....... عــودة إلى عنــاوين مقــالات الــرأي

أزمة أميركا والنظام العربي: البحث عن قوى سياسية جديدة

غسان الإمام



حُكم العراق بإدارة عسكرية بعد اختفاء صدام، سخف أميركي كبير، وسقم واضح في تفكير إدارة بوش حول «إدارة» العرب عندما تستقر القوات الأميركية في العراق.
العرب ليسوا بحاجة إلى عسكرة السياسة مجددا. انهم بحاجة إلى قوى سياسية مدنية جديدة، سواء تم الغزو الأميركي للعراق أو لم يتم. وشعار «تغيير النظام» سخف أميركي أكبر إذا لم يترافق تدريجياً بمحاولات للتغيير في ثقافة المجتمع العربي السياسية السائدة، وفي عقليته الغيبية الراهنة.
أميركا تظلم النظام العربي عندما تحمله وحده مسؤولية تفشي داء الإعجاب العربي بأداء الأصولية الانتحارية. فالمسؤولية مشتركة بينها وبين هذا النظام منذ أوائل السبعينات. فقد شجعته على «تحصين» المجتمع العربي ضد عودة القومية الناصرية المهزومة، بتبني قوى الأصولية الدينية والمتسيسة النامية.
بل سبقت أميركا النظام العربي في تبني واعتماد الأصولية الجهادية في مصر وإيران، عندما استأصل الخميني جناحه «العلماني الأميركي»، دون اعتراف بجميل أميركا في سحب الشاه، حولت أميركا بندقيتها من كتف الأصولية الشيعية لتسندها إلى كتف الأصولية السنية.
غفرت أميركا للأصولية السنية اغتيال حليفها السادات، وجندت المخابرات المركزية الشيخ عمر عبد الرحمن مفتي الجهادية المصرية لتطويع الشباب الأصوليين في طول العالم العربي وعرضه كجيش مرتزقة لخوض حربها ضد السوفييت «الكفار والملحدين» في أفغانستان.
توهم «الأفغان» العرب أنهم هم الذين كسبوا الحرب الباردة، وقوضوا النظام السوفييتي. عندما تخلت أميركا عن تمويلهم ورعايتهم توهموا أنهم قادرون على هزيمتها بإعلان «الجهاد» الانتحاري عليها. فقد اكتشفوا فجأة وفي انتهازية واضحة انها «نظام ملحد» ودولة مسيحية ـ يهودية «كافرة»!.
لقد انقلب السحر على الساحر، فقد اشتعلت في التسعينات حرب مخابراتية شبه صامتة بين أميركا والجهادية العربية الانتحارية، سجلت فيها «قاعدة» ابن لادن نقاطا لصالحها بتفجيرات عدن وافريقيا وباكستان، وصولا الى تدمير ابراج الازدهار الرأسمالي الأميركي في نيويورك.
انتصارات الجهادية السنية هذه يمكن اعتبارها اضافة إلى انتصارات الجهادية الشيعية الإيرانية في الحرب المخابراتية التي اشتعلت بينها وبين المخابرات الغربية في لبنان الثمانينات (حرب الرهائن). وقد اضطرت الدول الغربية الى دفع «الجزية» الى إيران وعملائها في لبنان، في مقابل الإفراج عمن تبقى من الرهائن على قيد الحياة.
كعادته في تجاهل الإعلان عن الفورات الاجتماعية، فقد حاول النظام العربي التغطية على ازدهار سمعة الأصولية الجهادية وانتشار خلاياها في المجتمعات العربية، بل شارك هذا النظام أميركا و«المستشرقين» الجدد في الغرب في الإعلان عن «احتضار» الأصولية الوشيك في العالم العربي.
ولعل كاتب هذه الكلمات كان من أوائل المحذرين هنا في «الشرق الأوسط» من هذا الاعتقاد الواهم، بل كان منذ منتصف الخمسينات من أوائل المحذرين من تمويل مراكز الأصولية التقليدية، لأنها ساعدت بشكل وآخر على اشاعة التطرف الديني وصبغ العقل الاجتماعي العربي بغيبية تسليمية، ووضعت العرب والإسلام على طريق صدام سياسي وعسكري غير متكافئ مع الغرب.
وجاء يوم 11 سبتمبر ليثبت أن الأصولية الجهادية أعمق وأرسخ بكثير مما روج الإعلام العربي والغربي. وها هو النظام العربي يعيش أزمة الندم المتأخر عن سكوته الإعلامي على اختراق شرائح من الجيل الجديد بالفكر الانتحاري.
أميركا تغسل ذمتها من حلفها القديم مع الأصولية، لتحمّل بكل صفاقة كتابها اليهود، النظام العربي وحده مسؤولية احتضان الأصولية. وبدلا من التفكير بنقل بندقيتها من كتف الأصولية الى كتف قوى سياسية عربية جديدة، فقد راحت تطلق النار على نظام عربي كل ذنبه أنه سمع «نصيحتها» في تبني الأصولية المعتدلة، دون تقدير منه ومنها إلى أن هدف هذه الأصوليات واحد، وإن اختلفت الوسيلة، وهو إقامة دولة دينية لم تعرفها الدولة الإسلامية تاريخيا، وغير قادرة على العيش في عزلة عن عالم معاصر قربت الحضارة المعلوماتية الجديدة المسافات بين مجتمعاته وثقافاته.
