التغيير: عروبة إنسانية بديلة للآيديولوجيا
المتزمتة
غسان الإمام
الخلط الكبير في هذا الذي نسمع ونقرأ عن تصورات
التغيير والإصلاح، يعود إلى محاولة طمس مسؤوليتنا، نحن أنظمة
ومؤسسات ومجتمعات، عما جرى خلال الأعوام الثلاثين الماضية،
وإلقاء المسؤولية على الآخر، على الغرب وملحقاته من استعمار
وامبريالية وعولمة وعلمنة ورأسمالية... وإسرائيل.
وبراءة
الذمة هذه التي نمنحها لأنفسنا تجعل من المستحيل إقامة مشروع
المستقبل على أسس واضحة وصريحة في تحديد مجالات التغيير
والإصلاح.
وأحاول هنا أن أقدم رؤية شخصية للمستقبل، لكن على
أساس الخلل الذي حدث في الماضي. وقد بينت في الثلاثاء الفائت أن
الخطأ الكبير كان في تبني آيديولوجيا دينية متزمتة بديلا
لآيديولوجيا قومية غير ديمقراطية لقيت هزيمتها في تجاربها
الوحدوية غير الناجحة، وفي المواجهة مع المشروع الصهيوني.
وقد
أوكل النظام العربي إلى المؤسسات الدينية غسل دماغ الأجيال
الجديدة من كل فكر وضعي أو ثقافة قومية أو آيديولوجيا مستوردة.
وقد نجحت هذه المؤسسات في دروشة المجتمعات من خلال نظم تعليمها
الجامدة ونجومها التلفزيونية وأئمتها ومعلميها في المساجد
والمدارس، بما فيها المدارس الرسمية في الدول التي توصف بأنها
«علمانية» أو «كافرة».
وكانت المهمة من النجاح بحيث أهلت
المجتمعات والأجيال العربية للانتقال من مرحلة الدروشة إلى مرحلة
القبول بتحزيب الدين وتسييسه. وكان بديهياً للعقل العربي أن
يتلقى بعد الدروشة والأصولية السياسية الجرعة الثالثة بلا أية
مقاومة أو مناقشة.
فقد تمت «أفغنة» المجتمعات العربية وتعليق
أفكارها ورؤاها بأئمة الكهوف والمغاور والصحارى، وصور هؤلاء لها
أنها تعاني من اضطهاد العالم وعدائه لإسلامها، وأن لا خلاص لها
إلا بانتحارها «الجهادي» الذي يدمر العالم والأنظمة «الكافرة»
معها!
لا يمكن محاسبة النظام على هذه الحالة الانتحارية
المرَضية التي وصلت إليها المجتمعات التي تحكمها، وذلك لسبب بسيط
للغاية. وهو أن لا بديل في الحاضر وفي الأفق المنظور لهذا
النظام. وباعتباره المؤسسة السياسية الوحيدة القائمة والفاعلة،
فهو مطالب بمشروع حقيقي لإنقاذ المجتمعات والأجيال من عقدة
الاضطهاد التي تعانيها.
وأحسب أن أي مشروع للإصلاح والتغيير
لا بد من أن يتناول أربعة مجالات محددة: الدولة. الآيديولوجيا.
التربية. التنمية.
ولعل السياسة أول ما يتبادر إلى الذهن
عندما نقول: «الدولة». وفي السياسة ومن السياسة لا بد من
الاعتراف بواقع استحالة توفر ديمقراطية حقيقية تمارسها مجتمعات
غير ديمقراطية. فأية انتخابات حرة ستوصل إلى السلطة القوى
المحافظة المعتمدة على الآيديولوجيا الدينية المتزمتة.
لكن
تأجيل المشروع الديمقراطي لا يعني إفلات الدولة ونظامها السياسي
من المحاسبة والمراقبة. الدولة العربية بحاجة إلى كثير من
الشفافية لكي تبدو في مرآة الشعب أكثر نزاهة وطهارة. وقد حان
الوقت لكي تتعامل الدولة والنظام مع الأرقام باحترام. يجب تقديم
ميزانيات أكثر صدقاً وقبولاً لدى المجتمعات، لكي نعرف كيف تنفق
الموارد والضرائب، ولا سيما أبواب الإنفاق السري والأمني
والدفاعي.
وحان الوقت أيضاً لكي تتعامل الدولة ونظامها
السياسي مع حقوق الإنسان باحترام. لقد قوبل عنف الجماعات المسلحة
بالتضييق على الحريات السياسية، وفي مقدمتها حرية التعبير
والإعلام. والشفافية تقتضي تعزيز سلطة القضاء واستقلاليته، فلا
يترك للأجهزة الأمنية المخيفة تقرير من هو المجرم ومن هو
البريء.
المواطن أمانة في عنق الدولة ونظامها. الدولة الحديثة
تحترم نفسها وسمعتها، فلا تعذب ولا تقتل ولا تخطف ولا تغتال، حتى
في ذروة المواجهة مع العنف والقتل والاغتيال. ومكافحة الإرهاب
ليست ذريعة للاعتداء على الحريات السياسية والشخصية، ولإطلاق
الحرية للأجهزة الأمنية في التعامل مع المشبوهين
والأبرياء.
في الآيديولوجيا، هناك شعور صادق لدى النظام
السياسي بضرورة إزاحة كابوس الآيديولوجيا المتزمتة عن صدر الدولة
وصدر المجتمع. وليست هناك حاجة لبلبلة التفكير في «اختراع»
آيديولوجيا مفبركة أو مستوردة.
