عـودة إلى صفحة الـرأي

كيف تكونت الوحدة الاقتصادية الأوروبية؟

خالص جلبي



في عام 1950، هجم الشباب الأوروبي على الحواجز الخشبية التي تقسم الحدود بين الدول الأوروبية المجاورة، وكان بين الطلبة الثائرين (هلموت كول)، الذي أصبح المستشار الألماني لاحقاً، وأحد مهندسي الوحدة الأوروبية، في مؤشر عن روح جديدة تسري في القارة. وهذا الذي فعله الأوروبيون تجربة تقترب من حافة المعجزة، وتعتبر اليوم بعد ولادة اليورو إنجازاً بشرياً ندر مثيله في التاريخ الإنساني، وهي نموذج فريد للاتحاد الإنساني وتحقيق كلمة «السواء» بين العباد، والتخلص من الوثنية السياسية بكل المقاييس. فهي تمت بفترة نصف قرن، وطبخت على هدوء، بدون فتوحات عسكرية، وبدون ابتلاع الجيران، وبدون ألمانيا فوق الجميع، بل ألمانيا مثل الجميع. وفي الوقت الذي رفعت فيه أحزاب عربية شعار الوحدة، وولد حزبان توأمان من نفس الرحم، يحملان نفس الشعارات، لم توجد عداوة مريرة بين بلدين عربيين بقدر المرارة التي وقعت بين هذين الشقيقين. لقد فشلنا في كل التجارب الوحدوية، وأثبتت كارثة احتلال الكويت أن التناقض الأساسي والجوهري في العالم العربي هو داخلي. وفي حرب الخليج الأخيرة، نسينا إسرائيل، ووقف الجندي العربي بجانب الأمريكي في خندق واحد ضد أخيه العربي!
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، تبدو الصورة في غاية التعاسة من الشرذمة والنزاع الداخلي وتفشي الغدر وانعدام الثقة. ولذا، فإن التجربة الأوروبية من الأهمية بمكان بأن تدرس تحت المجهر التاريخي بكل التفاصيل التشريحية لنعرف كيف ولدت هذه المعجزة، وكيف تمت بين أمم متناحرة، وشعوب ترطن بعشرات اللغات ومئات اللهجات، ودول خاضت كل ألوان الحروب، وتدين بمذاهب وانشقاقات دينية مريعة. والسؤال كيف حصل ما حصل وما هو سرّه؟ إننا يجب أن ندرس هذه التجربة بكل تواضع أولا، ويجب أن نستفيد من تجارب القوم، فلسنا دون الخطأ أو فوق النقد. ويجب أن نعلم أننا من عباد اللّه الذين تسري عليهم نفس القوانين النفسية الاجتماعية، ولن نكون استثناء في التاريخ. فهذه الملاحظات الثلاث أولية في الدخول لفهم ظاهرة الوحدة الأوروبية. إن مشكلتنا مضاعفة ومثلنا مثل من كان جده مليارديراً وهو لا يملك في جيبه شروى نقير.
ولو دخلنا التاريخ مثل الفليبين، لكنا أكثر نظاماً واعتمدنا على بناء الذات أكثر من العودة إلى ماض لا يغني عنا شيئاً. لذا، من الأهمية بمكان استعراض التاريخ لنرى في ضوئه كيف ولدت هذه المعجزة؟
بعد خروج أوروبا من أنقاض الحرب العالمية الثانية، استوعبت الدرس الذي كان بإمكانها أن توفره من نصيحة (جراف كاودن هوف كاليرجي ـ Kalergi)، الذي قال في مقال نشره قبل الحرب بـ 13 سنة، إن أوروبا هي بين خيارين، إما الاتحاد الأوروبي أو الحرب العالمية من جديد. وعكف الرجل على مشروعه، حيثما حلّت به عصا الترحال في أوروبا، وكان بذلك الرجل الأوروبي الأول الذي مهّد بأفكاره لولادة أوروبا الجديدة. أدرك الغربيون أن صلح (فرساي) بعد الحرب العالمية الأولى، كان برمجة لحرب جديدة، ويرى الفيلسوف (برتراند راسل) أن أوروبا فوجئت بالحرب العالمية الأولى، التي أخذتها على حين غرة، لكن الحرب العالمية الثانية كانت تحصيل حاصل، فمن بطنها خرج تنين الحرب الكونية.
