بسم
الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه،
أمَّا بعد.
فقد قامت هذه الدولة المباركة على تحكيم كتاب الله تعالى وسنّة رسوله
صلّى الله عليه وسلّم، والسّير في أحكامها على منهج سلفنا الصّالح، رحمهم
الله تعالى، وإحالة القضايا الشّرعيّة لبيان أحكامها إلى أهلها؛ من قضاة
أفاضل، وعلماء متمكنين من العلوم الشّرعيّة.
لذلك شكّلت هيئة كبار العلماء، والرئاسة العامة للبحوث العلمية
والإفتاء، ومجلس القضاء الأعلى، وهيئات التمييز، والمحاكم الشّرعيّة،
وديوان المظالم.
ومنذ أكثر من عقد من الزّمن أنشئت وزارة الشّؤون الإسلاميّة والأوقاف
والدّعوة والإرشاد؛ لتعنى بالمساجد بالإعمار الحسيّ، واختيار الأئمة
والخطباء، والسّعي لرفع كفاياتهم من خلال الدّورات، واللجان الاستشاريّة،
ولجان المتابعة وغير ذلك.
وأبواب هذه الجهات الرّسميّة مفتوحة لكلِّ من أراد تقديم نصيحة، أو
انتقاد، أو اقتراح بناء، ويكون ذلك عن طريق الوسائل الّتي يقرها الشّرع،
ويأذن بها النّظام.
إلاّ أنّنا أصبحنا في هاتين السنتين الماضيتين نرى ازدياد وتيرة النّقد
لهذه الجهات الشّرعيّة الرّسميّة من كلِّ من هبَّ ودبَّ؛ ممّن يرى نفسه
قادراً على الكتابة في الصُّحُف، ودخل معهم كثيرٌ من مرضى القلوب الَّذين
يمشون بالنميمة، ويفرقون بين الأحبّة، ويلتمسون للبراء العيب.
وقلبوا للعلماء الأفاضل ظهر المجنّ، وتطاولوا عليهم، ولم يمتثلوا ما
أمرهم الله به ورسوله صلّى الله عليه وسلّم من العودة إلى العلماء إذا أشكل
عليهم أمر، ومن الأخذ بقولهم إذا تنازعوا في أمر، وظنوا أنفسهم ممن يحقّ
لهم الخوض في كلِّ صغيرة وكبيرة من أمور الدّين.
وأحالوا صُحُفهم إلى منابر لنقد العلماء، وتجريحهم، وتسفيه أقوالهم،
وأصبحوا يدّعون العلم الشّرعيّ، ويتهمون العلماء بالجهل... إلخ.
وقد بالغت بعض الصُّحُف في ذلك حتّى أصبحت لا يصدر عددٌ من أعدادها إلاّ
وفتحت فيه أبواق هؤلاء الصُّحُفيين وغيرهم من المجاهيل؛ لنقد العلماء
وتجريحهم، تحت ذريعة الرأي والرأي الآخر.
ومن آخر ما خرج به علينا هؤلاء الصُّحُفيون: قيام محمّد آل الشّيخ بنقد
الخطباء، والقيام بعمليّة تنظير لما يجب أن يكونوا عليه، وأخذ يلمز بطرف
خفيّ سماحة المفتي العام للمملكة العربيّة السّعوديّة.
وختم مقاله بادعائه أنّه لا يعلم بمن يقتدي؟
وصدق تعالى إذ قال ((وإذا جآءهم أمرٌ من الأمنِ أو الخوفِ أذاعوا به ولو
ردُّوه إلى الرَّسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم
ولولا فضل الله عليكم لاتّبعتم الشّيطانَ إلاّ قليلاً)).
قال العلاّمة ابن سعدي، رحمه الله تعالى: هذا تأديب من الله لعباده عن
فعلهم هذا غير اللائق، وأنّه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمّة،
والمصالح العامّة ما يتعلق بالأمن، وسرور المؤمنين، أو بالخوف الّذي فيه
مصيبة عليهم، أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى
الرّسول، وإلى أولي الأمر منهم؛ أهل الرأي، والعلم والنّصح، والعقل
والرّزانة، الّذين يعرفون الأمور، ويعرفون المصالح وضدِّها... وفي هذا دليل
لقاعدة أدبيّة؛ وهي أنّه إذا حصل بحث في أمر من الأمور، ينبغي أن يولى من
هو أهل لذلك، ويُجعل إلى أهله، ولا يُتقدّم بين أيديهم، فإنّه أقرب إلى
الصّواب وأحرى للسّلامة من الخطأ... ثمّ قال تعالى ((ولولا فضل الله عليكم
ورحمته)) أي في توفيقكم وتأديبكم، وتعليمكم مالم تكونوا تعلمون ((لاتّبعتم
الشّيطان إلاّ قليلاً)) لأنّ الإنسان بطبعه ظالم جاهل، فلا تأمره نفسه إلاّ
بالشّرِّ.
