....... عــودة إلى عنــاوين مقــالات الــرأي

ليالي الوصل... والفصل

سوسن الابطح




شاع، تاريخياً، عبر الممارسات الاجتماعية للبشرية، الفصل بين الجنسين، أما المستجد فهو الاختلاط وتمازج الأدوار حد التماهي، على عكس ما ذهبت إليه الحلقة الأخيرة من برنامج «للنساء فقط»، الذي يقدم على إحدى الفضائيات العربية.
وأنت حتى ولو كنت مشاركاً في البرنامج فمن الصعب أن تقاوم هذا التيار الجارف الذي جمع مشاركين ومتصلين يريدون اثبات ما يستحيل اثباته، لا بل ويخالف كل الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية والأثرية. فهذه تؤكد جميعها أن التقسيمات ولدت منذ العصر الحجري حين ذهب الرجال للصيد وتركوا نساءهم في دفء المغاور، وتريك البحوث كيف أن المهمات الوظيفية كانت توزع، في مختلف العصور وعند كل الشعوب، تبعاً لطبيعة القوى الفيزيولوجية ومن ثم السلطوية، لا بناءً على مواثيق حقوق الإنسان ورغبات الجمعيات النسائية الوليدة. وإذا كنت من المتحمسين للمساواة في الإنسانية بين الجنسين، فلا تبحث عن سند تاريخي لأنك ستعود خالي الوفاض وفي أحسن الأحوال بخفي حنين، وستتأكد لسوء الحظ، ان البشرية تواطأت، وان بدرجات متفاوتة، على فصل النساء عن الرجال، بالمهام وبالحيز الجغرافي، ونحت باكراً إلى اعتبار المرأة مخلوقاً دونياً، نادراً ما بلغ سن الرشد أو تمتع بكامل الأهلية.
والاعتراف بأن المرأة دارت، منذ الآف السنين، في حلقة مفرغة، إذ هي تعزل فتتردى إمكاناتها ككل المساجين والأسرى والمهمشين، ثم تحاول الخلاص فيغدر بها ضعفها وتخونها قلة خبرتها، كل ذلك، لا يقلل من شأن جهودها الحالية لوضع الأمور في نصابها . فالمراوغة في قراءة التاريخ لا تجدي نفعا، وإنكار الحقائق لن يسهل مهمة التقارب بين الطرفين، في مجتمع مازال يصر على أنه أكثر المجتمعات عفة، فيما يتهم العصر بأن كل ما فيه مفسدة. والواضح أن واحدة من أكبر مشاكل المرأة هو رحمها، فقد خاف الرجل دائماً على نقاء نسله، فابتكر العرب مجمعات الحريم التي ما زالت تلهب المخيلة في الشرق كما في الغرب (لاحظ المفارقة)، واكتفى غيرهم بحزام العفة، ولجأ آخرون للختان، وتعددت الإجراءات والاحتياطات والهدف واحد. ولعل الرجل شعر أبداً بعجزه أمام منحة الخصب الإلهية هذه، التي أعطيت للمرأة وحرم منها، فرأى ان يجردها من سلاحها الأوحد بالحجر عليها، ويجعل من النعمة التي لها نقمة. وذهب إلى أبشع من ذلك حين وصفها بالأرض أو البستان في حين انه أعطى لنفسه دور البطولة الأولى بحجة امتلاكه البذار. وعبارة «المرأة فتنة» التي ما زالت أسطوانة محببة لسجانيها، ليست أكثر من تعبير عن ذاك الخوف على الذرية من خلطة غير مرئية .وبإمكاننا ان نكتب الصفحات الطوال عن هذا المسار المعقد الذي حاكه الرجال للسيطرة على مخلوق وصفوه بأنه «ماكر».
