فن السخرية من الإسلام وأهله من قبل الجريدة

تواصل صحيفة الشرق الأوسط حملتها على الاسلام وسخريتها منه وتسفيهها لحملته والمنتمين اليه , غير عابئة بكونها تمثل بلد الحرمين ومهبط الوحي ومنطلق الرسالة الاسلامية الى العالم . لقد أسرفت الشرق الأوسط في الاساءة الى ديننا وقضايانا ومقدساتنا.

لن اتحدث هنا عن الكم الهائل المتراكم من الارهاب الفكري الذي تمارسه الصحيفة , وسأكتفي بما نشرته اليوم ( 14 شعبان 1424 , 10 تشرين الأول ( أكتوبر ) 2003 ) .

جاء على صدر الصفحة الأولى عنوان عريض لمقابلة أجرتها الصحيفة مع خالد كيلي , وهو ايرلندي اعتنق الاسلام . كان العنوان كما نشرته الصحيفة ( الايرلندي خالد كيلي من بائع خمور في السعودية الى قائد حركة أصولية في أوروبا ) . وهكذا فالاسلام في نظر الشرق الأوسط هو ( اصولية ) , وهي التسمية التي تطلقها الصحيفة عادة على المنتمين الى الاسلام أو حركات المقاومة الاسلامية أو حركات التحرر التي تستلهم الاسلام في كفاحها.

( ثوب الرياء يشف عما تحته ) والعنوان يدل على ما تحته . تستهل الصحيفة المقابلة بقولها : " كشف القيادي الأصولي الايرلندي خالد كيلي قصة اعتناقه الاسلام في سجن الحائر .... وتحدث للشرق الأوسط عن رحلته من الظلمات الى النور كما يسميها ". مرة أخرى تشدد الصحيفة على أن الاسلام هو الأصولية , ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد , فهي لاترى أن اعتناق الاسلام هو خروج من الظلمات الى النور . أو على الأقل  وصف الاسلام بالنور من وجهة نظر الصحيفة أمر فيه نظر , ولذا اختارت الصحيفة عبارة " كما يسميها " حتى لا تسجل لها الدوائر الغربية والأمريكية أنها أقرت وصف الاسلام بالنور , وعدت الانتقال اليه خروجا من الظلمات !

وتمضي الصحيفة في اساءتها وبغيها , فتسخر من كون الاسلام رحمة للعالمين . تقول الصحيفة عن الايرلندي الذي اعتنق الاسلام في السجن : ( ووصف فترة السجن بأنها كانت " رحمة " ). الاسلام ليس رحمة من وجهة نظر الشرق الأوسط , ولذا كان لا بد من وضع صفة الرحمة بين مزدوجين حتى لا يحسب على الصحيفة أنها امتدحت الاسلام الذي يملأ العالم رعبا وارهابا هذه الأيام ! وهكذا تشير الصحيفة بطريقة أو بأخرى أن الاسلام لا يمثل النور , وأن رسالته لا تمثل الرحمة , بل هو ظلام وقسوة وهمجية وفوضى .. واذا أضفت الى ذلك ( دمغة ) الأصولية سيرتسم المشهد أمامك لدين يجب على الأمة أن تتبرأ منه وتلفظه !

وتواصل الصحيفة لقاءها مع الضيف , فتتحدث عن موقفه تجاه زوجته غير المسلمة , وكيف أن عدم اسلامها ينغص عليه حياته , وتنقل عنه أن بعض المسلمين اقترحوا عليه أن يقترن بأخرى " تدين بالله الواحد القهار " . هذا الكلام يبدو لا غبار عليه , ولكن وضع العبارة الأخيرة تحديدا بين مزدوجين يكشف سخرية الصحيفة منها , وتنصلها من مضمونها , وأنها لا تمثل رأيها بالضرور ة , ولنا أن نتخيل دلالات هذا الموقف .