وقال رسول الهدى صلّى الله عليه وسلّم: ((ليس منّا من لم يجلّ كبيرنا،
ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقّه)).
وقال عليه الصَّلاة والسّلام، في حقِّ من جهل الحكم الشَّرعيّ ويخوض
فيه، فيتسبب في إنزال الضّرر بغيره: ((قتلوه، قتلهم الله ! ألا سألوا؟
فإنّما شفاء العيّ السُّؤال)).
وأيُّ ضرر أعظمَ من إضلال النّاس بغير علم!!!
ومن الضّرر العظيم أن يقوم كاتب، عريٌّ عن العلم الشّرعيّ، فيتدخل في
عمل العلماء والخطباء، ويبدأ في الخوض في ما يجهله؛ بزعم أنّه يريد بيان
واجبات الخطيب، و(رسالة) المسجد، فيخلط الحقّ الّذي سمع به بالباطل الّذي
في نفسه، ويغترّ النّاس بقوله، ويظنونه حقّاً؛ لما يرونه قد تكلّم بكلام
حقٍّ، ولا ينتبه العامَّة للباطل الّذي فيه، أو لأنّه جاء من غير صاحبه، أو
وضع في غير محلّه.
وكم من كلمة حقٍّ أريد بها باطل!!!
قال الله تعالى ((وإذ أخذ الله ميثاق الّذين أُوتوا الكتاب لتبيننه
للنّاس ولا تكتمونه)).
فيجعل الصُّحُفيّ المَهمَّة الّتي أناطها الله بالعلماء من إبداء
النّصح، والتّوجيه، والتّحذير من الأخطاء، وبيان الحكم الشّرعيّ، يجعل كلَّ
هذه المهام الشّريفة: تسييساً للخطبة، وتصفية حسابات، وتحريضاً ضدّ
الآخرين، وهذا الكلام معلوم من هو المقصود به، في هذا المقال؛ إنّه سماحة
المفتي العام، حفظه الله! لما ألقى خطبة الجمعة في 9/8/1427هـ. وانتقد بعض
الصُّحُفيين الَّذين يتهجّمون على العلماء ويتطاولون عليهم، دون أن يسمي
أحداً، إنّما اتّبع الهدي النّبويّ في الخطبة.
وممّا قاله الكاتب: "لم يكن المسجد في يوم من الأيام محل (تحريض)، أو
تصفية حسابات، ولم تكن خطبة الجمعة خطبة في (السياسة) أو النَّقد، ولم يذكر
لنا التاريخ أنّ منبر الجمعة استغلّه المعارضون لفرد عضلاتهم، والمزايدة
على السُّلطة، أو على قرارات أجهزة من أجهزتها".انتهى.
وفي هذا خلط للأوراق، وتحجيم لواجب العلماء، وواجب الخطباء حيث منعهم من
النّقد، وما مَهمّة العالم والخطيب إذا منعناه من نقد الأخطاء؟
هذا الحقّ؛ وهو حقّ نقد الأخطاء والباطل، أدرجه الكاتب ضمن كلام حق،
وكلام مطلق يحتمل وجوهاً؛ فيصل أهل الانحراف من هذا الكلام إلى مقصودهم
الّذي يدندنون حوله: ((إلجام العالم وإسكات الخطيب حتّى لا ينتقد باطلهم
الّذي يروجون له في وسائل الإعلام)) فيعيش النّاس لا يعلمون الحقّ من
الباطل!!!
ثم وجه الكاتب طعنه في الخطباء، دون استثناء، من خلال كلام حقّ شابه
باطل، فكان ممّا قال: "وفي ظل هذه الفوضى الفكرية العارمة، وامتطاء الدين
كوسيلة، تحوّل المنبر إلى أداة (سياسية)".انتهى.