أدركت الولايات المتحدة الأمريكية، أن أي خروج لها من أوروبا يعني الحرب من جديد، وأن المسألة الألمانية يجب أن تحل، وعزلة هذا الشعب تعني آلياً برمجة النزاع الأوروبي، وأن هناك مهمّتين للإنجاز في أوروبا: ترويض الحصان الألماني الجموح، وقوة أوروبية أمام الزحف الشيوعي ومزاج ستالين المتقلب. وكانت تجربة برلين وحصارها، دليلا دامغا على هذه الشراكة، فقد رأى ستالين أن وجود برلين المقسمة بين الحلفاء في ألمانيا الشرقية يشبه (مسمار جحا). وأعرف هذا أثناء وجودي في ما عرف سابقاً بألمانيا الغربية، حيث كان يحتاج من يريد الذهاب إلى برلين عبور كل أراضي ألمانيا الشرقية، فهي جزيرة في بحر من الشيوعية. كان الأمر مغرياً لستالين أن يضع يده عليها، فحدثت المجابهة، وأنقذت أمريكا العاصمة بأسطول جوي نقل إليها الطعام في أيام صعبة، حتى انفرجت الأزمة وتم الحفاظ على برلين حرة أمام جدار عازل نصبه الشيوعيون في الربع السوفيتي من المدينة لحين انهياره عام 1989.
أدركت أمريكا أن مقاومة الشيوعية هي برفع المقاومة في الجهاز المناعي الغربي، ولذا قامت بحقن عروق أوروبا المنهكة من الحرب بمشروع أخذ اسم وزير الخارجية الأمريكي (جورج مارشال) بـ 14 مليار دولار، أخذت منه بريطانيا وفرنسا حصة الأسد، لكن من استفاد منه حقاً كان الألمان، حيث أعيد بناء ألمانيا جديدة بعد أن لم يبق حجر على حجر، حيث رأينا بلداً حديثاً يلمع مثل عمود الرخام تحت ضوء الشمس. جاءت ألمانيا ثلاث سنوات بعد نهاية الحرب ولم يكن هناك نقد للتداول، وعادت ألمانيا إلى ما يشبه العصر الحجري. وبدأ الناس في تداول النقد عام 1948. وبين عامي 1948 و1952 قفز معدل النمو إلى %20، وظهر إلى العالم ما عرف بالمعجزة الاقتصادية الألمانية، ويتحسّر عليها الألمان حتى اليوم، فقد كانت رحلة البناء شاقة، لكن جميلة ومفعمة بالحيوية والإخاء وفائض الواجبات، وانتشرت ظاهرة (نساء الأنقاض Truemmer Frauen)، فبعد أن قتل الرجال اصطفت النساء في سلاسل لا نهائية ترفع الأنقاض من الأرض وتستخرج (الطوب) السليمة لبناء بيوت جديدة جميلة. دفعت أمريكا مليارات الدولارات بسخاء مقابل شرطين: التخلص من (الأحكام المسبقة) وهذا يعني تجاوز الماضي، والتعلم على العمل المشترك، ودعت لتشكيل (منظمة العمل الأوروبي المشترك OEEC). وهذا يعني بكلمة ثانية، تكوين جيل جديد من الألمان يتخلص من الروح العسكرية (البروسية)، وأن لا يشعر بأن هذا المال هو للاستعمار الأمريكي، كما فعل الشيوعيون الفرنسيون الذين قاموا بمظاهرات صاخبة وكانوا يملكون ربع أصوات الناخبين، فقالوا «إن هذا رق جديد جاء من ول ستريت وإننا سنعبد العجل الذهبي الأمريكي».
