ميز الله الانسان عن سائر مخلوقاته بالقدرة على التفكير والتعبير، وأحاطت القوانين هاتين القدرتين بسياج يضمن للانسان حرية الفكر وحرية التعبير ما دام ذلك لا يتعارض مع مصالح الناس او الوطن، وحددت القوانين جهة الاختصاص في النظر في القضايا التي قد تنشأ من ممارسة هاتين الهبتين او القدرتين حتى لا تختلط هذه القضايا مع القضايا التجارية او الجنائية او الشرعية بسبب واضح هو تمايز قضايا الفكر والرأي والنشر عن بقية القضايا الاخرى.
وقد كانت السعودية من الدول السباقة الى استصدار القوانين اللازمة لهذا الغرض، وذلك باستحداث المادة 37 من نظام المطبوعات والنشر والتي تقضي بأن تكون قضايا النشر في الصحف والمجلات من اختصاص وزارة الاعلام وليس المحاكم الشرعية باعتبار وزارة الاعلام مرجعية نظامية في هذا الشأن.
ولتنشيط وتفعيل هذه المادة 37، أبلغت وزارة العدل مؤخراً قضاة المحاكم بضرورة الالتزام بهذه المادة وإحالة كافة القضايا الخاصة بالنشر الى جهة الاختصاص، اي وزارة الاعلام، بعد ان لوحظ صدور احكام من بعض المحاكم الشرعية ضد بعض الكتاب والصحافيين («الاقتصادية» في 23/11/2002).
ولا شك ان كل الصحافيين والكتاب والعاملين بالنشر عموماً في المملكة يباركون هذه الخطوة الحضارية التي تضع السعودية في مصاف اكبر الدول التي ترعى حرية النشر فيها، وترد على المزاعم الكاذبة التي طالما طاردتنا في المحافل الدولية المعنية بقضايا النشر، وترفع عن كاهلنا ما كان يشاع من تضييق حرية النشر في بلادنا.
ان قضايا الفكر والرأي والنشر او ما يطلق عليها «الجرائم التعبيرية» كانت دائماً مثار خلاف بين فقهاء القانون بين الاطلاق والتقييد والمسؤولية الجنائية فيها، مثال ذلك ان القانون الانجليزي يحاكم الناشر وليس الكاتب في قضايا النشر بينما اكثر الدول العربية تحاكم الكاتب وليس الناشر، وبعضها يحاكم الكاتب والناشر معاً، وكل عنده حججه وأسبابه الفلسفية والقانونية.
والذي لا شك فيه انه يجب ألا تختلط قضايا الفكر والرأي بقضايا الشراء والبيع والزواج والطلاق وغيرها من القضايا الاقتصادية او الاجتماعية، ونحمد الله على ان ولاة الامر وضعوا القضية في نصابها الصحيح، ووضعوا الكاتب امام قاضيه الطبيعي حتى يطمئن وهو يعبر عن قضايا مجتمعه انه اذا لزم الامر سيمثل امام محكمة مختصة ومتخصصة.