و «كائد» و«ملغّز» و«من حبائل الشيطان» وله طبيعة «أفعى»، وهم معذورون في ذلك. فالفصل في المهمات جعل كلاً من الجنسين في غربة عن الآخر. فبينما أكتسب الرجل الحنكة والديناميكية وحدسه الاجتماعي وغرامه بالخطط الاستراتيجية (وهذه آخر موضة) من تجاربه القتالية المعتقة، بقيت تجربة التجمعات النسائية تدور في حيز الاحتضان الأمومي، واقتصرت المهارات على بعض المهن اليدوية أو النشاطات الزراعية، ونمت بشكل واضح الرغبة في تفعيل الجانب الإغرائي كسلاح ماض بإمكانه جرجرة الرجل للاستيلاء، بحد الغواية، على بعض المكاسب والمغانم التي تعجز عن الإتيان بها الرصانة .ونعثر على أساطير أفريقية طريفة تذهب حد إظهار الاستهجان من وجود النساء والرجال ضمن قبيلة واحدة. وثمة أسطورة كينية تقول ان النساء كانت لهن قبيلة مستقلة تماماً عن قبيلة الرجال، ولها مصادر رزقها وتقاليد عيشها، ولا يتم اللقاء بين الجنسين إلا أثناء عيد خاص يجمعهما بهدف الإنجاب، ويبقى الأطفال، ثمرة اللقاء، في رعاية الأمهات إلى أن يبلغ الصبيان منهم سناً معينة، يلتحقون بعدها بقبيلة جنسهم . لكن حمق النساء جعلهن يفقدن قطعانهن ويخسرن مواردهن، مما اضطرهن للالتحاق بالرجال والرضوخ للزواج بهم، والعيش في حماهم وتحت امرتهم، مقابل تأمين هؤلاء للقمة عيشهن. وليس أبلغ من هذه الأسطورة للتعبير عن أن الحياة تؤخذ غلابا، والحرية تقتنص اقتناصا، والخضوع هو فعل تقاعس وتواكل، وأن على المرأة أن تغير قواعد اللعبة كي تنجو من المصيدة . فليس النقيق الأنثوي ولا كرم الأخلاق الرجالي، هما اللذين جعلا الحضارة الغربية تفاخر بأنها الأولى في تاريخ البشرية التي تصول فيها المرأة وتجول في كل ميدان دون حظر جغرافي أو قانوني على حركتها، وإنما هو كدح 200 عام عرفت خلالها النساء كيف تجير التطور العلمي لصالحها، والأزمات الاقتصادية لفك أسرها.حتى بات الرجال يهزون بأكتافهم حين يسألون عن معنى الرجولة ويقول بعضهم: «هل الرجل هو الإنسان الذي لا يحمل ويلد؟». وقبل أن يهاجمنا المتربصون ويقبضون علينا بتهمة الأوربة، لا بد أن نوضح بأن هذا التاريخ الدهري من العلاقات الدونية مع الجنس الآخر قد تبدد جزء كبير منه، بفعل حركة تطورية ثورية بكل المقاييس. ورجال هذا العالم ونساؤه ليسوا، بالضرورة، سعداء جميعهم بما آلت اليه الحال. فبعض النساء كن يشتكين من الفصل فبتن يتناولن الأقراص المهدئة بسبب احتدام الوصل. لكن زحف العولمة ماضٍ في كسب جولاته على مدى البسيطة. ولن تنفع الهتافات المناهضة للإمبريالية والصهيونية وكل الأعداء والمتآمرين الذين يريدون إخراج النساء من بيوتهن. فالزمن هو زمن عقول، والحصانة هي فكرية وثقافية ولا تتحقق في مواراة النساء خلف أسوار عالية بعد أن أصبحت السجون المنزلية مخترقة بالكامل، بالأقنية والشاشات الإلكترونية والهواتف الجوالة، ومفتوحة آفاقها على الفضائيات التلفزيونية .فكل رهان على السكون في عصر الآلات الذكية، والعواصف التغيرية، هو رهان بالتأكيد فاشل، وسواء أكان الاختلاط قديماً أم مستجداً، فهو أمر لا يغير فتيلا من طبيعة الفتح الجديد للعلاقات الثنائية بين الجنسين .وعلى الرجل في الشرق أن يتقن، في زمن هذه التحولات الكونية والزلازل الاجتماعية، فن الانحناء للعاصفة، حتى لا ينكسر وتنكسر معه المرأة. فرفقاً، أخي العربي، بالقوارير. sawsan_abtah@hotmail.com



مواضيع ذات صلة
إنسخ في الذاكرة المؤقتة أرسل النص بالبريد الإلكتروني إطبـــــــع إحفظ في الأقــراص

 

 

All Rights Reserved © كل الحقوق محفوظة