المضحك المبكي: أنظمة ليبرالية تحكم مجتمعات
«أفغانية»!
غسان الإمام
تضحكني أغنية شائعة في هذه الأيام: «حامسح دموعي
في منديلك واحكيلك عما جرى»، فالأغنية تبدأ وتنتهي دون أن نعرف
شيئاً «عما جرى»!.
بعد 11 سبتمبر نمسح نحن العرب دموعنا في
المناديل ونتعهد بأن نحكي عما جرى، دون أن نفعل، أو بالأحرى
حكينا عن القليل القليل مما جرى، دون أن نملك الجرأة على مصارحة
النفس بكل ما حدث. من هنا كان هذا الخلط الكبير الذي نقرأه
ونسمعه عما يجب أن يجري، أي أننا لا نملك بعد منهجاً عربياً
محدداً وموحداً للإصلاح والتغيير في مواجهة المستقبل.
لا ادعي
أني أعرف تفاصيل كل ما جرى، ولا أزعم أني أملك وحدي دون غيري
مخططاً للمستقبل. لكن أود أن أقدم رؤية شخصية بأكبر قدر ممكن من
المصارحة حول ما جرى عموما على المستوى السياسي، ثم أحاول أن
أحدد أهم المجالات التي لا بد من أن يحدث التغيير والتعديل
فيها.
«ما جرى» يبدأ في الانعطاف الكبير الذي حدث منذ عام
1970. ففي ذلك العام مات جمال عبد الناصر، وظهرت فجأة بتدبير، أو
بغير تدبير، أنظمة بديلة قطرية (محلية)، رفعت شعاراته القومية،
لكن فرغتها من مضمونها الوحدوي، ونهجت أسلوبه في التركيز على
«البطل» والأجهزة الأمنية، دون أن يملك البطل المحلي البديل سحر
شعبية عبد الناصر وقدرته الهائلة على الوصول إلى الشارع الشعبي
العربي.
وتنفست الصعداء أنظمة أخرى عاداها عبد الناصر واستردت
سيطرتها على شارعها الشعبي ومجتمعاتها، لكنها شعرت بأن مجتمعاتها
بحاجة إلى آيديولوجيا بديلة تعتنقها بديلة للآيديولوجيا
الناصرية. وكان النظام محقاً في ذلك، لأنه طالما هناك عقل في رأس
الإنسان، فلا بد له من مبدأ يعتنقه.
لم يكن النظام العربي
بحكم تركيبه وبنيته، قادراً على تقديم «عروبة وحدوية منفتحة»
كمشروع بديل لعروبة ناصرية قمعية. ورأى في قصر نظرٍ، أثبتت
التجربة عقمه وفشله وخطره على المجتمع وعلى النظام أيضا، أن
الآيديولوجيا الدينية هي الأفضل والأسلم والأكثر أماناً.
نعم،
لكل دين مقدسات لا يقبل بمسها، لكن التطبيق الاجتماعي للدين
يختلف حسب الرؤية الفكرية له. الدين متسامح ومتعاطف ومنفتح اذا
رأيته متسامحاً. الدين طوائف ومذاهب متناحرة إذا كنت طائفياً
متعصباً. الدين متوتر ومحاصر إذا رأيت نفسك محاصراً. الدين عنف
إذا رأيته عنفاً. ومن سوء الحظ أن الآيديولوجيا الدينية التي تم
تبنيها كانت رؤية جامدة وتفسيراً مغلقاً. وما لبثت أن تحولت مع
الوقت والظرف إلى موقف متوتر وعنيف ومعاد للنظام وللمجتمع
وللعالم كله.
أين تقع مسؤولية النظام في نشر هذه النسخة
السلبية من الآيديولوجيا الدينية؟.
المسؤولية تبدأ بنظام عبد
الناصر بالذات. صحيح أن معظم ضباط الثورة الناصرية كانوا يوماً
أعضاء في جماعة الاخوان المسلمين بمن فيهم عبد الناصر، لكن
الثورة رفضت تبني الآيديولوجيا الإخوانية الجامدة والمتزمتة
كأنموذج عصري للحكم، ورأت في الآيديولوجيا القومية المتصالحة مع
الإسلام بديلا لها.
كان الرهان الناصري على العروبة عصرياً
وموفقاً، لكن التطبيق كان سيئاً. كان على شعبيته الكبيرة أن لا
تخشى إقامة نظام منفتح فيه مجلس شعبي حر وتعددية حزبية ومعارضة
مشروعة ناقدة وصحافة حرة. وبعضهم ينعى على عبد الناصر انه لم
ينشئ حزباً. الواقع ان الرجل كان لديه دائماً حزب، لكن «الاتحاد
القومي» ثم «الاتحاد الاشتراكي» كانا حزب السلطة الذي ألغى
السياسة، فغابت الأحزاب القومية القادرة على تأصيل الدعوة
القومية في الشارع، وعلى ترسيخ الفكر القومي في الجامعة، وفي
مقدمتها الجامعة المصرية.
واستطاع وهج عبد الناصر القومي عبور
الحدود للوصول الى الشارع العربي، لكنه أخطأ في تجاهل الأنظمة
الحاكمة واستخدم المؤامرة في الصدام معها ومحاولة اقتلاعها.
واستهان بمراكز القوة الجديدة التي بدأت تتشكل مالكة معها مصادر
الثروة القومية (النفط) وسوق العمل وموارد العيش لملايين
العرب.