ليس غرضي هنا التذكير بعقدة الذنب، وانما الإلحاح المتكرر على النظام العربي، قبل فوات الأوان، للقبول بقوى سياسية جديدة، لأن لا فائدة للندم بعد ذلك. فسلاح الشرطة والاجهزة الامنية غير مجد في مواجهة الأصوليات، لكن اشاعة ثقافة الانفتاح هي التي تكشف الغطاء عن عقل اجتماعي غيبي، أو عن عقل سياسي ليبرالي مفقود، أو صامت متفرج، أو خائف.
الليبرالية العربية المنشودة لن تدخل في صراع مع النظام العربي، لكن سوف تشاركه في تدشين القانون والشفافية والحرية الاقتصادية كركائز مجتمع مدني متحرر، في مقابل مجتمع غيبي مؤمن بالمستحيل الذي يتناقض مع المنطق والعقل، مجتمع ما زال معظمه يتوهم ان 11 سبتمبر من تدبير الموساد والـ «سي. آي. إيه»، حتى بعد اعتراف «القاعدة» في «الجزيرة» بأنه كان من صنع رجالها.
لقد أخفقت القوى الليبرالية العربية في تحقيق ذاتها وإثبات وجودها، فقد سارع النظام المشرقي إلى قمعها واعتقالها، وسارعت القوى المحافظة والأصولية الخليجية إلى إخماد صوت وحركة هذه القوى، بحجة أنها «علمانية» أو «كافرة».
وأقول هنا ودائما إن الإسلام دين منطقي متماسك، وعميق الجذور في النفس المسلمة، وهو يحتل المساحة التراثية في تشكيل الهوية العربية، ولا حاجة به إلى رجال الإكليروس ليمنعوا الاجتهاد فيه، وليحتكروا تفسير مفردات الاجتهاد القديم غير المفهومة لدى الأجيال الجديدة. ولا خوف على الإسلام من ثقافات مستوردة، أو قوى سياسية واجتماعية جديدة ناقدة للاجتهاد وليس للنص المقدس، ومُعارِضة لاجتهاد عقيم يبني على القديم غير المهيأ للتكيف مع حاجات العصر.
التجربة الليبرالية المغربية تثبت للنظام العربي انه يستطيع التعايش بلا خوف مع القوى السياسية الليبرالية، بل يستطيع أن يشاركها في الحكم. وها هو يراهن عليها في اقتراع انتخابي حر للوقوف في وجه القوى الأصولية من معتدلة وجهادية متطرفة.
لقد استطاع الاتحاد الاشتراكي المغربي أن يقدم نفسه، على الرغم من انقساماته، كقوة سياسية ليبرالية متحررة من ثقافة اليسار القديم عن التأميم واقتصاد الدولة المبرمج والوصاية الأبوية على المجتمع. بل هو يتجاوز العروبة العنصرية والاستئصالية ليكون موجوداً في مناطق الأقليات. ولعل الفضل الكبير في ذلك يعود إلى قادة الاتحاد الاشتراكي التاريخيين، وفي مقدمتهم المخضرم عبد الرحمن اليوسفي الذي قاد ائتلافا حكوميا ناجحا من قوى اليسار والوسط. ولعل اعتزاله الحكم يمنحه الفرصة للقيام بجولات عربية باحثا عن قوى جديدة مشابهة، ومشجعا النظام العربي على القبول بها، والرهان عليها في مواجهة تطرف القوى الأصولية.
أميركا بوش في ضحالتها الفكرية تبشر بعسكرة السياسة أو بديمقراطية الاقتراع. وفي الحالين، فهي تحول دون البحث عن قوى ديمقراطية جديدة، ودون إرساء ثقافة وتربية ديمقراطية. ولنواجه الحقيقة المرة بلا نفي أو مداراة لها كما فعلنا مع الأصولية الجهادية: أي اقتراع حر في معظم العالم العربي سيؤدي إلى نجاح القوى الأصولية الإخوانية في غياب القوى الليبرالية، الأمر الذي سيشجع اغتيال الإخوان للحريات الشخصية والاجتماعية، بعدما تم اغتيال الحريات السياسية.
المعارضة السورية في الخارج تقلد انتهازية الأحزاب السياسية المصرية في خطب ود الأصولية الاخوانية. وفي مؤتمرها الأخير في لندن، عقدت المعارضة السورية حلفاً «مقدساً» مع الأصولية الإخوانية، دون مناقشة موضوعية لابعاد «الانفتاح» الاخواني في ادعائه القبول بديمقراطية الاقتراع الحر الملائم أصلا «للشعبية» الاخوانية في مجتمعات مغيبة عقلاً.
لم يسأل المعارضون السوريون، وهم في غالبيتهم بقايا أجيال يسارية وقومية غير ديمقراطية، الجيل الاخواني الجديد عن قضايا تحرير المرأة، وعن مشروع الدولة الدينية، وعن مشاركتهم في الحكم لقوى يسارية أو ماركسية «ملحدة». بل لم يسألوهم ما هو موقفهم من محنة عالم جزائري وسوداني ويمني وفلسطيني بأصولياته الانتحارية الإخوانية الأصول والفروع.
يبقى الواجب عليّ أن أحاول تفسير ماذا أعني بالليبرالية العربية وبالليبرالية الغربية.

مواضيع ذات صلة
إنسخ في الذاكرة المؤقتة أرسل النص بالبريد الإلكتروني إطبـــــــع إحفظ في الأقــراص

 

 

All Rights Reserved © كل الحقوق محفوظة