ليس أمام الدولة والنظام سوى
العودة المنطقية الهادئة إلى عروبة منفتحة متسامحة متحررة من كل
ما علق بها من عصر الانقلاب والمؤامرة، عروبة متصالحة مع الأديان
وليست بديلاً لها، عروبة إنسانية لا تحمل سمات آيديولوجيا قومية
عصبية أو متعصبة ضد الأقليات العرقية والخصوصيات
المحلية.
وكما ان المسلمين ليسوا بحاجة إلى إعادة «أسلمة»،
فالعرب لا يحتاجون إلى إعادة تعريب. إنما العلاقة مع العروبة يجب
أن تتقدم على أية علاقة أجنبية أخرى. نعم، إسلام العروبة يفرض
إقامة علاقة صداقة حميمة مع الدول الإسلامية، لكن الترويج
لمشاريع وحدوية نظرية وغير عملية معها سيؤدي إلى إيقاظ ذاكرة
إسلام غير عربي، وتجديد أطماعه في استعمار العرب والسيطرة عليهم،
كما حدث خلال ألف سنة من انطفاء العرب، ديناً وثقافة، ولغة
وحضارة، تحت حكم أجنبي متخلف باسم الدين.
انتهاء عصر المؤامرة
سمح بنزع مبدأ التدخل في الشأن الداخلي من العلاقات العربية
عموماً. وإذا كان الظرف والمزاج لا يسمحان بقيام شكل من أشكال
الوحدة القومية، فلا بد من السير بهذه العلاقات نحو التكامل
الاقتصادي والثقافي لمنح الكتلة العربية مظهراً أكثر قوة
وتماسكاً أمام الكتل والسياسات الدولية. ولعل من المفيد استغلال
وجود أمين عام مبادر كعمرو موسى لتطوير الجامعة العربية، بحيث
تصبح نواة لاتحاد عربي مستقبلي يجمع على قدم المساواة بين
الأنظمة الوراثية والجمهورية كما الاتحاد الأوروبي، ويلزم الدول
بعدم اتخاذ مبادرات فردية نحو حروب وتعاقدات يتحمل العرب جميعاً
سلبياتها وكوارثها.
في مجال التنمية، لا أظن أني بحاجة إلى
تكرار الدعوة إلى تحويل التنمية العربية لخدمة الإنسان العربي،
وتوجيه مشاريعها وبرامجها لانعاش الطبقة الوسطى التي هي أساس
الاستقرار السياسي والوعي الاجتماعي، وتوفير ظروف العمالة أمام
أجيال تبلغ سن العمل دون أمل في العثور عليه.
الشعوب
الأوروبية تقطف اليوم الثمار الوحدوية لتنمية استهدفت أساسا خدمة
الإنسان الأوروبي. وقد أخفق المشروع الإنمائي العربي عندما تجاهل
العامل الاجتماعي والديموغرافي. والدولة والنظام يجب أن يملكا
الجرأة لتخطيط الأسرة ولوضع حد للانفجار السكاني، وربط معدل
الولادة بإجمالي الناتج الوطني، وإلا فلا أمل في تنمية يدمر
التكاثر العشوائي بناها الأساسية وخدماتها العامة، ويزرع اليأس
والخوف والعنف في قاع مدنها، ويستنزف الموارد الوطنية
المحدودة.
أخيرا، فالتربية التعليمية تشكل القاعدة والعماد
لمشروع التغيير والإصلاح ولاستعادة الأجيال والمجتمعات من أسر
الآيديولوجيا المتزمتة. والدولة والنظام يوحيان بعد 11 سبتمبر
بأنهما مدركان لضرورة تطوير مناهج التعليم، ولا سيما التعليم
الديني في العالم العربي.
التعليم الديني كمية مجهولة تماماً
لدى الدولة والإعلام والمجتمع. ولا يظهر نتاجه إلا في نوعية
خريجيه. وقد أثبت نظام طالبان وحدث 11 سبتمبر أنه لا يكفي قول
المؤسسة الدينية ان الإسلام دين متسامح، فيما تنتج مدارسها
وجامعاتها ومعاهدها جيلاً آخر مختلفاً تماماً.
وأظن أن الدولة
العربية وصلت إلى قناعة تامة بأن لا مستقبل لاستقرار مجتمعاتها
إذا لم تتدخل في تطوير مناهج التعليم الديني، لغرض اطلاع الطالب
على مختلف أشكال الاجتهاد في كل العصور الإسلامية، ثم لتطعيم
المناهج بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، ليتسلح الخريج برؤية
متكاملة دينية وثقافية في مواجهة حاجات الحياة وظروف
العصر.
وإذا كانت المؤسسة الدينية مطالبة بالقبول بتطوير
التعليم الديني دون التذرع بالادعاء بأن التطوير يمس المقدسات،
فالدولة والنظام السياسي أيضا مطالبان بإدراج مبادئ حقوق الإنسان
في صلب المناهج التعليمية، دون التذرع بأنها تهدد استقرارها
ومستقبلها.
التربية العقلانية المنفتحة تؤهل الأجيال للإيمان
بالحرية واحترام حرية الآخر. والتربية هي التي تؤهل المجتمع
لممارسة الديمقراطية بوعي ونضج، ولا يمكن فرضها بدستور وممارستها
بقانون.
وتظل الديمقراطية العربية مشروعا مؤجلا إلى أن يتم
تحرير المجتمع العربي من أسر الآيديولوجيا المتزمتة، وإلى أن يتم
تعويده على ممارسة الديمقراطية في البيت والمدرسة والجامعة
والمسجد والكنيسة والشارع والسياسة.
يبقى خوفي من أن تأخذ
التربية الديمقراطية من الوقت العربي ثلاثين سنة
مقبلة.