ولكن خطة مارشال مضت وأشرف على تكوين الجيل الجديد آباء من مناطق الحدود مثل (كونراد اديناور) من ألمانيا، عاش في منطقة الداين، و(روبرت شومان) من منطقة اللورين الفرنسية الحدودية، أو (السيد دي غاسبيري Alcide De Gasperi) الإيطالي الذي كافح النازية وبنى الحزب المسيحي الديمقراطي الإيطالي لاحقاً Democrazia Cristiana. ويلحق بهم (سباك Spaak)، البلجيكي البدين المرح والفعال، كما يجب وضع اسم (ديغول) الزعيم الفرنسي الذي أراد استقلال أوروبا عن الهيمنة الأمريكية. كانوا أولاد علات، أمهاتهم شتى وأبوهم واحد، فالكل يحلق بنظرة فوق إقليمية، ويعرف لوعة الحدود ومرارة التقسيم، ويتمتع بخلق مميز وكاريزمائية قيادية.
وفي عام 1946، وقف تشرشل يلقي خطبة حماسية في زيوريخ في سويسرا، يدعو فيها إلى تشكيل (ولايات متحدة أوروبية)، وهي كلمة تم انتقاء أفكارها بعناية بينه وبين (كاليرجي) الذي كان بروفيسوراً في التاريخ في أمريكا، وهو رائد فكرة الوحدة الأوروبية. هذه الأفكار قام بزرعها في رحم التاريخ آباء عظام، وأشرف على توليدها الفني نخبة من التنكوقراط العباقرة من نموذج (جان مونييه) الذي كان يشرف على التخطيط في فرنسا. كان بود (جان مونييه) أن يبدأ الوحدة بالعمل الثقافي، لكن أدرك أن الثقافة كائن هلامي، فتعامل مع مدخل آخر للدخول إلى بوابة الوحدة الأوروبية. وهكذا بدأت الوحدة باتفاقية الحديد والصلب، وضرب (جان مونييه) ثلاثة عصافير بحجر واحد: مراقبة التسلح الألماني، فهو أكثر ما يخشونه، وإنشاء جيش دفاع مشترك عن كل أوروبا، وادخال الديمقراطية إلى الحياة المدنية، وهكذا ولدت اتفاقية الحديد والصلب ووقع عليها بعد مفاوضات شاقة دامت عشرة أشهر في 18 أبريل من عام 1951، التي أخذت اسم (وحدة المونتان Montanunion). ومن خلال العمل الدؤوب المتتابع، تم اجتياز مراحل خطيرة على طريقة ديكارت «التقدم ببطء، لكن بيقين وثقة». وبعد اتفاقية المونتان، تم التوقيع على اتفاقية روما عام 1957، حول تأسيس (السوق الأوروبية المشتركة EWG)، كما تم في العام نفسه، تأسيس (الجمعية الأوروبية للذرة ـ اويرا توم EURATOM). وتتابعت الإنجازات بعد أن بنيت سكة جيدة للسير عليها. وفي عام 1960، تم إيجاد الجمعية الأوروبية للتجارة الحرة (ايفتا EFTA).
وفي عام 1963، حصلت مصالحة تاريخية بين فرنسا وألمانيا قام بها من فرنسا (شارل ديغول) على الرغم من انهماكه في حل مشكلة استقلال الجزائر، و(كونراد اديناور) من ألمانيا، حيث وقع الاثنان عقد الصداقة المشترك في قصر الاليزيه. وتم إلحاق 18 دولة افريقية بالسوق الأوروبية المشتركة، أي ما عرف باتفاق (جاوند ـ واحد 1 JAUNDE). وفي عام 1965، تم التحام وانصهار الجمعيات الأوروبية الثلاث في بعض آي (المونتان) للفحم والحديد والذرة (الأويراتوم) والسوق الأوروبية المشتركة EWG، ثم بدأت مرحلة حساسة في تحقيق (الاتحاد الجمركي)، حيث تم في عام 1968، تحقيق الاتحاد الجمركي الأوروبي، وإلغاء الجمارك الداخلية، ووضع تعريفة موحدة للجمارك الخارجية في سوق أوروبية مشتركة.