ومما يثير الاستغراب ( ولا غرابة ) أن تبرز الصحيفة ماذكره المسلم الايرلندي عن الختان وتجعله عنوانا عريضا رغم ورود كثير من النقاط الجميلة الجديرة بالابراز في كلام الرجل . يقول العنوان : " أرغب في اكمال ديني بالختان بالرغم مما سمعته من المسلمين الجدد عما يسببه من آلام لمن هم في مثل سني " . لا يحتاج المرء الى كبير عناء ليكتشف ما بين سطور هذا الكلام .. انها همجية الاسلام وتخلف أصحابه وبلاهتهم .. هل تتفقون معي أن ( الشرق الأوسط ) تجاوزت كل الحدود وآن الأوان أن نوقفها عند حدها, و نجرد لها الأقلام من أغمادها .

 

 

بعد يومين من نشر( الشرق الأوسط ) على صدر صفحتها الأولى لقاء مع المسلم الايرلندي , كتب عبد الرحمن الراشد رئيس تحرير الصحيفة في عموده عن الموضوع نفسه . لم يستوقف الراشد موضوع أهم من هذا الموضوع ( كالعدوان الصهيوني على سوريا ) , ولم يرمش له جفن لهدم شارون أكثر من مائة منزل في رفح جنوبي قطاع غزة , بعضها فوق رؤوس ساكنيها , وبالطبع لم يلتفت البتة لمخططات وممارسات الاحتلال الأميركي للعراق , فالأميركيون ليسوا محتلين أصلا , بل هم محررون كما صرح الراشد أكثر من مرة .

ماعلينا .. دعونا نقرأ ما كتبه الراشد في عموده بعنوان : " سيرة ايرلندي أصولي " في عدد الصحيفة الصادر في الثاني عشر من تشرين الأول ( اكتوبر ) 2003. يستهل الراشد مقاله بالعبارة التالية : " تيرنسي كيلي تحول من عربيد ومهرب خمور الى أصولي سمى نفسه خالد , وبين المرحلتين نقرأ قصة كبيرة تصلح لفيلم سينمائي " . لاحظوا أن الراشد يساوي بين الأمرين , فالرجل كان كافرا , وفوق ذلك كان بائع خمر , واعتنق الاسلام, وغير اسمه الى خالد .الاثنين أسوأ من بعض في نظر الراشد , وربما لو بقي على حاله لكان أسلم . هكذا يوحي الراشد من خلال مقارنته لـ" مرحلتين " من حياة الرجل كما وصفها .

أرأيتم التهكم بالدين , والسخرية منه , والتعريض به ؟

ثم يتساءل الراشد : " كيف يصبح ايرلندي عمره في الاسلام ثلاث سنوات أصوليا مسيسا ؟ " ؟ مرة أخرى يقول الراشد ان الرجل ايرلندي, وهو بالتالي ينتمي الى العالم الغربي الذي يدين له الراشد بالولاء , بل لا يرى عالما سواه , وهو لا يستطيع أن يفهم كيف يتحول رجل غربي عاش ونشأ في ظل الحضارة الغربية الى الاسلام .. يتساءل عن تحول الرجل الى أصولي مسيس , بمعنى كيف يعتنق الاسلام , ثم يتبنى شمولية رسالته , وعالمية طرحه , وارتباطه بمناحي الحياة كافة , بما فيها السياسة , وهو ما يوضحه الراشد لاحقا في ثنايا المقال . وأنا أتساءل : كيف يمكن للراشد أن يصبح علمانيا ومسيسا في الوقت نفسه ؟ ولماذا يصادر حق المسلم المتدين في أن يتصدى للسياسة فهما ومناقشة وممارسة ؟

بعد التساؤل غير البريء للراشد يضيف : " فالتحول واعتناق الأديان ليسا حالة غريبة على كل الديانات , بما فيها الاسلام الذي يعد أكثرها انتشارا. انما الغريب أن ينتقل الى الأصولية المسيسة " . لاحظوا أن الراشد لا يريد أن يعترف بتفرد الاسلام تقريبا في اعتناق الناس له ودخولهم فيه أفواجا , وانما يقول " أكثرها انتشارا فقط " .. ويؤكد أن التحول من دين الى دين ظاهرة مشاعة بين الأديان , وليست حكرا على الاسلام وحده . ولا يريد الراشد أن يقول أن من النادر جدا أن يبدل المسلم دينه , ويتحول عن قناعة الى دين آخر .

