سلام
عليكم ..
هذا تعليق على مقاله اليوم رأيت مناسة وضعه هنا ...
رابط المقال http://writers.alriyadh.com.sa/kpage.php?ka=232
عندما قرأت عنوان مقالك قلت بأنك ستخرج عن دائرة المعنى الذي تجول في
ساحته وتكرره في كل مقالاتك دون أن يتغير منه سوى الرسم واللون الذي تدبجه
به !!
قلت سيحدثنا اليوم عن اليابان والمفارقات التي يعيشها في ثقافته ومعطيات
حضارته ... فإذا اليابان لم تكن مقصود حديثك ، ولا مرام تقريراتك .. وإذا
بك ـ حتى دون تدرج في المقال ـ تقذف بمعناك الذي تدور حوله عند أول حرف
تفرزه !!
يا أخي .. أشعر أنك تعيش أزمة ضيق من السعة ، وشرقة من الماء الزلال ،
ومرارة من العسل المصفى .. فتصرخ بملء الصوت بتلك الأزمات تريدها تنتهي ملء
الأسماع والأفئدة ...
في كل مرة تبدي وتعيد على موروثنا الثقافي ، وتاريخنا المديد الذي نفتخر
به ـ وربما أنت لا تريد ـ وتجعل ذلك الموروث هو السبب وراء تخلفنا وعدم
انطلاقتنا تجاه الحضارة الإنسانية المعاصرة ...
فتتحدث عن موروث دون تمييز ، وتتحدث عن حضارة معاصرة دون تمييز !! فهل
ترد كل موروث ؟ وهل تمدح كل معنى للحضارة الغربية ؟؟ إذاً فهذا هوى لن يجدي
معه نقاش ومجادلة ...
وإن كنت تميز بين موروث وموروث فلا تجعل ميزان ذلك ما يوحيه إليك عقلك
وما تميل إليه نفسك لأنه كما قيل ( كل بعقله راضي ) ، ولكن تلك الجهود التي
لم يشهد لها مثيل في التاريخ في تمييز ذلك الموروث ، والتي جعلت ذلك
الموروث ـ بفضل الله تعالى ـ وصل إلينا غضا طريا ، لا يضره أن رآه من رآه
دون حجب قد تكون قدر الكف حين تحجب عن عين صاحبها ضياء شمس تملأ الآفاق من
حوله ...
فإذا كنت تريد هدما لتلك الجهود التي لم تتكلف منها قدر عناء أنملة ،
وليس لك فيه نصيب مخيط في يم فلا غروى ! لأن ( اللي ما يطول العنب يقول
حامض ) ...
إن ضرب الأمثلة لموروثات هي محل الرد والتغليط ثم الوصول بها إلى تعميم
ذلك على كل موروث يعد من المغالطات في الأقيسة المنطقية ، وفي المفاهيم
اللغوية والواقعية ، وما هي إلا حيلة الإيرادات التي ليست هي محل معارضة ،
والإلزام بغير اللازم ..
إن جعل النصوص الشرعة مجرد لفظ لا مفهوم له يعرف بالخطاب هو تفريغ من
المقصد لأساس لها وهو البيان والحجة والهداية ، كما الكأس الفارغ يضع
الشارب فيه ما يشاء ثم يجعل حكم الكأس واحدا من حيث نتيجة الصحة والنفع ...
والمتأمل لحكمة الله تعالى في خلقه وشرعه يرى أنه سبحانه وتعالى قد جعل
من خلقه أهل أمانة وبيان وفهم ثاقب حملوا لنا ذلك الشرع الذي جاء به وأرسل
به رسوله ، والذي جعل التكليف به قائما إلى قيام الساعة . فلئن فرغت النص
الشرعي مما فهموه ـ وهم أول من وجه لهم الخطاب ـ فستفتح الحجة لخصم قد
يأتيك يطلب منك تفريغ الدين من نقولاتهم ، وبنفس الحجة التي تتسلح بها ..
وعندها سيلزمك بأن العباد مكلفون بما لم يحفظ لهم ، وما لا سبيل إلى
معرفتهم به !!! فكيف والله تعالى هو الحكيم العليم . نعم .. لا ندعي العصمة
أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن هذا لا يعني وليس من لازمه إلغاء
فهمهم للدين أو أن فهمنا أكمل من فهمهم .. وليس من المعقول أن يأتي من قفز
وجوده إلى القرن الخامس عشر فتصغي إليه الآذان بأنه أفقه وأعلم بأمور الدين
من السابقين الأولين ومن عاصر الوحي المبين ..
