|
انتصار يستحقه
صانعوه الأتراك
عدنان حسين
يستحق اسلاميو تركيا الفوز الساحق
الذي احرزوه في الانتخابات البرلمانية الاخيرة. ولا يقلل من شأن
هذا الفوز انه تحقق جزئيا بفضل الدعم الاميركي الذي تلقوه في
لحظة مناسبة تماما قبل ايام من موعد الانتخابات. فالتحذير الذي
وجهته واشنطن الى أنقرة من مغبة استصدار قرار قضائي بمنع حزب
العدالة والتنمية من المشاركة في الانتخابات اظهر للاتراك ان
الولايات المتحدة، حليف تركيا الاول، لا تمانع، وربما ترغب
لأسباب تتعلق بالاجندة الاميركية الخاصة بالمنطقة وبقضية الحرب
على الارهاب، في وصول الاسلاميين المعتدلين الى السلطة في انقرة.
وكانت هذه اشارة مهمة للاتراك الذين كانوا يريدون الحاق هزيمة
منكرة بطبقتهم السياسية التقليدية الفاسدة ويبحثون عن وسيلة
مناسبة لتحقيق هذا الهدف. يستحق اسلاميو تركيا الفوز الذي
انجزوه، فهم انتزعوه بأسلوب حضاري في ظل نظام يعاديهم. عملوا
بصبر وأناة على مدى سنوات للوصول الى هدفهم، معوّلين على
الديمقراطية والنظام البرلماني من دون ان ينحرفوا عن هذه الجادة
الى طريق العنف والارهاب على رغم ان نظام الحكم (الاتاتوركي)
استغل ابشع استغلال بنودا مناهضة للديمقراطية في الدستور التركي
لمحاربتهم. اسلاميو تركيا يضربون عدة عصافير بحجر واحد
بالنتيجة التي سجلوها، فهم يبعثون برسالة بليغة الى كل حركات
الاسلام السياسي مفادها انه يمكن تقديم الاسلام بصورة مختلفة عما
يعرضه الاصوليون المتزمتون الذين يقدمون للعالم صورة متخلّفة
ومرعبة للدين الاسلامي. فعدا عن المظاهر الانيقة التي يبدو فيها
زعماء حزب العدالة والتنمية التركي، من دون ان يؤثر هذا على درجة
تدينهم، فانهم يتحدثون بلغة عصرية مفهومة ويعبرون عن افكار
متمدنة: فصل الدين عن الدولة، الديمقراطية وحرية العمل السياسي
للجميع، كفالة حقوق الانسان، مساواة النساء بالرجال. وانتصار
حزب العدالة والتنمية الاسلامي في تركيا انزل هزيمة منكرة
بسياسيي تركيا التقليديين المتهمين بالفساد الاداري والمالي
(مسعود يلماز وتانسو تشيلر) او بالسعي للتمسك بالسلطة حتى
النهاية (بولنت اجاويد). وسيزيح هذا الانتصار طبقة سياسية كاملة
ظلت تدعم سلطتها ونفوذها بالتحالف مع المافيات وبالانصياع الكامل
لجنرالات الجيش. لكن اكبر عصفور اسقطته الانتخابات الاخيرة هو
المشروع القومي الشوفيني (الاتاتوركي)، فالاحزاب المهزومة
والسياسيون المهزومون في هذه الانتخابات هم في غالبهم خرجوا من
عباءة كمال اتاتورك. وهزيمة هذه الاحزاب وهؤلاء السياسيين اعلان
نهائي بوفاة الاتاتوركية التي يرجع التاريخ الحقيقي لموتها
الاكلينيكي الى نهاية عقد الستينات ثم نهاية عقد السبعينات من
القرن الماضي، بيد ان الجيش التركي ابقى عليها في غرفة الانعاش
حتى الان عبر انقلابين عسكريين وتدخلات متواصلة في الحياة
السياسية. ومن الواضح الان ان الاتراك يريدون لهذا المشروع ان
يدفن مرة والى الأبد لانه لم يقدم حلا لهم ولا لغيرهم من شعوب
تركيا، وبالاخص الاكراد الذين تعامل معهم هذا المشروع الشوفيني
بوحشية بالغة وقسوة شديدة، ولم يفلح في النهاية، فالاكرد باقون
امةً مختلفة عن امة الترك فيما يموت هو، ويفترض ان يموت معه كل
فكر متعصب ومستبد، سواء كان قوميا او
دينيا.
a.hussein@asharqalawsat.com
|