يتساءل الراشد مجددا عن المسلم الايرلندي الذي أقض اسلامه مضجعه وحرك كوامنه : " كيف أصبح مسيسا يؤمن بتغيير العالم ؟ " . هكذا يفصح الراشد عن فهمه للمسلم ( الأصولي ) .. انه المسلم الذي يريد هداية البشرية الى الله الواحد القهار , المسلم الذي لا يكتفي باصلاح نفسه , بل يسعى الى اصلاح مجتمعه وأمته وعالمه الذي يعيش فيه , انه المسلم الذي لايرى الفصل بين الدين والسياسة , ويحاول أن يمارس حقه في التغيير من منطلق ايمانه بالاسلام وعالمية طرحه " وما أرسلناك الا رحمة للعالمين " . يتساءل الراشد : " كيف أصبح مسيسا يؤمن بتغيير العالم " ؟ حسنا .. كيف أصبح الراشد والحمد والربعي وابن طفلة العجمي وغيرهم من كتاب ( الشرق الأوسط ) مسيسين يؤمنون ( بقلب ) العالم .. ويحتكرون وحدهم حق الحديث عن مصيرنا ومستقبلنا كأمة ؟ لماذا يجب على المسلم أن لا يصبح مسيسا , ويصبح غير المسلم أو المنسلخ عن الاسلام مسيسا حتى النخاع ؟

يقول الراشد موضحا كلامه أن المسلم الايرلندي " اكتشف اسلاما جديدا في سجن الحائر عبر مرشده الأفغاني , فتعلم أركان الاسلام الخمسة والأحاديث النبوية وتفسير جزء عم من القرآن . أما في غرب لندن فوجد وعاظا مختلفين, وأفكارا مختلفة , وتعلم السياسة والدعوة والحرب . وكما يقول : شعرت أنني أستمع الى نوع جديد من الاسلام يتحدث عن " الجهاد " ذروة سنام الاسلام " . اذن لقد عرف الرجل الاسلام كما هو : صلاة وصيام وزكاة وحج وسياسة ودعوة وجهاد ( والجهاد ذروة سنام الاسلام شاء الراشد أم أبى ) وتلاوة للقرآن الكريم ( وهو كريم وان لم يقل الراشد ذلك استخفافا وجهلا وتكبرا ) .

ويواصل الراشد حديثه , فيقول انه ليس صحيحا أن " التحريض وتغذية مشاعر المسلمين بالكراهية ضد العالم جاءا من مجتمعات تقليدية مثل السعودية " فالمجتمعات " المتدينة المحافظة ليست مسيسة " . ويضيف : " .. معظم طروحات الكراهية والتحول الى التنظيم ثم الحرب جاءت من مسلمين عاشوا في الغرب أو مناطق هم فيها أقليات نقلوا عداءهم الشخصي للمجتمعات التي يعيشون فيها .. " . الراشد هنا يتبنى الرواية الغربية , بل الأميركية بالكامل . أميركا تردد صباح مساء أن ثقافتنا ومناهجنا تغذي الكراهية لهم ( الراشد طبعا استخدم كلمة ( العالم ) ليصف الولايات المتحدة أو الغرب ) . ثم يقول ان المجتمعات الاسلامية ليست مسيسة , وهو يكرر بذلك نفوره من الاسلام بشموليته , وارتباطه الوثيق بالشأن السياسي للأمة . ثم يعيد الرواية الأمريكية المكرورة عن " طروحات الكراهية ". وليت شعري من هو الطرف الذي تستبد به الكراهية , هل هم الذين يسعون للدفاع عن شرف الأمة المهان ( بالتنظيم أو الحرب أو غيرهما مما يكفل لنا حق مقاومة العدوان بالوسائل المشروعة ) أم هو عبد الرحمن الراشد وزملاؤه المتطرفون , وأسياده الأميركيون الذين تمتلىء قلوبهم حقدا على كل ماهو مسلم وعربي في هذا الكون‍‍‍‍‍ .