وكأني بك ستسمي ذلك تقليدا أعمى أو تجميدا للعقل ، فسمه ما شئت ، فلا
عجب أن يقرر القول بالتشنيع على المخالف ، ولكن لا يخفى على كل عاقل أن
التداوي عند طبيب حاذق لازم الطب ومارسه وكان هو جل اهتمامه أولى وأجدر ممن
كان له اطلاعات في الطب وقراءات غير متفرغة ، بل مقتضى العقل أن لا مقارنة
بينهما .
ثم إنك في جانب الحضارة الغربية تطلقها من غير تمييز ، فهل كل معطياتها
في نظرك من الحضارة المقبولة السامية ؟؟ هل تريد إقناعنا بأن الجانب المشرق
من الحضارة الغربية هو كل معطياتها دون قصور النظر على جانب دون آخر ..
الذي أعرفه أن الحضارة الغربية تعيش جوانب كثيرة من التأزمات النفسية ،
والتفككات الاجتماعية ، والانحلالات الخلقية ، والتنوع الجريمي ... وقائمة
يطول حصرها من الإشكالات الظاهرة في المجتمعات الغربية . فهل هي داخلة في
معنى التحضر والمعاصرة التي تعنيها ، وتدور عليها جل مقالاتك ؟
أراك متضايقا من النظر إلى الحضارة الغربية من منظار التقدم التكنولوجي
، مع أن الواقع يفرض هذه النظرة، مع عدم إنكار وجود تجارب نفسية وإدارية
ناجحة ، ولكن النظر العالمي لمقياس الحضارة العصرية عند الإطلاق منصرف إلى
ذلك التقدم المادي ...
وأضرب لك المثال من مقالك .. وهو ماليزيا ... ما الذي تغير فيها ؟ وما
الذي جعلها تصنف في عداد الدول المتقدمة ؟
هل هو تغير اجتماعي طرأ عليها ؟
أو تغير موقفها من المرأة ؟
أو أنها كانت محافظة على موروث ثقافي فتنكرت له ؟
لن تجد إلى هذا ولا إلى ذاك سبيلا ...
ولكنه اهتمام بالموارد ، واستغلال للطاقات ، وانفكاك من رق القيود
الغربية التي تقف دون أي تقدم تقني للدول الإسلامية .
فهذه النظرة هي التي يفرضها الواقع وليس افتراضي ولا افتراضك ، ولذلك قد
ضقت أنت بذلك في مقال سابق حين بررت استفادة الصحوة وحضور كثير من شبابها
إلى هذا الميدان التقدمي بهذا النظر الذي حكمت عليه بالنقص والقصور .
ياأخي ..
كم وكم تدور حول مفهوم التحرر ، والتخلص من القيود ، والانطلاق المنفتح
الحر ، ثم إني أراك تنكفئ هنا على الحضارة الغربية وضرورة عدم تجاوزها ،
وأن النظر إلى أي حضارة أخرى سواء كانت يابانية أو شمالية أو جنوبية هو
سبيل إلى الوقوف والتعطل عن تلك الحضارة التي ملأت العين والفؤاد ...
إقرأ إن شئت : (لاشك ان من يتأمل القضية على هذا النحو يدرك انه لا يمكن
ان يصبح اليابان ولا غيره من دول الشرق الصاعدة نموذجاً لنا في الاستغناء
عن منظومة الغربي الثقافية، ) .
واقرأ إن شئت (وبهذا تجبرنا الصيرورة التاريخية، وشروط تشابه الاشكال،
على ان نسلك طريق الغرب لا طريق الشرق، سواء التقيا او لم يلتقيا ) .
فإن تعجب فاعجب !!
وأخيرا .. لنكن واقعيين صادقين مع أنفسنا : هل حين ننطلق في مجتمعنا إلى
التقدم الصناعي المفتوح والمكشوفة أوراقه سواء كان صناعات حربية أو غير
حربية ... هل ستسمح لك أمريكا وأخواتها من دول الغرب بذلك ؟ هل ستسمح لك
بصناعة طائرة حربية ؟؟ عفوا هل ستسمح لك بصناعة قطعة صغيرة من قطع غيار
طائراتها التي قصرتك عليها ؟؟
إذاً يبقى السؤال ... من الذي يقف دون انطلاقنا في التقدم الحضاري
المعاصر ؟
هل هو موروثنا الثقافي ؟
أم التسلط الغربي على العقل الشرقي ؟ واستسلام الشرقي لذلك ؟
والسلام .