على أكتاف
الرجال، وكان ضخما جدا والطريق صعبة الصعود بالثقيل، فما كان من
النساء - ومنهن أمي- إلا أن فَزِعْنَ مع الرجال لمساعدتهم في حمل
الثقيل، فانبرى لهنَّ رجلا (الهيعة) الجديدان على العمل، واللذان
يلتقيان كل نساء البلد بشكل اعتيادي سوى أنهما ينفذان عملهما
الوظيفي في الأماكن العامة من أسواق أو أماكن للتجمع، انبريا
صائحين: تغطَّوا يا حريم، روحوا يا حريم.. إلخ وكرراها حتى أذعن
لهما نساء البلد.. وخلال سير الرجال بالمعدل صعودا انزلقت أرجلهم
وصاروا جميعا منبطحين والحمل على رقابهم لا يستطيع أحد منهم
حراكا.. عندها نسي الوالدان (علي- ومحمد) تعليمات الهيعة الرسمية
وصاحا بأعلى صوت - وأنا أشاهد المنظر-: يا انتو يا حريم وكرراها
كثيرا، وفي لحظات كنَّ بأحزمتهنَّ يحملن جوانب المعدل حتى نهض
الرجال واستمرَرْنَ معهم في الحمل حتى وصل المعدل. وبعدها سألتُ
أمِّي عن تفسير الحالتين: طرد النساء، ودعوتهن، فأجابتني: يا
ولدي وظيفتهم هكذا، ولكن حين تأتي الحاجة فالوظيفة شيء والواقع
شيء. في هذه اللحظة أيها الأحبة، نحن نودِّع ثانيهما بعد أن
ودّعْناَ الأول (علي) الذي كان يقوم بواجبه الوظيفي الإجباري كما
تريد الأنظمة، ويداوي بالطب الشعبي الراقي من جاءه نساء ورجالا،
ويتحدث مع نساء البلد الطيبات جميعا دون حرج، ويعتبر عمله واجبا
وظيفيا لا علاقة له بواقع المجتمع، وودَّعنا اليوم زميله الثاني
(محمدا) رحمه الله، حيث كان كذلكم يؤدي وظيفته للوظيفة، ويمارس
قناعاته الاجتماعية بشكل طبعي لا يفصل بين امرأة ورجل.. من
هنا أيها الأحبة بدأت علاقتي بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر بعجبٍ حتى كان لي معها حكايات قررتُ نشر بعضها علَّ هذا
يوجِدُ أسئلةً مشروعة نستطيع معها تحويل هذا الجهاز الحكومي إلى
مدلول مسماه بدلاً عن أن ينطبق عليه مفهوم (البوليس الديني) الذي
لا نراه لائقا به ولا بنا - كوطن هو مصدِّر العروبة
والدِّين-...وسيتلو هذا بعض من المواقف بإذن الله.