وأما بالنسبة لانضمام الأعضاء، فقد بدأت بأوروبا صغيرة تضم ست دول هي: ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، بالاضافة إلى دول البينيلوكس الثلاث، أي هولندا ولوكمسبورغ وبلجيكا. وسرعان ما قدمت بريطانيا طلباً للحاق بالقطار الأوروبي الذي خشيت أن يفوتها تاريخياً، وهكذا انضمت عام 1973، ولحقتها ايرلندا والدانمارك ليصبح العدد تسعة. واكتمل الرقم إلى عشرة، بانضمام اليونان عام 1981. ومع التوسع إلى الجنوب، ارتفع الرقم إلى اثنتي عشرة دولة بانضمام البرتغال واسبانيا عام 1986، ثم اكتملت العدة واصبحت خمس عشرة دولة عام 1995، بانضمام فنلندا والنمسا والسويد، وكانت دولاً محايدة دوماً. واليوم تدرس قائمة خمس دول للانضمام هي: (سلوفانيا) من بقايا الدولة اليوغسلافية، ففي الوقت الذي انسلخت فيه عن صربيا بالدم، وانسلخت (التشيك) عن تشيكوسلوفاكيا، بدون دم، هرعت كل منهما تريد الانضمام لهذه المنظمة الجديدة. وتلحق بهما (استونيا) و(هنغاريا) و(بولندا)، التي طلبت الانضمام، واللّه غالب على أمره، لكن أكثر الناس لا يعلمون. والذي يفرمل تسارع انضمام الدول هو كلفتها، فقد تبين أن الموجة الأولى من الانضمام ألحقت بالاتحاد 63 مليون نسمة، بحيث ازداد عدد السكان %17 في الوقت الذي لم يرتفع ناتج الدخل القومي أكثر من 225 مليار مارك أي %3، كما أنها تخضع لإصلاحات متطورة بدون توقف، فهي تبدل شكلها ووظيفتها بدون نهاية مثل كائن خرافي بخمسة عشر رأسا.
ويقف المؤرخون اليوم ليطرحوا سؤالين مهمين: أين حدود أوروبا؟ وماذا سيكون مصيرها؟ هل هي كما أرادها ديغول من الاطلنطي إلى الأورال؟ أم تتوقف على قبول البرلمان الأوروبي لعضوية أي داخل؟ والجواب أنه لا يوجد جغرافيا واضحة لأوروبا، وهذا يعني بكلمة ثانية أن هذه التجربة ستبلغ ما بلغ الليل والنهار ولن يطول ذلك الوقت الذي تزحف فيه هذه الوحدة شرقاً، فتلتهم كل دول الحوض المتوسط في أحشائها.
وإذ كانت قد تصدعت وتشظت الامبراطورية الشيوعية عندما أرادت جمع الناس بالقوة تحت مبدأ الإكراه في الدين، فإن الناس يجمعهم اليوم سقف أوروبي واحد تحت كلمة السواء، وليس هناك سيد وعبد، وطاغية وشعب مستباح، بل الكل في الوحدة إخوان. وهذه التجربة الإنسانية سوف تشكل حوضاً جديداً يجمع الأمم على نحو غير مسبوق في ملحمة إنسانية جديرة بالتأمل عظة وعبرة للعالمين. ولا يستبعد أن يأتي ذلك اليوم عندما يضم هذا الاتحاد تركيا والدول العربية، وقد نرى في القرن الثاني والعشرين أمراً غير قابل للتصديق وهو أن العرب الذين عجزوا عن الاتحاد بين بعضهم بعضاً يتحدون تحت مظلة أوروبية، «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون» والسؤال المزلزل: مَن هم عباد اللّه الصالحون؟.
اجتمعت وزّة وحصان، فقالت الوزّة لقد فضّلني اللّه عليك ثلاثاً، فأنا أمشي على الأرض وأحلق في السماء وأسبح مثل السمك، وأنت تقضم العشب لا تغادر مكانك؟ نظر إليها الحصان ضاحكاً، وقال: أما أنا فأقول لقد مسخك اللّه ثلاثاً، فطيرانك محدود ومشيك عرج وسباحتك عبث، فأنت لا تنفعين لشيء!

kjalabi@hotmail.com

عـودة إلى صفحة الـرأي
   
© 2002. All Rights Reserved.