فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان - عضو هيئة كبار العلماء
الجزيرة عدد 11672 / الأحد 27 رجب 1425
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمّد وآله وصحبه
.. وبعد :
فقد كثر على ألسنة بعض الكتاب أنه لا تجوز تخطئة المخالف ، وأنه يجب
احترام الرأي الآخر ، وأنه لا يجوز الجزم بأن الصواب مع أحد المختلفين دون
الآخر .
وهذا القول ليس على إطلاقه ؛ لأنه يلزم عليه أن جميع المخالفين لأهل
السنة والجماعة على صواب ولا تجوز تخطئتهم ، وهذا تضليل ؛ لأنه يخالف قول
النبي - صلى الله عليه وسلم " وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها
في النار إلا واحدة , قيل : مَن هي يا رسول الله ؟ قال : هم مَن كان على
مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي "
ويلزم على هذا القول أيضا أن المخالف للدليل في مسائل الاجتهاد لا يقال
له مخطئ ، ولا يُرَدُّ عليه ، وهذا يخالف قول النبي - صلى الله عليه وسلم "
إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران , وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد " فدل
على أن أحد المجتهدين المختلفين مخطئ ، لكن له أجر على اجتهاده ولا يُتابع
عليه ؛ لأن اجتهاده خالف الدليل ، وإنما يصحّ اعتبار هذا القول ، وهو عدم
الجزم بتخطئة المخالف ، في المسائل الاجتهادية التي لم يتبين فيها الدليل
مع أحد المختلفين ، وهو ما يعبر عنه بقولهم : " لا إنكار في مسائل الاجتهاد
" و " الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد " وهذا من اختصاص أهل العلم وليس من حق
المثقفين والمفكرين الذين ليس عندهم تخصص في معرفة مواضع الاجتهاد وقواعد
الاستدلال أن يتكلموا ويكتبوا فيه .
ولو كان لا يُخَطَّأ أحدٌ من أصحاب الأقوال والمذاهب لكانت كتب الردود
والمعارضات التي ردّ بها العلماء على المخالفين كلها مرفوضة ، ولما كان
لقوله تعالى " فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ
وَالرَّسُولِ " فائدة ولا مدلول ؛ لأنه لا تجوز تخطئة المخالف ، وهذا لازم
باطل ؛ فالملزوم باطل .
وما نقرؤه وما نسمعه من اتهام للعلماء الذين يردّون على المخالفين بأنهم
يحتكرون الصواب لهم ، ويُخَطِّئون مَن خالفهم ، وأنهم يُصادرون الآراء
والأفكار .. إلى آخر ما يقال ؛ فهو اتهام باطل ؛ فإن العلماء المعتبرين لا
يحتكرون الصواب في أقوالهم ، وإنما يُخَطِّئونَ مَن خالف الدليل ، وأراد
قلب الحقائق ؛ فيردّون على مَن هذه صفته عملاً بقول النبي - صلى الله عليه
وسلم "الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه
ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " .
وقد ردّ الله - سبحانه وتعالى - على أهل الضلال في مواضع كثيرة من كتابه
الكريم ، وشرع لنا الردّ عليهم ؛ إحقاقاً للحق ، وإزهاقاً للباطل .
ولولا ذلك لشاع الضلال في الأرض ، وخفي الحق ، وصار المعروف منكراً ،
والمنكر معروفاً ، بل شرع الله لنا ما هو أعظم من ذلك ، وهو جهاد أهل
الباطل بالسيف والسنان ، وبالحجة والبيان ؛ قال تعالى { يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ } .
وإذا كان حصل من بعض المتعالمين سوء أدب مع المخالفين ، وتجاوز للحدود
المشروعة في الردّ فهذا لا ينسب إلى العلماء ، ولا يتخذ حجّة في السكوت عن
بيان الحق ، والردّ على المخالف .
هذا ما أحببت التنبيه عليه { إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا
اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }
وصلى الله وسلم على نبينا محمّد وعلى آله وصحبه .
اشهد الا اله الا الله واشهد ان
محمدا رسول الله .............. btaymor@yahoo.com