الشعوب والمجتمعات ايضا تخطىء وتضل الطريق. وقد درج كتاب الصحافة والسياسة على تحميل النظام العربي وحده مسؤولية الخلل في الادارة والسياسة والاقتصاد والثقافة. لكن ازاء الحالة الخليجية الراهنة فالمجتمعات الخليجية هي ايضا مسؤولة عن افراز وتشجيع تيارات وحركات باتت تشكل خطرا على سيادة واستغلال الدولة الخليجية وأمن نظامها وسلامة مجتمعها.
ويبدو ان المجتمعات الخليجية لم تدرك، بعد، تماما اهمية ومكانة الخليج العربية والدولية. هذه الأهمية والمكانة تفرضان على المجتمعات التصرف بمسؤولية، لتجنيب الدولة خطر التهديد الخارجي.
واعدد هنا العوامل التي وصلت بالخليج الى هذه المكانة المتقدمة، وهي العوامل ذاتها التي باتت تهدده وتضغط على دوله. ولا شك ان النفط اول هذه العوامل. فالخليج يتحكم بانتاج وتسعير الطاقة التي تستهلكها دول اقوى وطامعة في تأمين تدفق النفط الخليجي باستمرار في عروقها.
العامل الثاني هو تحول الخليج الى مصدر لتأمين العمل والمورد لـ 11 مليون عامل اجنبي بينهم خمسة ملايين عربي. واستقرار الخليج يشغل بال دول عربية فقيرة تتلقى من مواطنيها العاملين هناك نحو 15 مليار دولار سنويا. وباتت السعودية بالذات مصدر الهام لنحو 30 مليون عربي عملوا في الخليج خلال الخمسين سنة الاخيرة، وعادوا الى بلدانهم ناقلين معهم المناخ الديني المحافظ الذي تأثروا به.
العامل الثالث هو اكتشاف العالم، بعد 11 سبتمبر، ان المجتمعات الخليجية نشرت ومولت في العالم الاسلامي وخارجه طبعة من الاسلام عاجزة عن التكيف مع العصر، وغير قادرة على تأمين العمل لمئات الألوف من الأئمة والوعاظ والمرشدين الذين خرجتهم اكثر من 12 الف مدرسة تدرس اجتهاداً صارماً في تفسير الاسلام. ففي باكستان وحدها هناك اكثر من 600 الف امام خرجتهم ستة آلاف مدرسة، وهم بانتظار بناء 600 الف مسجد في العالم ليواصلوا مهمتهم التلقينية لاجيال اسلامية جديدة يريدون ان «يقولبوها» وفق تفكيرهم ورؤيتهم الضيقة للعالم.
العامل الرابع هو افراز هذا المناخ الديني الصارم والمتقشف لتيارات وتنظيمات انتقلت من العداء الفكري للعالم، الى شن حرب عنفية ضده بالسلاح ومعدات التدمير. وهي بذلك نقلت العالم بعد نهاية الحرب الباردة من حوار اقتصادي بين الذين يملكون والذين لا يملكون، الى مواجهة ساذجة ومتخلفة بين «عالم الايمان» و«عالم الكفار»، عائدة بالعالمين الاسلامي والمسيحي الى اجواء الحروب الدينية المهلكة في القرون الوسطى.
العامل الخامس هو استخدام المجتمعات الخليجية ومراكزها التجارية ومرجعياتها الدينية لظواهر الثراء الخادعة، في تمويل مشروع اصولي في العالم الاسلامي يحتاج في حالة ازدهاره الى مصادر مالية اضخم، بحيث يشكل عبئا ماليا وماديا لا قبل لهذه المجتمعات على تحمله في المستقبل المنظور.
اجمالي الناتج القومي العربي، بما فيه الناتج الخليجي، يبلغ حاليا 550 مليار دولار سنويا، وهو يعادل الناتج الوطني لدولة من الدرجة الثانية اقتصاديا كاسبانيا التي لا يتجاوز عدد سكانها 40 مليون نسمة، اقدم مثالاً آخر على خداع الثراء وانخفاض الانتاجية العربية، فأشير الى ان الناتج القومي الاميركي 10.5(تريليون دولار) يفوق الناتج العربي بـ21 مرة، على الرغم من التعادل تقريبا في عدد السكان.
المسؤولي{èْذن، تفرض على المرجعيات الدينية والمراكز التجارية والمواطن الخليجي وعي عبثية تمويل مشروع اصولي غير قابل للتطوير او للحياة في العالم الاسلامي، أو للتعايش مع عالم خارجي اقوى، او للتواصل مع الانسانية في العطاء الحضاري المتبادل.
والأحرى توجيه هذا السخاء العربي الاصيل لتأهيل وتدريب 300 ألف شاب خليجي يبلغون سن العمل سنويا فلا يجدونه، او لتمويل مشاريع استثمارية في مجتمعات عربية فقيرة تكتوي بنار التيارات الاصولية الدموية المتأثرة اصلا بفكر المرجعيات الدينية المتزمتة، وفي مقدمتها المرجعية الجمودية الاخوانية التي ادانها الامير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي في حديث المصارحة الشجاعة الخارج عن مألوف ادب الصمت والصبر في نفس القيادة السياسية السعودية.