لكن أتدرون ماذا ختم الراشد عموده البائس ؟

لقد كانت كلماته الأخيرة نهاية طبيعية لما حفل به المقال من تحريض واساءة وتهكم . يلبس الراشد مسوح الناصح الأمين للولايات المتحدة , ويطلب منها أن تشن حملة ( تطهير عرقي ) على المسلمين داخلها , وكأن بوش ورامسفلد ورايس واشكروفت وباول وغيرهم من دهاقنة اليمين المتطرف بحاجة الى مزيد من سياسات القمع بحق المسلمين التي تضاءلت عندها حملة ( المكارثية ) سيئة الصيت . يقول الراشد ان على أميركا أن " تفتش بين ظهرانيها " عن " الفاعلين الحقيقيين للتطرف الديني ... وقبل أن تطالب باصلاح المجتمعات المسلمة البعيدة ,عليها أن تصلح مجتمعات المسلمين لديها .. عليها أن تحارب التطرف بين مسلميها أولا فتنقذ المسلمين من بعض مسلميها " . الراشد يطالب أميركا ( باصلاح ) المسلمين لديها , ولا غرو, فأميركا رافعة لواء ( الاصلاح ) وهي التي تناط بها مهمة الرسل والفاتحين والمجددين . بل ان الراشد يعول على أميركا ( أدام الله ظلها ) أن تنقذ المسلمين من بعض مسلميها . ماذا يريد الراشد من سيده بوش أن يفعل أكثر مما فعل ؟ لقد اعتقلت الادارة الأمريكية آلاف المسلمين في الولايات المتحدة . وقيدت حرياتهم , ووضعت أنشطتهم وتحركاتهم تحت الرقابة , وجمدت حسابات ( أو صادرت أرصدة ) منظماتهم الخيرية والاغاثية , ولا زالت الحملة مستمرة بكل ضراوة . وقد تم مؤخرا اعتقال الدكتور عبدالرحمن العمودي , ومن قبله اعتقل طالب الدكتوراه السعودي سامي الحصيّن , فهل يريد الراشد مزيدا من الحرب على ( الأصولية ) و( التطرف ) الاسلامي داخل الحدود الأميركية ؟ ألم يكف الراشد تحريضه على ما يسميه التطرف في العالم الاسلامي حتى يتطوع لاسداء النصح لأميركا لتمارس مزيدا من اضطهاد المسلمين لديها وقمعهم واذلالهم؟

أرأيتم ا الغل الذي في قلب هذا الرجل؟

بل يبرز سؤال أهم: هل نجح الراشد في تحويل ( الشرق الأوسط ) الى مطبوعة صهيونية ؟

بعد أن فرغت من قراءة ما كتبه هذا البائس صوبت عيني يمين عموده , فرأيت مقالا بعنوان ( الفشل في العراق سيكون كارثة على الغرب ) وكان الكاتب هو اليهودي الصهيوني هنري كيسنجر , أحد ألد أعداء أمتنا في الأزمنة المعاصرة .

أجل .. لقد نجح الراشد ليس فقط في ( صهينة ) طرح الصحيفة , بل في جعلها أيضا بوقا للصهاينة يبثون من خلاله ثقافة ( الحب ) ويحذروننا من ( ثقافة الكراهية ) ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ّّ‍‍‍‍‍‍‍... لعنة الله عليهم .

 

       نص الخبر المشار إليه

        نص المقال المشار إليه