مع تعرضنا لتكاثر هجوم لا الناهية و ضعف
دفاعات لا النافية تراجع الفعل الفردي في مجتمعنا إلى أدنى
مستوى: عدم الفعالية. أسهل ما عندنا الشكوى وأندر ما نقدمه
هو مبادرات الفعل لإيجاد حلول جذرية ثم ينسفها المعترضون بأية
ذريعة. و نحن نطالب بوظائف للشباب و الشابات ثم نصر على حشو
المنهج الدراسي بكثير من التفاصيل الثانوية إلا المهارات العملية
التي تتطلبها الوظائف, ونشكو أن المواطن لا يجد من يوظفه رغم
العين البصيرة .. ونفسر السبب بأن العصا قصيرة. وننسى أننا نملأ
المجتمع بكل المطبات التي تجعل من عمل المواطن أمرا مستحيلا.
خاصة للمرأة التي يفضل بعضنا أن تظل مستقرة في بيتها كي يظلوا
قريري العين غير خائفين عليها ولذلك لديهم شروط تعجيزية
لتوظيفها. ولكننا خلقنا إشكالية حين علمناها فالعمل في وظيفة
خارج جدران المنزل أصبح ممكنا ومغريا لها ولنا لعدة أسباب ممكنة:
إثبات ذاتها, وتحقيق راتب يكفيها مذلة الطلب, ويغري ولي الأمر
بتوظيفها لترفع عن كتفيه مسؤولية بعض احتياجات الأسرة . أصبحنا
بهذا بين أمرين أحلاهما مر! حين تصبح المرأة متعلمة منتجة قد
تتمرد على أوضاع التبعية و الطاعة المفروضة! وحين تخرج إلى العمل
لابد لها من حرية الحركة والتعامل مع العالم الواسع وفيه طبعا
رجال نتوجس من فحولتهم! وننسى أنهم أبناؤنا مثلما نتناسى أن
مسؤولية التعامل المحترم مع المرأة تقع على مدى تعليمنا لهم أن
يحترموا المرأة ويتعاملوا معها كأخت لها حرمتها أو كزميلة لها
احترامها. و نفترض أن لا أحد في مجتمعنا ربى أولاده كما يجب و
لذلك نطالب بعمل المرأة ونطالب أيضا بقمقم يحيط بها لكي تظل غير
مرئية أو حتى مغمضة لا ترى. لا نستطيع أن نرى اثنين هي وهو
يتكلمان أو يجلسان معا إلا وساورتنا الظنون حالا في أن الفتنة
تتبع الخلوة. لا نراهما إلا صيادا وفريسة تسعى إلى حتفها بكعبها
العالي . ولذلك اعتسفنا تفسير الخلوة الشرعية فصارت تشمل أي موقع
حتى لو كان في وسط حشد من الناس بمكان عام لا يمكن فيه ارتكاب ما
وضح الشرع ضرورة شهادة أربعة لإثبات رؤيته رأي العين كما تتطلب
شرعية الاتهام . الاتهام عندنا قائم على تعميم الاعتقاد بسوء
النية. كل هذا الهوس باتهامات الخلوة يحملنا من فضيحة محرجة
إلى فضيحة أكثر إحراجا ونحن نحاول تبرئة ذمتنا من التعنت في
قضايا تهم الخلوة اللا شرعية والتوقيع على إقرارات تحت ضغوط
الترويع. أمامنا الآن إعلاميا قضية سيدة الأعمال التي جاءت من
جدة تفتتح فرعا لمؤسستها في الرياض فانفتحت عليها أبواب التهم
والمعاناة والإذلال: كيف تجرأت أن تجلس في ستاربك قسم العائلات
لتشرب قهوة مع زميل لها لا قرابة محرم بينها و بينه؟ وكونه مدير
أعمالها علاقة العمل ليس لها أي وزن! إذا كنا لا نسمح لها
بإدارة عملها شخصيا في موقعه مثل كل خلق الله وأمام الناس ولا
نسمح لها بمقابلة موظفها في محل عام أمام الناس فهل يجب عليها أن
تقابله في محل خاص؟ أم ترانا نتبع مبدأ لا أرحم و لا أترك رحمة
الله تنزل على من .. أشاء! يا جماعة لنحدد قواعد الفعل
ونتخلص من عوائق العمل.. ونترك لله الحكم على النيات.