كيف يمكن تصعيد وعي وادراك المجتمعات الخليجية لاهمية دورها العربي والاسلامي، ولتجنيب استقلال دولها وسيادتها خطر الضغط والتهديد الخارجي الذي وصل عند صهاينة اميركا الى تحريض ادارة بوش على احتلال منابع النفط الخليجية، والتلويح بتقسيم دولها، ومصادرة اموالها المستثمرة في الاقتصاد الاميركي (400 مليار دولار)؟.
استعير شيئا من صراحة الامير نايف لاقول ان تبديد المناخ المتزمت في المجتمعات الخليجية يحتاج الى انتقال تدريجي لكن متسارع نحو مزيد من الحرية الاجتماعية، وليس بالضرورة الى مزيد من الديمقراطية.
الحرية شيء والديمقراطية شيء آخر. الحرية مبادئ وقيم، أما الديمقراطية فمؤسسات. صندوق الاقتراع لا يأتي احيانا في مجتمعات محافظة بمؤسسات تشريعية قادرة على تبني التطوير. عندما تقدم النظام الكويتي بمشروع لتحرير المرأة واشراكها في العملية السياسية جوبه برفض النواب الذين انتخبهم الشعب!
من هنا، فالنظام السياسي لا يستطيع فرض الحرية او الديمقراطية على مجتمع تتحكم برؤاه وفكره مؤسسات ومراكز اجتماعية محافظة ومتماسكة. لكن الحوار بين النظام السياسي وهذه المراكز والمرجعيات ومع المواطنين العاديين هو الكفيل بالوصول الى بلورة تسوية للخروج من المأزق الراهن الذي يعاني منه المجتمع الخليجي.
ومن حسن حظ الخليج ان السعودية ليست العراق. فهناك حوار اليوم داخل التيارات السلفية السعودية، وهو حوار لا يمس المقدس الديني المحترم لدى مجتمع شديد الايمان، انما يتناول كيفية تأهيل الفكر الاجتهادي للتعامل مع عصر متغير، عصر يختلف كليا عن فكر متطهر نشأ في القرون الخوالي.
هناك حوار ايضا بين هذه التيارات السلفية والتيارات المثقفة في المجتمع السعودي، وهو حوار لا يغطيه لسوء الحظ الاعلام الخليجي نتيجة للحساسية ازاء المصارحة، هذه الحساسية التي لم تعد ضرورية، بعدما كشف 11 سبتمبر ان مجتمعات العالم كله تعاني من انفلاش العنف الديني.
موقع النظام الخليجي، والسعودي بالذات، هو ممارسة دور الحَكَم في هذا الحوار، على الرغم من ان هذا الدور الصعب يعرضه الى الاتهام احيانا بالانحياز. لكن احسب ان الوقت لا بد ان يأتي بالحسم للخروج من المأزق. وهذا الحسم يتوقف على بلورة الحوار الاجتماعي لرؤى وأفكار بديلة تساعد النظام السعودي على الوصول الى التسوية الاجتماعية المنشودة.
واعود الى التاريخ القريب لأذكِّر بأن القيادة السياسية السعودية لجأت الى الحسم أكثر من مرة. عندما كفر «الأخوان» السيارة والهاتف والطرق المعبدة، حسم معهم الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود وفي فكره ورؤىته توفير البنى الاساسية الضرورية للدولة. عندما عاد «الاخوان» الى تكفير التنقيب عن النفط، عاد الملك الراحل الى الحسم معهم وفي رؤيته الاجيال المقبلة وتأمين الموارد اللازمة لبناء دولة حديثة. وفي كلا الموقفين كان رأيه حكيما.
وعي المجتمع السعودي لمكانة دولته وأهميتها هو من وعي المراكز والمرجعيات الاجتماعية لدورها الاجتماعي والعربي والدولي. وتوفر الوعي المتطور سوف يمكن النظام السعودي من مواصلة تأمين سلام اجتماعي عمره مائة سنة، دون ان يفقد شرعية دينية عمرها ثلاثة قرون، وتريد اميركا محاسبتها في أيام وأسابيع!
الاقناع بالتدريج وبصبر الصمت كانا دائما اداة النظام السعودي في التعامل مع مجتمعه. ولعل اميركا تتعلم من حكمة الصبر، كيلا تقع في هذا التناقض الصارخ بين مظلتها الحامية لأمن الخليج وممارستها الكلامية المهددة لمجتمعاته ودوله.
يبقى التحذير من ان الاغراق في التزمت المتشدد قد يوصل الاسلام السني الى مأزق الاسلام الشيعي في ايران. بعد عشرين سنة من حكم المؤسسة التيوقراطية تكتشف انها انتجت جيلا يرفض تزمتها. والخطر في هذا الرفض ان يصل، كما لدى بعض التيارات الاصلاحية، الى رفض الدين كأحد المكوِّنات والمقوِّمات الاساسية للهوية الفارسية الاسلامية.
فهل تريدون ان نرى جيلا عربيا يخرج من طيات التزمت ليرفض الاسلام الذي هو أحد المكونات الاساسية للهوية التراثية العربية؟