وانظر إلى الباطل الّذي روّج له الكاتب حيث قال: "والمتتبع (لتاريخ)
خطبة الجمعة في الإسلام، لن يجد هذه النَّبرة السياسية التي يمارسها
(خطباء) المساجد هذه الأيام، فلم تكن (قط) وسيلة من وسائل النصيحة (الخاصة)
التي نادى بها الإسلام، لأنّ الأصل في (النصيحة) الخاصة أن تكون سرِّية
وأخويّة". انتهى.
وهذا خلط للباطل بالحقّ، وتطاول على الأحكام بجهل؛ فيقول: (والمتتبع)،
والعامّيّ إذا سمع هذا الكلام، قال: ما شاء الله تعالى! كاتب صاحب علم
متتبع للخطابة في تأريخ الإسلام! وهو من أجهل النّاس بها، والّذي يبيّن
جهله بها ما جاء بعدها حيث قال: فلم تكن (قط) وسيلة من وسائل النّصيحة
(الخاصة).
ونسي، أو تناسى أنّ النّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يفعل هذا على
المنبر؛ فيقول: ((مابال أقوام؟)).
ونسي أنّ الباطل إذا أُعلن، فإنّه يجب أن يُنكر علانيّة، فهؤلاء
الصُّحُفيون ينشرون باطلهم في صُحُفهم، ولا يريدون من العلماء والخطباء أن
يحذِّروا النَّاس من شرِّ ما ينشرون، فيتعوذون بهذه الأساليب الملتوية،
ويسعون لتوظيف النّصوص الشّرعيّة لتأييد باطلهم، وهنا مكمن الخلل!!!
ويقول عن خطبة الجمعة: "بينما خطبة الجمعة (علنيّة)، يسمعها القاصي
والداني، وقد يستغلّها الانتهازيون، فتكون وسيلة لنسف (نظرية الطاعة) في
الإسلام، التي هي أساس الاستقرار في مجتمعاتنا؛ وطاعة ولي الأمر هي الأصل
الشرعي في ضرورة الامتثال لما تصدره (الدولة) من أنظمة وتعليمات".انتهى.
ونسي، أو تناسى المسكين أنّ خطبة الجمعة الّتي يتكلّم عنها يسمعها ألفٌ
أو ألفان أو ثلاثة، بينما مقاله يشرّق ويُغرّب، ومقالات بعض الصُّحُفيين لو
طبقنا عليها كلامه، لوجدناها تنسف (نظرية) الطاعة الّتي يزعم الحرص عليها.
وهو هنا ينتقد الخطباء، ولا يستثني، وينشر نقده وتجريحه لكلّ أحد، ولا
يريد من العالم والخطيب أن يبيّن الحقّ ويحذّر من الباطل، ثمّ لا ينسى أن
يتمسح بنظريّة (الطّاعة) كما نعتها، ولا ينسى كذلك أن يتمسح بقضيّة محاربة
الإرهاب، حتّى يظهر أنّه صاحب غيرة على الدّين وحرماته، ونسي أنّ ما يقوله
هو من تجريح لثلاثين ألف خطيب في المملكة، وعلى رأسهم سماحة المفتي العام،
حفظه الله!!!
ولم ينس الكاتب أن يستشهد بشعر للإمام الشَّافعيّ، رحمه الله، وكلام
للعلاّمة ابن قيّم الجوزيّة، رحمه الله، وما علم المسكين أنّ استشهاده عليه
لا له، إذ كيف يريد من العالم والخطيب أن يبيّن الحق الّذي أمره الله
ببيانه، ويحذِّر من الباطل الَّذي أمره الله بالتّحذير منه، دون نقدٍ
للممارسات المنحرفة، والأفكار المنحرفة الَّتي يروج لها بعض الكتّاب، هداهم
الله تعالى؟!!
وختم الكاتب حديثه ببيان حيرته وضياعه، وأنَّه لا يعرف من هم قدوته؟
وكأن جميع علماء هذه البلاد المباركة لم يملأ أحد منهم عينيه، ولم يقتنع به
حتّى قفز إلى لمزهم بجماعات إسلامية خارجيّة، هو يعلم أنّ العلماء ليسوا
منهم.
http://www.al-jazirah.com/498536/ar3d.htm
أسأل الله تعالى أن يردّ الكاتب إليه رداً جميلاً، وأن يعيذ المسلمين من
شرّه!!!
محبكم كيبورد
.