لا ديمقراطية النظام الناصري تسترت أيضاً على الانقسام
الشديد بين مؤسستيه المدنية والعسكرية، فتسبب ذلك بكوارث له
ولأمته في اليمن وحربي السويس ويونيو. وعندما غاب البطل تم ضرب
نظامه في مصر من داخله، من الانقسام داخل مؤسسته السلطوية
المدنية.
الشماتة بعبد الناصر والرغبة المتسرعة في الخلاص من
جمهوره العريض دفعتا النظام العربي إلى تبني الآيديولوجيا
الدينية لتكون القاعدة الشعبية التي يستند إليها في مواجهة
القاعدة القومية واليسارية. ولم يكن غريباً على نسيج النظام
السلطوي الذي تركه عبد الناصر أن يكون خليفته أول من طبق
التجربة.
الواقع أن الاستعانة بالآيديولوجيا الدينية اختلفت
في الأسلوب من نظام إلى آخر. ففي مصر، كان إخراج السادات للإخوان
من سجون عبد الناصر إجراء سياسياً لا غبار عليه إنسانياً، لكن
اختيار الاخوان بالذات لملء الفراغ السياسي في الشارع ما لبث
مسلسله وذيوله أن انتهى بالاعتداء على حياة صاحب
الاختيار.
لقد تمكن الاخوان بالسلاسل وقضبان الحديد والمطاوي
من «محاورة» الطلبة الناصريين واليساريين في الجامعات. لكن
الاخوان كقوة سياسية كانت قد استنفدت بانغلاقها وجمودها قدرتها
على الإلهام. وخرج من صلبها المفكر الوحيد الذي أنتجته ليلهم
حركات دينية على يمينها أشد تزمتاً وانغلاقاً منها.
سيد قطب
وليس ابن لادن أو عمر عبد الرحمن هو المؤسس الحقيقي لإسلام العنف
والحصار كبديل لإسلام الانفتاح. إنه انموذج للتحول والانقلاب في
فكر المثقف العربي. أديب الاربعينات الرقيق الحاشية المرهف
الاحساس في استشفافه «التصوير الفني في القرآن» هو نفسه مفكر
الخمسينات الديني العصبي والمتوتر الذي يكفر النظام والمجتمع
خلال محنته مع النظام الناصري التي انتهت بشنق عبد الناصر له في
منتصف الستينات.
سيد قطب الأديب المبدع هو المفكر الديني
الناسخ والناقل الذي عرف الحركات والتيارات المنشقة عن الاخوان
بأدبيات الإسلام الهندي الذي استلهم في مواجهة الأغلبية
الاجتماعية الهندوسية فقه الأئمة العرب في القرون الوسطى الذين
انغلقوا بالاجتهاد خوفاً على الدين من الغزوات الهمجية التي
اجتاحت المشرق العربي.
هذه حكاية «ما جرى» في مصر. ما «جرى»
في العالم العربي مشابه، لكن مع فروق بسيطة. هناك أنظمة استعانت
بالمؤسسة الدينية التقليدية لإثبات تقواها أمام جمهورها. وهناك
أنظمة استعانت بها لاستغلال العاطفة الدينية البديهية في
المجتمعات العربية ضد أي فكر غير ديني وطني أو مستورد. وهناك
أنظمة أطلقت العنان لمؤسساتها الدينية للسيطرة التامة على
مجتمعاتها وتصدير أفكارها ورؤاها إلى مجتمعات أخرى عربية
وإسلامية.
تحت مطارق ومعاول هذه الطبعات من الإسلام التقليدي
والمتزمت تم اخماد وإطفاء ومضة الفكر في دماغ وذاكرة الأجيال
العربية الجديدة على مدى الأعوام الثلاثين الأخيرة. وتم تحييد
الجيل القومي القديم، وانحسر المد العربي ليعتصم في أبراج فكرية
عجزت عن إلهام البقية الباقية من المفكرين القوميين بأهمية تطعيم
وتجديد العروبة بالديمقراطية.
«ما جرى» يستحق حقا الرواية،
ويستحق أن نمسح الدموع بالمناديل على الصورة العربية المضحكة
التي كشفتها أحداث 11 سبتمبر: أنظمة عربية تعتبر ليبرالية
متسامحة ومعتدلة بالمقارنة مع المجتمعات المنغلقة التي تحكمها،
مجتمعات تحولت «أسلمتها» إلى «أفغنة» تستلهم أئمة الكهوف
والمغاور والصحارى عن كل ما هو تسامح وتجديد وعطاء في الإسلام،
وعن كل فكر وحوار مع عروبة صافية متسامحة وحرة.
والصورة
العربية في مطلع الألفية الثالثة لا تختلف كثيرا عن الصورة
العربية في مطلع الألفية الثانية. في هرب المتنبي من عروبة
مهزوزة ومفككة ومن إسلام طقوسي تجمد في قوالب، غادر مصر وسورية
معيرا أمته: «ىا أمة ضحكت من جهلها الأمم». وأليس غريباً أن شاعر
العرب الأكبر عندما لجأ إلى العراق اغتيل هناك؟!
وفي ضوء هذا
الذي «جرى» على الصعيد السياسي، يمكن الحديث في الثلاثاء المقبل
عن التصورات المطروحة عما «يجب أن يجري» في
المستقبل.